البي بي سي قلم حبر جاف

مصدر الصورة Aref Hijjawi
Image caption مقابلة في القدس مع الرئيس الإسرائيلي السابق إسحق نافون

عندما التحقت بالبي بي سي وجدت القسم العربي يحتفل بعيد ميلاده الخمسين.. وغادرت البي بي سي وهو يحتفل بعيد ميلاده الستين.. واليوم أُدعى إلى الكتابة عن القسم العربي وهو يحتفل بعيد ميلاده الثمانين.

أنا سعيد. أولاً لأنني ما زلت على قيد الحياة. وثانياً لأنني أكتب من الخارج بعيداً عن صراع الديكة. وفي كل مؤسسة فإن العاقل الأمين يعيش نصف ساعات الدوام عاملاً مخلصاً، والنصف الآخر محارباً، فإن كان أحد يعرف مؤسسة ليس فيها صراع فليدلني عليها كي أقبل جدرانها مثلما يقبل الحجيج الحجر الأسود.

قد عشت حياتي البيبيسيّة عاملاً محارباً كما ينبغي، وربحت علماً كثيراً، سألم ببعض أطرافه عرفاناً لا افتخاراً. والآن إلى البداية.

قدمت إلى لندن شاباً في أوائل الثلاثين، وخرطوني (هذه من "انخرط" فانتبه!) في دورة يسمونها دورة القادمين الجدد. جاءنا فيها مدربون من أقسام شتى. وكلهم ينتقد البي بي سي بسخرية، مبطنة حيناً مكشوفة حيناً، لكن بغير مرارة.. شيء لا يحسنه في درب التبانة أحد كما يحسنه الإنجليز. أخذت جرعة من اطِّراح تمجيد الذات، ومن القدرة على نقد الذات. وكان في هذا درس.

بعد شهرين حملونا - نحن الأجانب الجدد - إلى إيفشام؛ وهذه قرية في وسط بريطانيا للبي بي سي فيها مركز هندسي. وقيل لنا: هيا عيشوا حياة بريطانية. المائدة عجب: أمامي من الملاعق والشوك والسكاكين، والأطباق المختلفات قُطراً وشكلاً، ما يمكن أن أفتح به متجراً للأدوات المنزلية، وجاء طعام من هذا المسلوق الذي يتناوله نزلاء المستشفيات في بلدي فلسطين. وعرفنا هذا الجانب من الحياة البريطانية. وكان ضيفَ المائدة نائب في البرلمان.

انتهينا من الطعام - ونسميه طعاماً للافتقار إلى كلمة أخرى - وقبل أن يلقي النائب خطبته ذهبت إلى المستراح لقضاء حاجة، وصادف أن وجدت هناك زميلاً تركياً، أم لعله إيراني! لا تسعفني الذاكرة. قلت له ونحن واقفان بالباب: المشكلة أنني لم أكتشف بعد لماذا يدفع البريطانيون كل هذا المال كي يثرثروا بثلاث وأربعين لغة؟ لماذا؟

لم يتح لصديقي أن يجيب، فقد خرج من حجيرة في المستراح النائب الضيف نفسه. لقد سمعني. يا للإحراج!

وعدنا إلى المائدة وقد أمست خواناً أزيلت من عليه الأطباق وبقيت الكؤوس. وقرعت مديرة الجلسة جانب كأسها تلتمس الإنصات، وقدمت حضرة النائب. وتكلم، وذكر أشياء عن الديمقراطية، ولا أدري ماذا. لكن فلسطينياً كوته بريطانيا بوعد بلفور لا يقتنع بهذا الكلام. ولم يتطرق النائب إلى تعليقي الذي لا بد أنه سمعه في المستراح. فكان لا بد من تذكيره به. وسألته أمام الجمع السؤال عينه لم أخرم منه كلمة. وأجاب بكلام عن الديمقراطية. لم يقنعني.

وتذكرت عمي معاوية رحمه الله.. فجاءني الجواب.

كان عمي مديراً للدعاية في الخطوط الجوية الكويتية. وكان يتحفنا ببعض اللطائف، ومنها أقلام حبر جاف جميلة المنظر.. وتكتب. وفي زمن طفولتي - ذلك السحيق - كان قلم الحبر الجاف يكتب حرفاً ويحرن حرفاً، فتأتي الكلمة مقطعة تقطيعاً دميماً. لكن قلم الخطوط الجوية الكويتية، الذي يحمل شعار المؤسسة، كان يسير على الورقة سيراً جميلاً، وينز فوقها من دم قلبه بانتظام مدهش. قلم جيد.. إذن لا بد أن المؤسسة التي أهدته إلينا مؤسسة جيدة!

البي بي سي الموجهة إلى العالم بلغاته المختلفة هي قلم الحبر الذي تهديه بريطانيا إلى الشعوب. البي بي سي الموجهة إلى بريطانيا - ويدلعها موظفوها بـ "بيب" - تخدم البريطانيين، ولا شأن لنا بها هنا. والبي بي سي الموجهة إلى الخارج - وكنا ندلعها بـ "هاب"، الأحرف الأولى من "هيئة الإذاعة البريطانية" - كانت قلم حبر جاف. هي هدية دعائية لبريطانيا. وهي هدية جيدة لكي نعرف أن بريطانيا جيدة.

بهذا الفهم عملت في "هاب" عشر سنين راجحة. وازددت معرفة بها عندما وعيت قولهم إنها تبث "وفق المصلحة الوطنية"، "إن ذه ناشنال إنترست". فالشرط ألا تُلحق المؤسسة ضرراً ببريطانيا. ولكن، من ذا يستطيع أن يفسر "المصلحة الوطنية"؟ أهل البي بي سي أقدر الناس على تفسيرها تفسيراً واسعاً. وأَسوق على هذا مثالاً:

وضعت حرب الخليج أوزارها، وأُخرج العراقيون من الكويت. وقامت سوق السلاح على ساقين من حديد. وبدأ الأميركيون والإنجليز يبيعون الحديد لدول الخليج. وقع بيدي تقرير مستند إلى مجلة "جين الدفاعية" يقارن بين مواصفات الدبابة الأميركية (لعلها شيرمان) والدبابة البريطانية (لعلها تشالنجر). وكانت المقارنة في صالح الدبابة الأميركية بشكل صارخ.

كنت منتج برنامج إخباري، وكان في مقدوري أن أضمن التقرير في برنامجي أو أن أتجاهله. وقررت أن أضمنه. كان في نوبة الترجمة المرحوم نجا فرج، وكان التقرير من نصيبه، فصرخ بي: يا رجل، هذا التقرير سيأتيك بالصداع! وقررت أن أفسر المصلحة الوطنية التفسير الواسع. وأذعنا التقرير. ولم أصب بصداع.

ثمة مثال آخر أسطع.

عندما كان العراق يحتل الكويت كان رئيس البرلمان الكويتي موجودا في لندن، وأجريت معه مقابلة انتقد فيها الحكومة الكويتية وانتقد الأمير. كانت هذه المقابلة خليقة فعلاً أن تسبب لي صداعاً،

فقد كانت بريطانيا في ذلك الوقت ضمن التحالف الدولي الذي شن حرباً على العراق لتحرير الكويت. لكنني بثثتها. وأعترف ههنا بخطأ تحريري، غير أنني لا أندم عليه: كان يجب علي أن أستشير سامي حداد مدير البرامج الإخبارية، ولم أفعل. كان هذا من جانبي نزقاً، ولكنني أظن أنني لو كنت استشرته لقرر أن يتجنب الصداع. ومرت على الأمر سنة أو سنتان. وللقصة بقية.

كنت في دورة تدريبية وكان يشرف عليها صحفي تقاعد حديثاً من البي بي سي. رآني من القسم العربي فقال لي: مرحى! أنتم الذين سببتم كل هذا الصداع بسبب المقابلة مع رئيس البرلمان الكويتي! لم يعرف أنني كنت شخصياً المسؤول. وأردف الرجل: لقد ترجمت المقابلة إلى الإنجليزية وجرت دراستها على أعلى المستويات، لأن وزارة الخارجية نقلت اعتراضها واعتراض الكويتيين على المقابلة. المهم، تقرر في النهاية أن المقابلة ليس فيها مشكلة تحريرية.

كنت سعيداً بأن كبار المسؤولين تولوا الرد على الجهات الخارجية بأنفسهم دون الرجوع إلينا. فلم يعلم أحد في القسم العربي بما سببته تلك المقابلة من صداع لعلية القوم. تلك البي بي سي في أحسن حالاتها.

وإليكم قصة أخيرة:

أجريت مقابلة في القدس مع رئيس إسرائيلي سابق هو إسحق نافون. كنا نغطي الانتخابات الإسرائيلية التي أتت بإسحق رابين إلى الحكم 1992. وإلى فندقنا "الأميركان كولوني" جاء نافون. واخترت أن أسأله سؤالاً خبيثاً: أين ولدت سيد نافون؟ وجاءني الجواب المحرج: في القدس. الحمد لله أن هذا السؤال كان قبل بدء المقابلة الرسمية.

مع البي بي سي أجريت مقابلات مع شمعون بيرس في فندق سافوي بلندن، وحسني مبارك في مقر السفارة المصرية بلندن، وعلي عبد الله صالح وياسر عرفات هاتفياً، وحسن الترابي في الاستديو، ومع عشرات من الساسة والمحللين والمثقفين. تعلمت كثيراً، وكانت أخطائي كثيرة. وكان صدر البي بي سي أوسع من صحراء الربع الخالي.

سعيد أنني حضرت ذيل العصر الذهبي للراديو. والقسم العربي الآن يبث كما ظل يبث من ثمانين سنة، وأضيف إليه التلفزيون، والموقع الإلكتروني.

لتكن البي بي سي قلم حبر جاف. لكنه من أفضل الأقلام.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة