هل فكّرت في أن تصبح مذيعاً؟

Image caption "بوش هاوس"، مقر بي بي سي العربية الى عام 2007

كنت طفلاً عندما غرق لبنان في حربه الأهلية.

وكانت وسائل الإعلام المحلية القليلة المسموعة في سبعينيات القرن الماضي تبدو لي إما منابرَ لتبادل النقد والتهويل بين القوى المتصارعة، أو مراكز إنذار تحدد لنا المناطق الآمنة من الخطف والقنص أو القصف المدفعي حتى نعرف كيف نتحرك، ونعرف ما إذا كان خيار الذهاب إلى المدرسة متاحا.

في تلك الظروف كانت والدتي تصرّ على فتح نافذة كل صباح نطل منها على عالم أوسع من حزام الخوف. وكلما شرّعت تلك النافذة دخل منها صوت يقول "هنا لندن، هيئة الإذاعة البريطانية".

مع هذا الصوت دخلت المعرفة والثقافة واللغة الجميلة الصحيحة التي كان مدرّس اللغة العربية يوصيني بالاستماع إليها من البي بي سي لتحسين لغتي.

شببت وأصبحت صحفياً ومذيعاً وظللت أحمل تلك النافذة أينما ذهبت. في المكتب وفي السيارة وفي المنزل، حيث كنت أختم سهرتي على ضوء الشموع بحصاد اليوم الإخباري.

Image caption بسام العنداري مع الإعلامي أيوب صديق

ودارت الأيام فوجدت نفسي بين العمالقة الذين عشت مع أصواتهم أكثر من عقدين من الزمن.

وأحسست بأنني عدت إلى المدرسة من جديد. مدرسة أساتذتي فيها الأديب والشاعر والمسرحي واللغوي والموسيقار والصحفي. والأهم من ذلك أن تواضع الكبار هو الذي فتح لي ولزملاء من جيلي الطريق ليكون لنا دور في تكوين المكان الذي أصبح مستقرّنا منذ عشرين سنة ويزيد.

في يوم من أيام سنة 1995 قال لي الشاعر والمذيع السوداني أيوب صديق: "لا تقل في ختام برنامجك: "حلقةُ بين السائل والمجيب انتهت" بل قل "انتهت حلقة بين السائل والمجيب" فهذا أسلم. لأن الجملة العربية تبدأ بفعل". لم أحفظ النصح جيداً وكررت الخطأ فكرر أيوب النصيحة. ولمن لا يعرف أيوب صدّيق فهو لغويّ قدير وشاعر فذّ خفيف الظل. لذلك كتبت إليه شعراً فقلت:

قدّمتُ إسماً على فعلٍ فقيل نحَا مَنحى الأعاجمِ، لم يظفرْ بمطلوبِ
وأقبلُ الحقَّ لكنْ ما يُؤَرّقُني أنْ عِيلَ مِن فَرْطِ لحني صبرُ أيوبِ

فَردَّ أيوب:

نُصحي قبِلتَ بلا كبْرٍ ولا نزقٍ خُلقُ الكريم بَدا من حُسن تهذيبِ
أنتَ الفصيحُ لساناً في القريضِ فلا أرضى وقوعَك في هنّاتِ تغريبِ
فالإسمُ يسبقُ ماضيْ الفعلِ، ذلكَ مِن نهجِ الفرنجةِ لا نهج الأعاريبِ
إيرادُ ماضٍ بُعَيْدِ الإسم مرتبةً كالتبر يُذكَر بعد التبنِ والطُّوبِ

سمعت الكلام بعدها وتفاديت الجملة الإسمية ولكنني لم أتطرف في قمعها فيما بعد، فأرضيت أيوباً وزاد علمي.

هذا الحوار بين جيلين مثال على مرحلة مهمة من عمر المؤسسة كان فيها للغة الثقل الأكبر، وكانت هي المفتاح الذي يفتح أبواب الإذاعة أمام الحالمين بالانضمام إليها. تطوّر هذا الحوار فيما بعد ليمهد لتغيرات كثيرة في اللغة والقراءة والكتابة والتفكير والأولويات.

صار اسم هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي عربي". وانقسم جمهورها بين متمسك بماض يعرفه ومتعطشٍ لجديد يفيد من الأصل ولا يلغيه. ولم يكن ما حدث انقلاباً.

فبعض من قادوا التغيير كانوا امتداداً للجيل الأصيل. وهم ممن انتبهوا إلى أن جمهور بي بي سي بدأ يسبقها. وبدأت خياراته تتسع باتساع الحضور الإعلامي المحلي والإقليمي القريب من هذا الجمهور، والذي يخالطه في حياته اليومية ويتحدث اللغة التي يألفها.

تطورت بي بي سي وصارت الإذاعة جزءا من شبكة أوسع فيها مساحة أكبر للتلفزة والإعلام الرقمي. وفرض تسارع الأحداث في الشرق الأوسط تحولَ بي بي سي لتصبح شبكة إخبارية بالدرجة الأولى. أصبحت فيها مساحة أكبر للتنوع، واتساع أرحب للشباب والشابات العرب الذين اكتسبوا ثقة المؤسسة الأم فصارت تعتمد عليهم لتغطية الأحداث في أعقد مناطق الشرق الأوسط وتترجم تقاريرهم وبرامجهم ووثائقياتهم إلى اللغة الإنجليزية ولغات أخرى.

Image caption بسام العنداري يحاور رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري

وفي الذكرى الثمانين لا بد من ذكر تطوّر آخر. لقد أصبحنا نحن، شباب التسعينيات، الجيلَ القديم في الصرح الذي لا يَهرم.

على المستوى الشخصي صرت أشعر أنني حكواتي كلما رويت للزملاء ذكريات عن كبار عاصرتهم وعملت معهم أمام الميكروفون وفي أروقة الأخبار والبرامج، وكانت لي معهم مواقف لا تنسى.

أذكر أنني منذ سنتين تقريبا سجلت بصوتي تقريرا لزميل طلب مساعدتي. سمعتني زميلة انضمت حديثاً وكانت تجلس بالقرب مني فقالت:

"صوتك وأداؤك جميلان. هل فكرت في أن تصبح مذيعاً " ؟

عندئذ أدركت أن الزمن لا يتوقف وأننا إذا بقينا في الماضي فقد نبقى فيه وحدنا ونصبح صفحة تُطوى. عندئذ أيقنت أن بي بي سي أحسنت الاختيار وأن ثمانينها شباب يتجدد.

كلّ عام وأنتم بخير.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة