العصر الذهبي المنشود

Image caption بوش هاوس

لم يكن لدي عنوان أذهب إليه. لم يكن أحد في إنتظاري. لم يكن أحد يتوقع مجيئي. لم يكن لدي دعوة للزيارة. لم يكن أحد يعرفني على الإطلاق. لم أكن أتوقع أن يعرفني أحد. فشلت كل محاولاتي للذهاب الى مكان لاأعرف أين هو. كنت على يقين من وجوده ولكني لا أعرف السبيل إليه. إستخدمت وسائل مواصلات مختلفه للوصول إليه أملا في أن إختلاف الوسيلة قد يؤدي الى إختلاف النتيجة.. ولكن اختلاف الوسيلة لم يتمكن من تغيير المضمون .

شهور تمضي والمحاولات مستمرة وخيبة الأمل تلاحقني دائما.

عام سبعة وسبعون من القرن الماضي. كانت الدنيا غير الدنيا. لندن، مقارنة باليوم، ما زالت بيضاء، بيضاء، ناصعة البياض. الإمبراطورية البريطانية التي لاتغيب عنها الشمس ما زالت تتنفس أنفاسها الأخيرة، وما زالت تلهث بعد حرب عالمية كلفها النصر فيها الكثير. وكان الحديث اليومي ما زال مليئا بالتشبيهات والتعبيرات العسكرية والحربية، وكانت كلمة ألماني أو ألمانيا تحدث صدى لا يمكن وصفه بالمحايد.

ما زال بعض أبناء الجيل الذي خاض الحرب العالمية الثانية وانتصر على هتلر على قيد الحياة. يبذل كل ما يستطيع من جهد لإظهار شموخه وفخره واعتزازه، يسير مرفوع الرأس، ينظر الى العالم نظرة استعمارية متغطرسة متعالية ولا يبدو أن أدنى درجة من الشك تساوره في صحة سلوكه. لا يتوقف عن التباهي بهزيمة النازية والفاشية. لا يكف عن سرد التضحيات التى قدمها من أرواح وجوع ومعاناة وحرمان من أجل تحقيق الرخاء والسلام والحرية. لا يتوقف عن تقريع الجيل الجديد الذي لا يقدر قيمة الحرية التي يتمتع بها، ولا يقيم ثمنها، ويتعامل معها على أنها حق مكتسب مفروغ منه. لا يكف عن تذكير الجيل الجديد بأنه لايعترف بالجميل ويلهث وراء شهواته ومتعه الحسية ويرفع شعارات فارغة مثل "اصنع الحب لا الحرب" ويستغل التقدم الطبي المتمثل في اختراع حبوب منع الحمل في إشباع رغباته وإشعال وقود الثورة الجنسية.

الصراع بين الجيلين لم يشكل لي أي مشكلة على الإطلاق. الخيار كان سهلا والرؤية واضحة جلية.

موسيقى البيتلز والرولينغ ستونز وبوب ديلين وآبا وتوم جونز وبوب مارلي تصدح في كل الأرجاء وأغنية جون لينون "تخيل" imagine تحظى بشعبية كبيرة وتجد صدى هائلا لدى الجيل الجديد وتلعب دورا كبيرا في تشكيل وجدانه.

العالم لم يعرف بعد مرض "الإيدز". وطبعا لم يكن أحد يتخيل أنه سيرى يوما أحداث نيويورك وواشنطن في سبتمبر/ أيلول عام ٢٠٠١. كان الأمان يعم المكان والثقة هي الشريان. كانت الدنيا غير الدنيا.

وكان التفاؤل كبيرا على المستوى الشخصي أيضا، فقد نجحت في اختبارات الدخول لأكاديمية ووبر دوغلاس للفنون الدرامية و فزت بمنحة للدراسة بها. بيد أني لم أعثر على ضالتي المفقودة بعد.. ولكن قبولي في أكاديمية ووبر دوغلاس للفنون الدرامية الذي كان يمثل حلم حياتي فاجأني بدفعة هائلة من الثقة غيرت طريقة تناولي للأمور، بالإضافة الى أن إقامتي في لندن لعدة أشهر ساهم في زيادة هذه الثقة.

قررت أن أكون أكثر صبرا مع نفسي وأكثر إصرارا وإلحاحا مع موظفي الإستقبال في هذا البهو الفسيح المهيب في مركز التلفزيون بوايت سيتي، قررت الا أسأل بطريقة خجولة متسولة تشجعهم على التخلص مني بأسرع وقت ممكن، عليهم أن يدركوا أنهم يتحدثون الآن مع شخص سيُصبِح طالبا في أكاديمية من أشهر أكاديميات الفنون الدرامية في لندن.

Image caption مركز تلفزيون بي بي سي القديم في وايت سيتي

قادتني تحرياتي الى طاولة العرب الشهيرة في مطعم "بوش هاوس". يا لها من لحظة لا يمكن أن أنساها. عاصفة هائلة من الإثارة والاحتفال بين خمسة أو ستة رجال تتراوح أعمارهم بين "كبار السن" و"أكبر من كبار السن"، ها قد توصلوا أخيرا الى ترجمة لاسم رئيس القسم العربي بحيث يستطيعون الحديث عنه ويتمكنوا من الإشارة اليه بالاسم دون أن يدرك أي إنجليزي أنهم يتحدثون عنه.

كان إسم رئيس القسم آنذاك مستر، نعم مستر، لم يكن أي أحد يستخدم الإسم الأول "حاف" ! كان إسمه مستر داكوورث وتمكنوا من الموافقة في ما بينهم، خبراء الترجمة، على أن الترجمة المثلى لاسمه التي تقوم بالمهمة هي "مثقال بطه".

ربما يضع هذا إبتسامة على الشفاه ولكن هناك جانبا جديا إذ إنه يعكس ويلخص طبيعة العمل في القسم العربي آنذاك.. الترجمة ثم الترجمة ثم الترجمة، خصوصا في ما يتعلق بالأخبار.

بعد هدوء العاصفة التي استمرت طويلا وأثارت كثيرا من الصخب التفت إلي أحدهم وسألني: إنت قريب عبد الرحيم الرفاعي؟ وكان الإحباط واضحا عندما أجبت بالنفي. وتوالت الأسئلة من الحضور: انت هنا في رحلة مدرسية؟ أم في زيارة لأحد الأقارب أم ماذا؟

- أدرس التمثيل والإخراج المسرحي وأود العمل في التمثيليات التي يقدمها القسم العربي.

- تود أن تعمل هنا في البي بي سي؟

- نعم.

صاح مستنكرا: الآن؟ تود العمل الآن في البي بي سي؟ تأتي الآن؟ بعد ما خربت؟ فين أيام العصر الذهبي؟ فين أيام الستينات؟

قاطعه الجالس أمامه متوقفا عن بلع ملعقة أرز مخلوط بخضار ولحم: العصر الذهبي كان في الخمسينيات. هل نسيت أننا نحن الذين تركنا الإذاعة وغادرنا بريطانيا أيام أزمة السويس؟

قاطعته وقد نفد صبري: أريد العمل في المسلسلات الإذاعيه وليس في العصر الذهبي.

إستشاط غضبا وأصدر أصواتا اعتراضية. خلع نظارته لينظفها وأنهى تقريعه بمقولة "الأدب فضلوه على العلم". ولشد ما كانت تزعجني هذه المقولة ولشد ما كانت تزعجني هذه العقلية.

وكنت قد ظننت أنني بمجيئي الى لندن قد تركتهما ورائي ولن أصادفهما مرة أخرى. فاستجمعت شجاعتي وتساءلت ولم الاختيار والتفضيل بين الأدب والعلم. ألا يجب التحلي بالاثنين؟ وإذا كان لا بد من الاختيار فأنا أفضل العلم.

سألني: وهل لديك من العلم ما يمكنك من العمل في البي بي سي؟

- نعم.

- تجيد اللغة العربية؟

- نعم.

- وماذا تعرف عن أحوال الهمزة؟

- أعرف ما احتاجه من اللغة العربية للعمل في الدراما الإذاعية ولا أعتقد أن أحوال الهمزة ضمن ما أحتاجه.

قال مستنكرا: وأنت الذي تقرر ما تحتاجه؟

فاض بي الكيل وأردت أن أترك هذه الطاولة فهممت بالرحيل وسألت: أريد العمل كممثل في الدراما الإذاعيه هل ممكن من فضلكم أن تخبروني عن الإجراء الذي يجب أن اتخذه؟

انفجر قائلا: قص شعرك الطويل هذا ظننتك فتاة في أول الأمر، غير هذا القميص الرقيع وهذا السروال "المحزق" ثم عد وتحدث بأدب والتزم الاحترام المنوط عندئذ أطلب العمل.

شعرت بغضب شديد ولم أستطع مغادرة المكان دون رد يشفي غليلي: "طب غطي همزتك ياحاج أحسن تاخد برد. . بعد إذنكو لابد أن أغادر المكان الآن لأن اللحظه باتت حبلى".

ليلى طنوس

وشتان بين هذا اللقاء واللقاء الذي تلاه مع ليلى طنوس في مكتبها في الدور الرابع أي أنه يرتفع خمسة طوابق عن مكان اللقاء الأول ولكني شعرت أن الفارق الحضاري أكبر:

•ماهي آخر مسرحية حضرتها يا علي؟ كم كان السؤال محببا الى نفسي.

•أنكل فانيا.

•إنها من أحب مسرحيات تشيكوف الى نفس زوجي. أين ؟

•مسرح ليتيلتون القومي.

•آه، من إخراج مايكل بوغدانوف.

•نعم.

•مارأيك؟

•استمتعت بها كثيرا إنها من أحب مسرحيات تشيكوف الى نفسي أيضا وأعجبني تفسير مايكل بوغدانوف وتمثيل مايكل براينت.

هنا تدخلت شابة كانت تجلس صامتة الى المكتب المجاور لليلى طنوس كانت قد لفتت نظري منذ دخولي الى المكتب، ولكني تظاهرت بأني لم ألاحظ وجودها. لاحظت ذوقها في الملابس واستخدامها لقطع الإكسسوار لم يكن مطابقا تماما للموضه الشائعة وقتذاك ولكنه كان يتفق مع خطوطها العريضة. كان لديها تركيبتها الخاصة وكان من الواضح أنها تستمتع بخلق مزيجها الخاص. من الواضح أنها تدرك أنها جذابه وتقدر وتحمد وتستمتع بهذه الحقيقه أما الماكياج فكان رقيقا خفيفا ناعما تكاد لا تراه وذلك على عكس المكياج الذي تضعه كثير من النساء العربيات.

قالت عبله الخماش: يبدو أن كثيرا من الرجال يفضلون "أنكل فانيا" عن نفسي أنا أفضل الأخوات الثلاث.

واستمر الحوار ولم ينقطع حتى تركت ليلى طنوس البي بي سي ثم تركت بعدها عبلة الخماش ثم أولغا جويدة ثم صلاح عز الدين ثم فؤاد جميعي ثم جورج مصري وطبعا الأسماء كثيرة ولكن أركز هنا على بدايتي عام ١٩٧٧.

كان لدى ليلى طنوس إبنان أحدهما أكبر مني سنا والآخر أصغر فوجدت مساحة مريحة بين الإثنين. كان زوجها إنجليزيا ينتمي الى أعلى درجات الطبقة المتوسطة أو ربما أقل درجات الطبقة الأرستقراطية. وكم كان التجمع الأسري في بيت ليلى ممتعا. لحسن الحظ بدأت معزة وإنسجام بيني وبين الأب والولدين. كانت أسرة ديمقراطية راقية تعرف أهمية الفنون وتجيد فن الاستمتاع بها، تسمح بالاختلاف في الآراء والأذواق.

وكان الأب يجد متعة خاصة في مساعدتي علي استيعاب أبعاد أعمق في نصوص وليم شكسبير الشعرية الصعبة وكان يشارك ولديه في المناقشه. كم كنت محظوظا.

كان صلاح عز الدين أكبر سنا من والدي ولكنه كان أعز أصدقائي. جمعنا في أول الأمر حب المسرح والحياة اللندنية. كان يرغمني على احترامه بفهمه العميق للمجتمع البريطاني ومؤسساته وثقافته وطريقة تناوله للأمور. وكان يحبني لرغبتي في قهر جهلي وعدم بذل أي جهد لإخفائه، وكان كريما في عطائه. صلاح عز الدين كاتب سيناريو وحوار فيلم بدايه ونهايه بطولة عمر الشريف وسناء جميل وإخراج صديقه الحميم صلاح أبو سيف.

ورغم علمه الغزير إلا أنه لم يتوقف يوما عن طلب المزيد سواء عن طريق القراءة أم حضور محاضرات وندوات أو معارض أو عروض. قرب نهاية حياته كان تأثير الكومبيوتر على حياتنا قد بدأ يظهر وكانت مصطلحات الكومبيوتر تتناثر على الساحة، ولم يكن صلاح يستطيع تحمل تناثر الفاظ لا يفهمها وكان في مصر في ذلك الوقت فقام بشراء كومبيوتر وطلب مني شراء قاموس للمصطلحات الكومبيوترية، فأحضرت له القاموس من لندن وكان هذا آخر ماقرأ. ظل يتعلم حتى نهاية حياته.

أولغا جويدة

أما أولغا جويدة فهي أول من تسبب في دخولي عالم البرامج فكنت أفكر في نفسي ممثلا وكان هذا، وما زال، هو عشقي وغرامي ولكنها أصرت أن لدي مقومات صانع البرامج. وكان صبرها شديدا، تناديني مقلدة اللهجة المصريه "واد ياعلي تعالى ياللا قوللي آخر نكته". كانت تحب الضحك والمرح ولم يعرف قلبها سوى الحب والخير، وفي وسط الضحك والنكات تطلب مني عمل فقره في برنامجها عن مسرحية ما أو حدث مسرحي ما، ورويدا رويدا ساعدتني في تقديم مقترح لبرنامج، وظلت تعينني حتى اشتد عودي وأحببت صنع البرامج. لم تزايد يوما. لم تتفاخر. لم تتباه.

أولغا لم تتصرف كأستاذة. لم تخبر أحدا. لم تستغل مساعدتها لي بأي شكل من الأشكال. وربما أن أحدا لا يعلم حتى الآن كم كانت تساعدني وراء الكواليس وبلا أي مقابل، كذلك كان الحال مع عبلة الخماش التي عملت معها كثيرا وتعملت منها الكثير واستمتعت بصحبتها الراقيه ورؤيتها الذكية الى أن تركت البي بي سي.

جورج مصري

كان جورج مصري رئيس وحدة الدراما بالقسم العربي فلم يكن لي تعامل مكثف معه مباشرة فالممثل يتعامل مع المخرج ولكني كنت أشعر بتأثيره الإيجابي ودعمه للعمل والعمليه الإبداعية نفسها دون أن يقحم نفسه أو يروج لذكائه وحكمته الإداريه وخفة ظله.

ومرت السنون وأنا لا أعرف عنه شيئا وذات مرة كنت أعمل في فيلم أميركي وأثناء تحضير أحد المشاهد تبادلت الحديث مع ممثل إنجليزي وعندما تعرف علي خلفيتي طلب مني تبليغ السلام لجورج مصري، وكانت دهشتي كبيره عندما أخبرني أنهما كانا زميلين في مدرسة بريستول أولد فيك للفنون الدراميه وأنه (جورج) كان متفوقا عليهم وأنه كان من أنجح دفعته وأنه عمل مخرجا للدراما في راديو٤ (وهو من أكثر جهات العمل المرموقة في بريطانيا كلها) ثم تقلد بعد ذلك عدة مناصب أخرى.

لم يتحدث جورج أبدا عن تاريخه أو أمجاده وإنما كان يعمل في صمت وابتسام حتى ترك البي بي سي.

هكذا بدأت حياتي في القسم العربي عام ١٩٧٧ بين هذين التيارين التقليدي المحافظ بدرجاته المتفاوته والليبرالي بدرجاته المختلفه وهكذا استمرت حتى عام ٢٠١١.

طبعا هناك الأبيض ناصع البياض والأسود القاتم ولكن هذا يمثل نسبة صغيرة جدا، الغالبية العظمى يغلب عليها اللون الرمادي بدرجات متفاوتة بين هذين النقيضين وكذلك كان هناك متأرجحون. لاشك أنه كانت هناك حرب باردة بين التيارين ولكن كان هناك أيضا تعايش سلمي بالإضافة الي مصالح مشتركه وأخرى متبادلة.

وأعتقد أنه إذا لم يكن هذا المزيج مقصودا متعمدا فهو صحي وضروري لأنه يحقق التوازن وهو من أهم ما تسعى البي بي سي الى تحقيقه كما أنه يعكس الواقع، ويؤدي الي نجاح البي بي سي في مهمتها، فكيف يمكن أن تتواصل مع مجتمع دون تمثيل قطاعاته المختلفة.

مع بلوغ البي بي سي ثمانين عاما يكثر الحديث عن العصر الذهبي. لقد عملت في البي بي سي فترة تغطي أكثر من 40 في المئة من حياتها. فهل يؤهلني هذا للحديث عن العصر الذهبي؟ أترك الإجابة على هذا السؤال للآخرين، ولكني أعتقد أنه ربما يؤهلني الى التساؤل: أيهما أكثر ذهبية الحالة الأولى أم الحالة الثانية؟

الحالة الأولى

•ترجمة سليمة محترفة دقيقة أمينة حريصة لأخبار موثوق بها من اللغة الإنجليزية الى اللغة العربية وقراءة سليمة رصينة حصيفة متأنية تستمتع بالنغمات والوقفات وتكن معزة خاصة لحروف المد واللين وتعير اهتماما خاصا للوقفات ومخارج الألفاظ، تقرأها أصوات رخيمة، تعشق الإستماع الى نفسها، مريحة للآذان، تمتع سامعيها وتشنف آذانهم وتتذوق اللغة العربية بكل نحوها وصرفها.

•برامج تعتمد على إجابة أسئلة يرسلها المستمعون من بلادهم ويجيب عليها خبير أو خبراء بريطانيون ويترجمها عربي ترجمة أمينة بليغة ويسجلها صوت جميل متمرن فيحصل المستمع على إجابة لسؤاله ويسمع إسمه بعد حوالي شهرين إن كان سعيد الحظ..

•برامج عمادها مساهمات أو طلبات يرسلها المستمعون يستغرق وصولها أسابيع تصاغ في نصوص حواريه تنسب المساهمات الى أصحابها.

•برامج تسجل في الدول العربية مع شخصيات عامة أو مع مواطنين من أبناء الشعب تذاع بعد أسابيع من تسجيلها.

•تٌسمع الإذاعة من خلال موجات قصيرة أو متوسطة يتغير طولها عدة مرات كل يوم ويتفاوت وضوحها بين لحظة وأخرى فتكاد لاتسمع جملة مفيدة كاملة بنفس درجة الوضوح.

الحالة الثانية

•خدمة أونلاين تحّدث الأخبار والمتغيرات من معلومات علي مدى 24 ساعة تصاحبها تقارير إذاعية وتليفزيونية وصور فوتوغرافية تتناسب مع الخبر أو الموقف أو تكمله، بالإضافة الى مقالات تحليلة وتحقيقات صحفية متخصصة تشمل جميع المجالات تقريبا.

•وحدة تخطيط كاملة بمثابة الجهاز العصبى لوحدات القسم العربي كلها، لها مراسلون في كل الدول العربية وكثير من دول العالم ومكاتب إقليميه تغطي المنطقة، تتابع الأخبار وترصد الأحداث وتنظم تغطيات لها ولكل المناسبات وتسهل تقديم برامج حيه تعالج قضايا الساعة. تنظم جداول سنويه وشهريه وأسبوعية ويومية بحيث تقدم تغطية شاملة تستعين ببعضها إذاعة وتليفزيون وأونلاين البي بي سي الإنجليزي ذاتها وكثير من الأقسام الأخرى.

•إذاعة وتليفزيون على مدار 24 ساعة.

•وحدة خاصة تعنى بالتواصل المباشر مع القارئ أو المستمع أو المشاهد.

•وحدة خاصة تعنى بوسائل التواصل الإجتماعي.

•تعتمد الآن جميع وحدات القسم العربي في جمع أخبارها وتغطيتها وصياغتها وتقديمها على مراسليها في الميدان وصحفييها ومحرريها وتعود القرارات النهائيه الى رؤساء تحريرها. وبدلا من الالتزام التام بترجمة نصوص كتبها مراسلون أجانب، وهو ماكان يحدث في السابق، أصبح المراسلون الأجانب ينقلون عن القسم العربي الأخبار والتقارير التي تخضع لرقابة ومراجعة ومسؤلية رؤساء تحرير الوحدات المختلفه في القسم العربي.

•يأتيك كل هذا عبر أف أم بصورة واضحة جليه كأنك تجلس بجوار المتحدث، ويأتيك عبر التليفزيون أو الإذاعة أو الكومبيوتر أو الموبايل، ويأتيك بنفس الجودة سواء أكنت في السيارة أو في السرير أو في المطعم أو على البلاج.

هل وصلت البي بي سي الى درجة الكمال لايعوزها شئ؟ الإجابة طبعا لا.

هل البي بي سي لاتخطئ؟ طبعا تخطئ.

الا يوجد مجال لإجراء تحسينات؟ بالطبع هناك مجال لإجراء تحسينات.

هل هناك مجال لتطوير وتحديث بعض المناطق ؟ بالطبع.

هل هناك مجال لمحاولة التخلص من بعض العادات والممارسات؟ أكيد.

ولكن هل هناك مؤسسة في العالم مهما بلغت درجة نجاحها لا ينطبق عليها هذا؟

هل متطلبات العمل وضغوطه اليوم على طاقم العمل ومديره ودرجة الجودة المتوقعة منهم تماثل تلك التي كانت في مطلع القرن؟ أي منذ أقل من عشرين عاما فقط؟

التكنولوجيا الحديثة تزيد من الضغوط والمتطلبات وتشجع على توجيه النقد وتسهل وتزيد من سرعة توجيهه وتركز الضوء على الأخطاء. أصبح الجميع تحت المجهر على مدار ساعات الليل والنهار بشكل غير مسبوق.

لا أستطيع أن أزعم أنني محايد تماما بالنسبة لمؤسسة قضيت بها شبابي المبكر كله، وساهمت مساهمة كبيرة في تشكيل فكري وحسي وبنائي، على الأقل صحفيا وإعلاميا، ولكن بقدر ما أقوى عليه من ممارسة للحيادية والموضوعية أقول إني بكل أمانه أعتقد أن العصر الحالي هو العصر الذهبي ، وأن غدا سيأتي بعصر أكثر إثارة وذهبية.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة