تمجيد الزعيم على الطريقة الصينية

مسابقة شي جينبينغ مصدر الصورة Hunan TV

حان وقت العشاء في الصين، وانتهت للتو النشرة الأخبارية التلفزيونية المسائية. وبدأ الصينيون بالاستعداد لمشاهدة برنامج التسلية الحقيقي لهذه الليلة.

يحمل البرنامج - وهو برنامج مسابقات - عنوان "دراسة شي في الحقبة الجديدة". وعند بدء البرنامج، يقول مقدمه بحماس واضح، "لنستمع لخطابات الرئيس شي ونتفهم فكره."

شي، بالطبع، هو الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي ما لبث يحكم قبضته على مفاصل الدولة الصينية. كان الحزب الشيوعي الصيني الحاكم قد قرر قبل عام واحد فقط تضمين دستوره "فكر شي جينبينغ" - وهو عبارة عن تجسيد لفلسفته السياسية. ولم تشهد الصين أمرا مشابها منذ أمد بعيد.

تبث البرنامج محطة تلفزيون هونان، أكثر القنوات التلفزيونية الصينية شعبية والموجهة بشكل خاص إلى الأجيال الشابة. يعني هذا أن القيادة الصينية قررت أن الوقت ملائم لجذب هذه الأجيال إلى جانب شي وفكره.

مصدر الصورة Hunan TV

فهل أثبت البرنامج أنه ممتع حقا؟

يتضمن البرنامج جولتين من الأسئلة وكلمة موجزة عن نظريات الحزب الشيوعي وفكر الرئيس شي. كما يتضمن أيضا عددا من الأسئلة تتعلق بتجارب شي الشخصية عندما كان يتسلق نحو قمة هرم السلطة في الصين.

وجه مقدم البرنامج سؤالا للمتسابقين الحاضرين في الاستديو، "ابتعث الرئيس شي، ولم يكن يبلغ من العمر الا 15 عاما، من بكين الى ليانغجياهي في اقليم شانشي ليعمل مزارعا. وخلال تلك الفترة كان تواقا للاستزادة من العلم، بحيث قطع في احدى المرات مسافة 15 كيلومترا سيرا على الأقدام من أجل استعارة كتاب. ما اسم ذلك الكتاب؟"

انبرى احد المتسابقين دون أي تردد وقال "فاوستوس".

"تهانينا، هذا هو الجواب الصحيح"، قال المقدم بينما صفق الحاضرون للفائز.

ثم تلا مقدم البرنامج قصيدة نظمها شي عندما كان يشغل منصب أمين عام الحزب الشيوعي في مدينة فازو في تسعينيات القرن الماضي، ثم وجه هذا السؤال للمتسابقين: "من تخلد هذه القصيدة؟"

أجاب متسابق فورا: "جياو يولو"، وهو الجواب الصحيح. فقد عرف المتسابق فورا أن شي نظم في الماضي قصيدة خلّد فيها أحد الكوادر المتفانية في الحزب الشيوعي.

ثم طرح آي سيلين، عميد كلية الماركسية في جامعة تسينغهوا في بكين (التي تخرج منها الرئيس شي)، والذي كان قد دعي للبرنامج بصفة خبير، سؤالا: "أي نظرية تعد نظرية عظيمة؟"

فما كان من متسابق آخر الا أن أجاب، "يجب أن تكون هذه النظرية نظرية علمية تفيد الشعب. وفي الحال الحاضر، يجب أن تكون نظرية فكر شي جينبينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية والملائمة للعصر الجديد."

وأثار هذا الجواب اعجاب وثناء السائل والحاضرين.

كما يبث برنامج المسابقات مقتطفات من خطابات الرئيس شي ومقابلاته الصحفية، التي توصف "بالأقوال الذهبية"، وعلى المتسابقين إكمال الجمل التي يسمعونها أو الاجابة على أسئلة ذات علاقة بهذه الأقوال.

سئل المتسابقون، "قال شي جينبينغ في احدى كلماته، الماركسية عميقة جدا، ولكن بالأساس يمكن تلخيصها بجملة واحدة..."، فأكمل أحد المتسابقين الجملة فورا بالقول، "السعي نحو تحرير الإنسانية."

ولكن المسابقة تفتقر الى أي جوائز مادية، فالجائزة الوحيدة هي البرهنة على فهم فكر شي جينبينغ ومعرفة المعلومات عنه. أما المشاهدين، فجائزتهم - كما يأمل معدو البرنامج - ستكون الفرصة التي يتيحها لهم لحفظ نظريات الحزب وتعزيز معلوماتهم عن حياة شي وسيرته وفكره.

الرسالة واضحة، فهي تقول إنه في الصين اليوم، هذا هو السبيل للارتقاء والنجاح، خصوصا في القطاع العام الحكومي.

مصدر الصورة AFP
Image caption طلاب وافراد من الحرس الأحمر يلوحون بكتاب فكر ماو زيدونغ اثناء الثورة الثقافية في عام 1966. جعل ماو من عبادة الفرد مبدأ مركزيا في فترة حكمه.

قد يبدو برنامج مسابقات شي جينبينغ أداة دعائية فجة وبادية للعيان، ولكن من ناحية أخرى لا يختلف البرنامج عن الأسئلة التي توجه في أي عملية تلقين. فالبرنامج هو امتداد - على شكل مسابقة - للهتافات والمديح الذين يغدقان على الزعماء عبر شاشات التلفزيون، كما يعد عرضا واضحا للكيفية التي تدار بها هالة عبادة الفرد المحيطة بالرئيس شي.

ولكن هل سيهتم الناس؟

يتكون البرنامج من خمس حلقات تتناول قضايا شتى من منابع فكر الرئيس شي إلى المستجدات في هذا الفكر والمستقبل الذي قد تشكله. ولكن بعد أربعة أيام من إطلاقه، فشل البرنامج في إلهاب حماس المغردين في موقع سينا ويبو، النموذج الصيني لتويتر.

فقد غرد أحد مستخدمي الموقع متهكما، "هذا البرنامج سيصبح دون أي شك أكثر البرامج التلفزيونية تقديرا."

وغرد آخر مازحا، "على كل من يدلي بإجابة خاطئة أن يخضع لعملية اعادة تثقيف من أجل أن يفي بمتطلبات المرحلة الجديدة."

وتحدث زوجان في الستينيات من عمريهما، لم يرغبا في الإفصاح عن إسميهما، مع بي بي سي بعد مشاهدتهما البرنامج.

قال الزوج، الذي كان يقهقه عند بدء البرنامج، "لا أستطيع الاستمرار في المشاهدة، فمن الواضح جدا أن المشاركين قد لقنوا ما يقولون وكأنما يقرأون من كتب."

ولكن زوجته، وهي من الكوادر المخضرمة في الحزب الشيوعي، كان لها رأي آخر، فقد قالت "إنه برنامج ممل ولكن ذا معنى، فهذه الأيام، لا يكاد الشباب أن يتعلموا أي شيء عن مبادئ السياسة، ولذا فمن الضروري أن تغرس فيهم معلومات مفيدة وذات قيمة."

من بعض الجوانب، لا يتعدى البرنامج أن يكون امتدادا منطقيا للصناعة التي نمت حول فكر الرئيس شي. فالبرنامج يستضيف أيضا متحدثين من معاهد فكر الرئيس شي الكثيرة التي أسست في أرجاء الصين منذ نهاية عام 2017، والتي تستهدف الطلاب بوجه خاص.

مصدر الصورة Alamy
Image caption لم يغير الاعلام الصيني الكثير في رسالته منذ الخمسينيات، إذ ما زال يركز على "الحزب والانتاجية"

يقول ديفيد موزر، المدير الأكاديمي لمعهد CET للدراسات الصينية، "بعد انتهاء حكم ماو، قرر دنغ شياوبينغ التخلص من حكم الزعيم الكاريزماتي وتأسيس نظام تديره نخبة بيروقراطية تحكمها فترات زمنية محددة. لقد قلب شي هذا القرار على رأسه. فمنذ توليه السلطة، جرت العودة بشكل ملحوظ الى ظاهرة عبادة الشخص التي كانت سائدة في الفترة التي سبقت اصلاحات دنغ."

ومضى موزر للقول، "ظاهرة عبادة الشخصية التي أسس لها شي تحولت عن الفصل الجذري بين السياسة والتسلية في الاعلام الصيني.

--------------------------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة