صراع عامي-فصيح حول دبلجة الرسوم المتحركة

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو
أفلام الكارتون

داخل استوديو إذاعي مجهّز شرق القاهرة، يحرص مجموعة من الشباب والفتيات على الاجتماع مرة واحدة على الأقل أسبوعيا للتدريب على فنون الأداء الصوتي ودبلجة الرسوم المتحركة. يختار الشباب مقطعا مفعما بالمشاعر من الأفلام العالمية المدبلجة ثم يحاول كل منهم إعادة تمثيل المشهد بصوته.

معظم المشاهد كانت باللهجة المحلية الدارجة في بعض المدن المصرية الكبرى.

وتقلِّد المتدربة هند السجيني دور الأميرة المفقودة ذات الشعر الطويل، مدبلجا إلى اللهجة المصرية.

وتقول هند: "انتشار اللهجة العامية في أفلام الكرتون حاليا أكثر بكثير من ذي قبل. أذكر حينما كنت صغيرة، تابعت مسلسلات بالفصحى مثل غرندايزر، وهايدي، وساندي بل. أما الآن، فأصبحت اللهجة العامية أكثر رواجا حتى خارج مصر".

ساحة جدل

وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا إلى ساحة للجدل المتصاعد بين مؤيدي ومعارضي دبلجة مسلسلات وأفلام الرسوم المتحركة إلى الفصحى أو العامية.

وأسفرت حملة قادها مؤيدو العامية إلى اعتماد أجزاء من حوار الشخصيات وبعض الأغاني في أعمال شركات عالمية باللهجات العامية، حسبما يقول عمرو حسني الروائي والمترجم لبي بي سي.

وأضاف عمرو: "حاليا بدأنا في دبلجة الأعمال إلى لغات مشتركة في الحوار الدرامي في الفيلم الواحد، على اعتبار أن بعض الشخصيات ظهرت في أعمال سابقة تتحدث باللهجة العامية فمن المستحسن أن تتحدث بالعامية في الفيلم الجديد أيضا، وفي مرحلة لاحقة أصررت على أن تترجم إحدى الأغاني إلى العامية المصرية لأنها رقيقة ومشحونة بالشجن، وإذا تُرجمت إلى الفصحى فلن تكون مفعمة بالصدق".

وأردف: "أعتبر هذا إنجازا ينبغي أن نبني عليه حتى ننتج الأعمال بالعامية بالكامل، ونعيد أمجاد الدوبلاج الإبداعي. إن العامية هي العربية التي هبطت إلى الشارع. وعلى الكُتّاب أن يرتفعوا إلى مقام الشعوب، وألا يتعالوا على اللغة التي طورها الناس لتتناسب مع تعبيراتهم عن الغضب والفرح وما إلى ذلك".

لكن مجمع اللغة العربية بالقاهرة اعتبر هذا الاتجاه تحديا ينبغي مواجهته.

وقال الدكتور حسن الشافعي، رئيس المجمع، لبي بي سي: "نحن لا نرحب بطغيان العامّيات على الواقع الإبداعي، بالرغم من اعترافنا بضرورة اللجوء للهجات المحلية على لسان بعض أشخاص الرواية طبقا لمستواها الثقافي. لكن ينبغي أن يكون ذلك في أضيق نطاق".

Image caption احترف طارق طرقان الأداء الصوتي والدوبلاج منذ صغره، وورّث المهنة لأبنائه الثلاثة

حنين

وفي بيت عائلة طرقان السورية بحي المهندسين، تجتمع الأسرة أمام شاشة التلفزيون لمتابعة مسلسلات الأطفال. معظم الأعمال المنتجة يعود تاريخها إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ومدبلجة إلى اللغة الفصحى. وكان الأب، طارق طرقان، قد احترف الأداء الصوتي والدوبلاج منذ صغره، وورّث المهنة لأبنائه الثلاثة.

ويقول طارق طرقان لبي بي سي "هناك جيل عربي كامل نشأ على متابعة أفلام الكرتون باللغة العربية دون لكنات محلية، وهو ما صنع ذاكرة مشتركة لجيلي، كما ساهم ذلك في تحسين مهارات الكتابة ونطق الفصحى. لكن هذه اللغة للأسف تبدو الآن غير مقبولة لدى كثير من المشاهدين".

وأضاف طارق، الذي شارك أيضا في تأليف وتلحين مقدمات العديد من الأعمال، من بينها كابتن ماجد والمحقق كونان: "أنا مؤمن بأنه لا يوجد تعبير يستعصي على اللغة العربية. إن الكبار هم من يحكمون الآن على بعض المفردات الفصحى بأنها صعبة، لكن في الحقيقة الرسوم المتحركة فصيحة اللغة، تسهم في تدريب الأطفال على استعمال لغتهم قبل الالتحاق بالمدرسة".

فصحى ميسّرة

وطالب المؤتمر الرابع والثمانون لمجمع اللغة العربية، والذي ركز على حماية اللغة العربية، الكتّاب والمبدعين بالارتقاء بالعاميات إلى"الفصحى الميسّرة، أي اللغة التي أصبحت على لسان الصحفيين والدارسين والإعلاميين" كما أوضح الشافعي.

وكشف الشافعي عن خطة المجمع لإصدار معجم بالعربية الميسّرة المعاصرة، يستهوي فئة الشباب، ويوضح ما في لغتهم الأمّ من الحيوية والجمال. وقال: "تم الانتهاء من معظم أجزاء هذا المعجم الذي سيكون ناطقا ومصورا".

واستطرد: "شباب العرب مفتون بمواقع التواصل الاجتماعي، وقد ابتدع لغة هجينا خاصة بهذا الجيل مع أنهم أحوج الناس لمعرفة النطق الصحيح للكلمات، ونحن نعتبر هذا أزمة كبيرة، وهذا ميدان آخر للكفاح".

تواصل مع التاريخ

وداخل استوديو آخر في محافظة الجيزة، تؤدي تالة طرقان دور فتاة صغيرة اسمها "زُهرة"، هي بطلة حلقات ينتجها الأزهر باللغة العربية الفصحى، قصصه مستوحاه من قصص العلماء والمبتكرين العرب، ويستهدف نشر ثقافة "تلائم هوية الطفل العربي وتدربه على التفكير المنطقي" حسبما قال الأزهر في بيان.

تقول تالة "العبء الأكبر يقع على معدّ الحلقات في توصيل المشاعر للمشاهد أيا كانت اللغة المستخدمة، وقد بدأتُ في الرابعة من عمري تمثيل أدوار باللغة العربية ولم أكن أجد أي صعوبة في هذا لأني كنت معتادة على مشاهدة الأعمال قبل هذه السن بالفصحى".

وتابعت "ربما تكون الصعوبة في النغمة أو النبرة التي تنطق بها العبارات، وهذا أكبر تحدٍّ نواجهه في عملنا، فينبغي أن يكون الأداء متناسقا مع طبيعة الشخصية ومتلونا بتلوّن مشاعرها وانفعالاتها في الوقت نفسه".

لكن تالة كانت تجيبني باللهجة السورية. فسألتها "إذا كنتِ بارعة في نطق الفصحى.. فلماذا تجيبيني بالعامية إذن؟"

فأجابت بلغة عربية غير مشوبة بالأخطاء "إن أردتني أن أتكلم بالفصحى سأفعل. لا مانع لديّ!"

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة