فيلم "مناحي" يعيد السعوديين إلى السينما بعد عقود من التوقف

لأول مرة منذ ثلاثة عقود، استطاع السعوديون في العاصمة الرياض ممارسة طقس تعتبره غالبية سكان المعمورة من بديهيات الأمور، ألا وهو الذهاب إلى السينما، وإن لم يُسمح للنساء بخوض هذه التجربة.

Image caption فيلم مناحي اعاد فكرة الذهاب الى السينما الى الرياض

فقد استطاع عرض فيلم "مناحي" يوم أمس السبت أن يعيد أجواء تجربة ريادة السينما إلى أوساط سكان الرياض وذلك بعد عقود من إغلاق الحكومة المسارح في المدينة.

وكان رجال الدين المحافظون، الذين ينظرون إلى الأنشطة الثقافية، من قبيل عرض أفلام السينما والحفلات، بعين القلق، هم من أملوا على السلطات مثل تلك الخطوة التي يرون أنها قد تؤدي إلى اختلاط الجنسين وانتهاك القيم الإسلامية.

فقد سُمح للرجال والأطفال، بما في ذلك الفتيات حتى سن العاشرة، بحضور عرض فيلم "مناحي" يوم السبت في مركز ثقافي تديره الحكومة.

وقد قام منظمو العرض من الشبان بالإشراف أيضا على حاجز للتفتيش على الطريق المؤدي إلى المركز الثقافي الذي استضاف عرض الفيلم المذكور.

واختير المركز، المحاط بسور ولا يمكن الدخول إليه إلا عبر بوابة رئيسية، لعرض الفيلم كي لا تتمكن النساء من الدخول إليه.

اعتراض المحافظين

وفي إشارة على التحديات التي تواجه كل خطوة صغيرة نحو الإصلاح في المملكة، فقد احتشدت مجموعة من الرجال المحافظين خارج المركز الثقافي المذكور، في محاولة لثني وعرقلة روَّاد السينما من الدخول لمشاهدة العرض.

إلا أن غالبية من قصدوا المكان تجاهلوا تلك المجموعة، حيث وجدوا في المناسبة فرصة لالتهام الذرة والاستمتاع بأجواء السينما وعرض الفيلم السينمائي.

وقال مسفر السباعي، وهو رجل أعمال شاب يبلغ من العمر 21 عاما وحضر عرض فيلم "مناحي" يوم السبت: "كان من الجميل أن ترى الناس يبدون مفعمين بالحيوية والنشاط وحب الحياة وقد بدوا سعداء. لقد كان ذلك أجمل جزء من الأمسية."

نصف السكان

وعلى الرغم من استثناء نصف سكان الرياض من حضور المناسبة، إلا أن القرار بعرض الفيلم، الذي أنتجته شركة يملكها أحد أفراد الأسرة المالكة في السعودية وهو الملياردير الوليد بن طلال، كان خطوة جريئة.

وقد جاءت هذه الخطوة كجزء من الميل والنزوع الجديد للانفتاح في المملكة، على الصعيد الثقافي وكافة نواحي الحياة الأخرى، ذلك التوجه الذي كان الملك عبد الله بن عبد العزيز قد بدأه عندما وصل إلى السلطة في عام 2005.

وقد أغضبت موجة الانفتاح هذه رجال الدين المحافظين في المملكة، والذين أصدروا الفتاوى ضد مثل تلك الفعاليات الثقافية.

أحد هؤلاء المحافظين هو يوسف الأحمد الذي اتهم الوليد بن طلال ورجل أعمال سعودي آخر بأنهما "بخطورة تجار المخدرات"، لأن القنوات التلفزيونية التي يملكونها تبث الأفلام.

صراحة الوليد

يُشار إلى أن الوليد بن طلال، وهو ابن أخ الملك عبد الله ويحتل المرتبة رقم 13 على قائمة أغنى أثرياء العالم حسب مجلة فوربس، هو أحد الأشخاص الذين تكلموا بصراحة عن الحاجة لوجود دور للسينما والمسارح في المملكة، حيث قال في شهر فبراير/شباط الماضي إنه متيقين بأنه "سيأتي اليوم الذي سيكون لدينا في السعودية دور سينما".

وقد كان الجو داخل المركز الثقافي الذي شهد عرض يوم السبت مفعما بالإثارة، فبالإضافة إلى قيام رواد السينما بشراء الذرة، راحوا أيضا يقفون أمام عدسات كاميرات التصوير لالتقاط الصور مع الممثلين المشاركين بالفيلم.

وقال السباعي إن رجلين سعوديين حاولا، وإن أخفقت محاولتهما، عرقلة سير الأمسية. فقد وقف أحد هذين الرجلين، بعد صلاة العشاء في المسجد الملحق بالمركز وحثَّ المصلين على ألا يصعدوا الدرجات القليلة التي تقودهم إلى المسرح الذي يُعرض عليه الفيلم.

وبُعيد وقت قصير من بدء عرض الفيلم، سمع الحضور صوت رجل آخر وقد راح يصرخ بأعلى صوته بالناس إن عليهم الامتناع عن إنفاق أموالهم على مثل "تلك المهن والممارسات المنحلَّة والفاسدة". إلا ان رجال الأمن اقتادوه سريعا بعيدا عن المكان.

وقد استدعت السلطات المحلية كتيبة من الشرطة التي قامت بتطويق منطقة تواجد النشطاء الإسلاميين وحافظت على الأمن في المكان.

وقال السباعي إن القلاقل والإزعاجات لم تثبِّط أو توهن من عزيمة الجمهور والقائمين على الفعالية أو تفسد مزاجهم.

عمل كوميدي

فقد تم عرض الفيلم، وهو عمل كوميدي ساخر يتحدث عن رجل بدوي يواجه أوقاتا عصيبة نتيجة صعوبة التأقلم مع ظروف الحياة في المدينة، حتى نهايته أمام جمهور غصّت به قاعة العرض.

أما أحمد المقيد، وهو طالب جامعي وحضر مع أخيه وابن عمه عرض الفيلم، فقال: "إن هذه هي بداية التغيير."

كما قال رجل الأعمال عبد المحسن المانع، الذي جلب معه ابنيه لحضور العرض، إن التجربة بثَّت بداخله شعورا بالنشوة، إذ جاءت بعد حرمان الجمهور السعودي من السينما لمدة ثلاثة عقود متواصلة.

إبعاد النساء

وحول منع النساء من حضور عروض السينما، قال طلال صالح، وهو يبلغ من العمر 25 عاما وحضر عرض يوم السبت: "من الأفضل إبقاء النساء بعيدات في البداية. فهذا مجتمع محافظ وغير معتاد على الاختلاط. فالتغيير يجب أن يحصل بالتدريج."

وحاول المخرجون السينمائيون والمتحمسون للسينما في السعودية خلال السنوات القليلة الماضية إحياء الفن السابع في بلادهم، وقد شجعهتم على ذلك البيئة الأكثر انفتاحا في المملكة.

فقد حدث هناك ثمة ارتفاع مفاجئ في عدد الأفلام التي تنتجها السعودية. ونظَّمت المملكة مهرجانها السينمائي الأول العام الماضي في مدينة الدمام في المنطقة الشرقية من المملكة. وحضر الفعالية وزير الإعلام، وذلك في إشارة واضحة إلى الموافقة الرسمية على الخطوة.

كما شارك البعض من الأفلام السعودية في المهرجات السينمائية الدولية. إذ كان من ضمن العلامات الفارقة في دورة مهرجان كان السينمائي لعام 2006 عرض أول فيلم سعودي، وهو فيلم "كيف الحال"، في المهرجان.

و"كيف الحال" هو فيلم روائي طويل أنتجه السعودي أيمن الحلواني، وإن كان من إخراج الفلسطيني المقيم في كندا، إيزادور مسلم، ومن تأليف مشترك بين اللبناني محمد رضا والمصري بلال فضل.

وقد شارك في التمثيل بفيلم "كيف الحال" ممثلون من السعودية الى جانب غيرهم من بلدان عربية اخرى.

وتم تصوير الفيلم في الإمارات، وجاء ناطقا باللهجة السعودية، وكتب له الموسيقى الفنان اللبناني غسان الرحباني، وصوَّره بول ميتشنيك.

ويروي الفيلم قصة خفيفة تدور في معظمها في أجواء مرحة، حول أسرة سعودية تجمع بين ثلاثة أجيال.

وكانت تلك هي التجربة الأولى، وقد طرقت على استحياء شديد موضوعا من أكثر المواضيع تعقيدا في سياق الظروف الخاصة داخل السعودية، وإن طرحت من التساؤلات أكثر مما قدمت من إجابات عليها