رحلتي في بي بي سي من أثير الإذاعة إلى عصر الإنترنت

في بي بي سي تعلمت مبادئ العمل الإذاعي
Image caption في بي بي سي تعلمت مبادئ العمل الإذاعي

عرفتها عبر الأثير في سن الشباب.

كان في المذياع بالنسبة إلي - وأنا في مصر - سلوى لي بعد وفاة والدي، آنس إليه في المساء فأستمع إلى محطة البرنامج الثاني الثقافية من الإذاعة المصرية، ومحطة هيئة الإذاعة البريطانية من لندن، كما كانت تسمى آنذاك. وكنت أسمع صوتها يتهادى من شقة عمي المجاورة لنا كل مساء، عبر جولة حصاد اليوم الإخباري التي كان يواظب على الاستماع إليها لمعرفة الأخبار، مثل كثير من المصريين. وهكذا نشأت على صوتها ونمَت فيَّ رغبة في التعرف عليها عن قرب.

وعندما قدمت إلى لندن للدراسة أتيحت لي فرصة زيارتها في بيتها (بوش هاوس)، وكانت وقتها في نهاية عقدها الرابع من العمر. والتقيت ببعض أولادها خلال تلك الزيارة ممن ذاعت أصواتهم في أرجاء العالم العربي، أذكر منهم رشاد رمضان، وحسن أبوالعلا، وعلي الرفاعي. وزادت زيارتي تلك شدة ولعي بها. ثم التقيت مصادفة في كلية بوليتينيك في وسط لندن بمنير عبيد - الذي كان يعد ويقدم برنامج السياسة بين السائل والمجيب، وبرامج أخرى، وكان أيضا يدرس اللغة العربية للأجانب في الكلية.

صوت "متهدج"

وسألني منير السؤال الذي تلهفت على سماعه سنوات: "هل تحب العمل في الإذاعة؟" ورتب لي زيارة لبوش هاوس، واختبارا للصوت في أحد الاستديوهات.

وكانت تلك هي أول مرة في حياتي أدخل فيها استديو إذاعة، وأجلس أمام مايكروفون. وأحسست ساعتها برهبة شديدة - إذ لم أكن وحدي في الاستديو - أدت إلى تهدج صوتي، وفشلت في الاختبار بعد أن رفض جميل عازر رئيس وحدة الأخبار قبولي. وأدرك منير السبب، ورتب لي زيارة أخرى ودخلت الاستديو للمرة الثانية وحدي مع مهندس الصوت، فشعرت براحة ومضت الأمور كما رغبت وقُبلت لأول مرة للعمل في بي بي سي، مشاركا في برنامج (السياسة بين السائل والمجيب)، وكان أول تسجيل شاركت فيه هو حلقة جمعت بين زيدان ياسين، وسلوى أبو السعود، وبيني في عام 1987.

وما زلت أذكر خلال تلك الفترة الأولى أن الإذاعة كانت تضم مذيعين ومترجمين، وكان الفصل بين كل منهم بينا. ولذلك سألني ذات مرة الدكتور محمود حسين - أحد المترجمين المجيدين آنذاك - سؤالا كاشفا فقال: أنتَ هنا "قراءة" أو "كتابة"؟ فقلت له في خجل: قراءة.

سيداتي سادتي

Image caption فريق بي بي سي في مؤتمر صحفي في أبوظبي

وفتحت بي بي سي لي ذراعيها، فأصبحت أعمل في برامج كثيرة مختلفة. وكنا نتقاضى عن البرنامج الذي تبلغ مدته ربع ساعة حوالي 9 جنيهات استرلينية، وكان الأجر عن البرنامج الذي يذاع لنصف ساعة حوالي 25 جنيها. ثم زادت تلك الأجور بعد ذلك. ثم أصبحت أتقاضى راتبا شهريا بعد أن طلب مني رئيس القسم العربي آنذاك، غيمون ماكليلان، خوض اختبار الإذاعة، ومنحني بعد اجتيازي له عقدا بأجر شهري لأصبح موظفا أعمل ساعات دوام كاملة.

ومن خلال تلك البرامج عملت مع كثير من مذيعات ومذيعي بي بي سي، أذكر من السيدات: مديحة المدفعي، وأولغا جويدة، وسهام الكرمي، وعبلة خماش، وسلوى جراح، ونجوى الطامي. وأذكر من السادة: رشاد رمضان، ومنير عبيد، وفاروق الدمرداش، وعبد الوهاب الأحمدي، وأفتيم قريطم، ومحمد سليمان، وإسماعيل طه. وعملت في بعض تلك البرامج مع ماجد سرحان، وحسن أبوالعلا، ومحمد الأزرق، وزياد حكيم، وسامية الأطرش، وعفاف جلال، وميشيل بقيلي، وآخرين.

"بَيْت سامبراس"

وكنا، قبل عصر الكمبيوتر، نتعامل مع نصوص كُتبت في معظمها بخطوط معدي ومقدمي البرامج المختلفة، التي كانت تعبر عن شخصية كل منهم. فكنا نجد منها المتأنق، والمتسرع، والواضح، ومنها ما يحتاج إلى فك طلاسمه، ومنها "المخربش" الذي لا تعرف مساره إلا بعد دربة ومران.

وكان بعض النصوص يُكتب على الآلة الكاتبة، عندما كانت توظف الإذاعة كاتبين يحسنون الضرب على الآلة الكاتبة بسرعة تواكب سرعة المترجمين. وكم من مواقف طريفة حدثت خلال تلك الفترة، ولعل ما قلل من وقوع الأخطاء هو أنا كنا نتدرب على أداء البرامج كاملة قبل إذاعتها على الهواء، وقبل تسجيلها حتى نتحقق محتواها ومدتها.

وأذكر - بالرغم من ذلك - حادثتين في البرنامج الرياضي الذي كان يعده ويقدمه أفتيم قريطم.

في أولاهما نسي أفتيم، خلال الاندماج في أداء البرنامج الذي كان يذاع على الهواء مباشرة، وعند ذكره لمن شارك معه اسمي، ونعتني بـ"محمد العشراوي"، وكان اسم حنان عشراوي وقتها ملء السمع ويكثر ترداده.

أما في الحادثة الأخرى فقد كنت أنا البطل، وكانت هناك مباراة للاعب التنس المشهور آنذاك (Pete Sampras) مع لاعب آخر لا أذكر اسمه الآن. ولم أكن أعرف سامبراس بسبب قلة اهتمامي بالرياضة، وكانت الجملة التي شهدت الحادثة هي (... وانهزم فلان أمام بيت سامبراس ...) وقرأتها مجتهدا على الهواء (... وانهزم فلان أمام بَيْت سامبراس ...) مصورا للمستمع أن الهزيمة تمت أمام (منزل) سامبراس.

الأذن قبل العين

لقد كانت الفترة التي قضيتها في الإذاعة في بي بي سي من أجمل فترات حياتي فيها. وانتقلت خلالها من "القراءة" إلى "القراءة والكتابة"، ثم إعداد وتقديم البرامج، والجولات الإخبارية.

وتعلمت خلالها الكثير: تعلمت مبادئ الصحافة والإعلام، والإذاعة بوجه خاص، إذ إني لست صحفيا بالتعلم، ولا أدعي ذلك.

Image caption بعض أعضاء فريق أونلاين في بي بي سي

وفي الإذاعة عرفت جانبا آخر للغة العربية التي أعشقها، هو جانب الكلام المسموع. فقد كنت قبل عملي في بي بي سي أتعامل مع العربية بالعين: أقرؤها سرا وليس جهرا، ولا ألتفت إلى لفظها، وربما كان سبب ذلك هو فقدان علامات التشكيل في الكتب والصحف والمجلات. لكني أصبحت أدرك بعد عملي في الإذاعة أن هناك آلاف المستمعين الذين يتواصلون معنا عبر آذانهم فقط، ومن واجبنا - نحن المذيعين - أن نقدم لهم ما نقدمه في لغة عربية سلسة صحيحة بعيدة عن لهجة كل منا، وملتزمة باللغة الفصيحة التي يفهمها أهل المشرق وأهل المغرب، على السواء. ومن هنا أخذت أولي الكلام، وصحة لفظه وتشكيله، وتنغيم عباراته وتلوينها، بحسب المقصود، أهمية كبيرة كنت غافلا عنها من قبل.

وفي عام 1994 انتقلت مع مولد التلفزيون إلى العمل فيه نائبا لرئيس وحدة البرامج الوثائقية، هاني العربي، حيث كنا نشرف على ترجمة وتسجيل برامج التلفزيون البريطاني، مثل بانوراما، وعالم الغد، وتوب غير، وغيرها.

ثم التحقت بموقع بي بي سي أونلاين الوليد في عام 1998، وكان قد سبقني إليه زميلاي مصطفى كاظم، رئيس تحرير موقع بي بي سي عربي، وعلي الشواف، أحد كبار المحررين، ومازلت أسعد بالعمل معهما ومع بقية فريق الأونلاين.

ولكن تلك صفحات قد نتصفحها معا في وقت آخر.

مواضيع ذات صلة