"ذاكرة إذاعة" والصندوق الأسود

Image caption مبنى بي بي سي الجديد

لاتزال بي بي سي صرحا عظيما عشت في جنباته ثلاثين عاما. إنها وطنٌ نعيش فيه كما تعيش فينا، والعلاقة معها وجودية؛ خاصةً أنني لم أعمل لأي جهة غيرها منذ أن وطأتْ قدماي مقرها القديم المعروف باسم "بوش هاوس" عام 1986، لألتحق بالعمل في قسم الأخبار، الذي كان يرأسه وقتذاك غازي البندك.

وكان الإذاعي ومقدم البرامج التليفزيونية، سامي حداد في ذلك الوقت رئيساً لقسم شؤون الساعة، الذي كان منفصلا عن قسم الأخبار برئاسة البندك، ذاك الرجل الهادئ الذي كان يغادرنا كل يوم بعد أن ينهي مهمته في تصحيح الأخبار، قائلاً كلمته المعتادة "بخاطركم". وكان يساعده في ذلك الحين جميل عازر، وهو جادٌ في الظاهر مما يوحي إليك بأنه لا يبتسم، لكنك تكتشف بعد اعتيادك التعامل معه أنه ذو شخصية مختلفة تماماً. وكان لدينا في ذلك الزمان مجموعة من الناسخين والناسخات، الذين كانوا يتولون كتابة الأخبار التي نُمليها عليهم على الكمبيوتر، وكانت كلها تُترجم عن أصل إنجليزي يأتينا من غرفة الأخبار المركزية. ورغم التطور التكنولوجي واختفاء هؤلاء الناسخين، فمازالت ترجمة الأخبار عن الغرفة المركزية هي الطريقة المتبعة إلا فيما ندر.

وأصر حداد حينذاك على أن أنتقل إلى وحدته "شؤون الساعة"، رغم أنني كنت أتهرب منه كثيراً، لأنه كان كثير الصياح والحركة، خلافاً لغازي البندك وجميل عازر، صاحبيْ النفس الهادئ .

في تلك الفترة، كان رئيس القسم رجلا إنجليزيا لطيفا يُدعى روني أيك، أحبه الجميع لبشاشة وجهه ورسائله بالغة الاحترام والتقدير. وكان أهم ما جذبني إليه هو اهتمامه بالأداء الصوتي الذي كان يدربنا عليه، رغم عدم معرفته باللغة العربية. وفي تلك الفترة، لم يكن من الممكن أن تقرب الميكروفون وتقول "هنا لندن .. هيئة الإذاعة البريطانية" إلا بعد مضي ستة أشهر على تدريبك على ذلك، وكذلك بعد موافقة مستر أيك، كما كنا نناديه أو روني. وشاءت الأقدار أن أتولى بعد سنوات رئاسة قسميْ "الأخبار" و"شئون الساعة"، بعد حسن معوض ومصطفى أنور، وفترة وجيزة لصلاح نجم، الذي غادر بعدها إلى قناة الجزيرة.

الصندوق الأسود

ومن أقرب محطات عملي في "بي بي سي" إلى قلبي، تلك التي اضطلعت فيها بمسؤولية إعداد وتقديم برنامج "ذاكرة إذاعة" الذي غمرتني السعادة، عندما كُلفت بمهمة تدشينه وإطلاقه.

فرغم أن التنقيب في أرشيف "بي بي سي" لم يكن بالأمر اليسير، فإنني استمتعت بإعداد وتقديم هذه الحلقات أيما استمتاع، لدرجة الاستغراق الكامل في المواد التي كنت أستمع لها بصبر ودأب لاستخرج منها ما يصلح للتقديم في البرنامج، خاصة وأن لسان حال أرشيفنا يقول كما وصف الشاعر لغتنا العربية الجميلة: "أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ .. فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي؟

Image caption فؤاد عبدالرازق

وعثرت أثناء إعدادي للبرنامج الذي أنتجت منه 62 حلقة، على العديد من الدرر. فلم أكن أتخيل - مثلا - أن أجد تسجيلاً للمطربة الراحلة أم كلثوم وهي تخاطب المصريين من منبر "بي بي سي" قائلة "شعبي العظيم" وكأنها ملكة متوجة على عرش الفن، بل وتُزجي التحية من لندن إلى "راعي الفن والفنانين" الملك الراحل فاروق، وقد كانت آنذاك نقيبة الفنانين في مصر والعالم العربي.

وما بالك وأنت تستمع إلى عميد الأدب العربي طه حسين، وهو يتحدث عن الصراع بين العقل والعاطفة، بل ويتطرق إلى "الحموات" وسط ضحكات مدوية من الحضور.

ومن بين التسجيلات التي حرصت على أن تكون فقرةً ثابتة في "ذاكرة إذاعة" إجابات حسن الكرمي على مستمعيه في برنامجه الشهير "قول على قول"، خاصة وأنني لم أذهب إلى أي مكان في العالم العربي أو في القارة الأفريقية، إلا ووجدت من يسألني عن الكرمي وبرنامجه.

وكان ذلك السؤال يأتي من الجميع على اختلاف أعمارهم. ولذا أصبح صوت الكرمي - الذي عاش عمراً مديداً تجاوز المائة بعامين إلى أن وافته المنية عام 2007 في الأردن - حاضراً في كل حلقات "ذاكرة إذاعة"، ليعيش المستمعون لحظات ممتعة مع إجاباته المعمقة.

وفي الحلقة الأولى من البرنامج اخترت إجابةً له عن سؤالٍ يخص بيت أبي نواس الذي كاد أن يودي به وهو يقول لنديمه: "يا أحمد المُرتجى في كل نائبة .. قم سيدي نعص جبار السموات"

وعلى مدار عقود ظلت أخبار "بي بي سي" المرجع والحجة، وكان لسان حال الجميع يقول: "إذا قالت بي بي سي فصدقوها، فالقول ماقالت البي بي سي أو إذاعة لندن"، التي لم يكن الزعماء وقادة الرأي وأهل الحل والعقد ينامون قبل الاستماع إليها، قبل أن يستيقظوا أيضاً على دقات ساعتها الشهيرة "بيغ بين".

وكم كانت سعادتي وأنا استمع إلى صوت الفنان العربي الراحل يوسف وهبي، خلال استضافته في برنامج "أعلامٌ من الشرق والغرب"، في حلقة أخرجها الإذاعي نديم ناصر وقدمتها الإذاعية مديحة رشيد المدفعي، وهو يتحدث عن أول تجربة له في التمثيل أو فن التشخيص كما كان يُعرف قديماً، وذلك عبر مسرحية "عطيل" أو "أثيلو" للشاعر الإنجليزي وليام شكسبير.

ومن بين المحطات التي يصعب على المرء إغفالها، مقابلةٌ أجراها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر باللغة الإنجليزية في مطلع عام 1959 مع المذيع المخضرم حينذاك ويدرو وايت، آثرت تقديمها باللغة الإنجليزية كما هي دون ترجمة صوتية مُصاحبة، تاركاً صوت وأداء عبد الناصر المُعبرين للغاية بلا رتوش.

وهنا أجدني مدفوعاً للحديث عن تجربتي الشخصية مع العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، الذي كان الرئيس المصري الراحل قد لقبه في كلمة شهيرة له بأنه "أمين القومية العربية"، وهي الكلمة التي كان يحتفظ الزعيم الليبي الراحل بتسجيلٍ لها، يُسمعه لكل من يقابله.

مصدر الصورة BBC Sport
Image caption فؤاد عبدالرازق مع العقيد الليبي الراحل معمر القذافي

وعندما قابلته في جنوب إفريقيا، على هامش تغطية إحدى قمم منظمة الوحدة الأفريقية التي تحول اسمها بعد ذلك وبإيعاز من القذافي أيضاً إلى الاتحاد الأفريقي - وجدته غير متحمس كثيراً للحديث مع ميكرفون الإذاعة، مُفضلًاً على ذلك كاميرات التليفزيون. لكنه تراجع في ما بعد عن موقفه، عندما قلت له إنه يروج لحكم الجماهير لنفسها، وهذه الجماهير فقيرة لا تقوى على شراء أجهزة استقبال البث التلفزيوني المنقول عبر الأقمار الاصطناعية، فيما تستطيع شراء أجهزة راديو؛ "لذا فمن سيشاهدك قليلون بالمقارنة بالراديو ومستمعوه بالملايين". ليوافق القذافي على إجراء المقابلة، لكن وهو واقفٌ بقامته الفارعة وناظراً إلى أعلى كذلك طول الوقت، مما جعل مهمة إجراء الحوار ليست باليسيرة على الإطلاق.

وأختتم ذكرياتي، بما لا يزال ساكناً فيها من تفاصيل لقاءات جرت مع الفنانة الراحلة سعاد حسني، التي كانت تتردد على القسم العربي لـ"بي بي سي" في الشهور السابقة لوفاتها الغامضة. فقد كانت دائماً تأتي بليلٍ مُرتدية نظارة شمسية حتى لا يعرفها أحد. وخلال هذه الزيارات الليلية، سجلت السندريلا بمساعدة مني ومن الزملاء أشعاراً لشاعر العامية الراحل صلاح جاهين، ومنها أبياتٌ يرى البعض أنها لا تزال تعبر عن وضع المنطقة في الوقت الراهن، وهي قصيدةٌ بعنوان "وقف الشريط في الوضع ثابت".

وما سبق لا يعدو غيضاً من فيض لقاءاتٍ وحوارات بُثت على أثير "بي بي سي"، وشملت العديد من الشخصيات العربية والغربية البارزة، كان من حسن الحظ أن التقيت كوكبةً منهم، مثل زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، ووزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندليزا رايس، والأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي، فضلاً عن الأمين العام السابق للجامعة العربية والمرشح الرئاسي المصري السابق عمرو موسى، إلى جانب أمير الكويت الحالي الشيخ صباح الأحمد الصباح، عندما كان رئيساً للوزراء، والأمير السعودي طلال بن عبدالعزيز في تجربةٍ أولية لما أصبح في ما بعد برنامج "نقطة حوار".

ومن أغرب هذه المقابلات اثنتان أجريتهما في يومٍ واحد بنواكشوط مع رئيسيْن موريتانيين؛ أحدهما سابق والآخر حالي، واحدة في القصر الجمهوري والأخرى عبر الهاتف.

ولا يزال أرشيف "بي بي سي" زاخراً بمثل هذه المقابلات وأكثر، بما تحفل به من أسرار تجعلني أطلق على "ذاكرة إذاعة" اسم "الصندوق الأسود" الذي ما زال يحوي الكثير والكثير، مما يجعله بحاجة إلى غواصٍ ماهرٍ محبٍ عاشق، ينقب فيه ويستخرج درره، ليقدمها إلى جمهور الـ"بي بي سي" الذي يحتفل مع القسم العربي بعامه الثمانين.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة