بعد مهاجمة ساركوزي النقاب، معرض للعباءات العربية في باريس

لم تمض سوى أيام قليلة على هجوم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على ارتداء النساء المسلمات في بلاده للنقاب حتى كُشف النقاب عن حدث يتعلق بثوب تقليدي آخر: معرض للعباءات العربية في عاصمة الموضة العالمية باريس.

Image caption العباءة العربية من أكثر أنواع اللباس في العالم تقليدية

ففي فندق جورج الخامس، وعلى بعد أمتار فقط من مكتب ساركوزي في قصر الشانزيليزيه في العاصمة الفرنسية باريس، راحت أسماء لامعة في عالم الأزياء والتصميم تتبارى في استعراض مواهبها وابتكاراتها لأحدث صيحات العباءات العربية وتصاميمها وأساليب ارتدائها وطُرق عرضها المثيرة للانتباه والفضول.

لقد ضمَّت القائمة مصممين عالميين بارزين ودور أزياء نسائية رائدة في عالم الموضة، من أمثال نينا ريتشي وكارولين هريرا وغاليانو وألبيرتا فيريتي ومارتن جرانت وجان كلود جيترويس وبلومارين.

فندق الأمير

يقول مراسل وكالة الأنباء الفرنسية في تقرير له من باريس إن المعرض عُقد الأسبوع الحالي في الفندق الفخم الذي يملكه الأمير والملياردير السعودي الوليد بن طلال، والذي أثار ضجة في بلاده بوقوفه مؤخرا وراء أول عرض سينمائي في بلاده.

لقد شكَّل الحدث تحديا كبيرا لمصممي الأزياء المشاركين في المعرض، إذ كان عليهم أن يتعاملوا مع أكثر أنواع الثياب النسائية تقليدية في العالم، أي العباءة السوداء التي ترتديها ملايين النساء العربيات فوق ملابسهن العادية لتضفي عليهن المزيد من الألق.

فقبل أن يهدأ غبار العاصفة التي أثارها كلام ساركوزي حول النقاب في أول خطاب لرئيس فرنسي يلقيه أمام برلمان بلاده في قصر فرساي منذ حوالي 150 عاما، تحوََّلت فكرة اللبنانية دانيا ترحيني، المديرة العامة لمحلات "ساكس فيفث أفينيو" في السعودية بشأن تطوير العباءة العربية إلى واقع وأحدثت صدى واسعا.

ألق ورشاقة وأنوثة

Image caption جاء المعرض في نفس الأسبوع الذي هاجم فيه الرئيس الفرنسي البُرقع

فقد ظهرت في المعرض نساء رشيقات أظهرن كيف أن العباءة العربية تُحيل مرتديتها إلى كائن يشع ألقا ورشاقة وأنوثة، وذلك عندما ترتديها عن حب ورغبة وطواعية.

تقول محلات "ساكس فيفث أفينيو" إنها سوف تقدِِّم العباءات التي عُرضت في معرض أزياء باريس كهدايا إلى الأسرة المالكة في السعودية وإلى شخصيات بارزة أُخرى.

بدا المعرض للوهلة الأولى وكأنه مجرَّد معرض أزياء آخر يُضاف إلى العروض الكثيرة التي تشهدها عاصمة الموضة في العالم. لكن، وبعد مرور دقائق فقط وتتالي العارضات على المنصة بأساليب مبتكرة وجديدة، خيِّل للحضور وكأنهم انتقلوا ليعيشوا تفاصيل أحد مشاهد جزيرة العرب وفصلا من فصول الليالي العربية.

موسيقى وخيول

فعلى وقع الموسيقا ووسط غيمة كبيرة من الدخان، طلَّ على الحضور حصان عربي عملاق رمادي اللون وراح يثب ويتهادى في قاعة الاستقبال الواقعة تحت الأرض والمزركشة بشتى أنواع الزُخرف والمدبَّجة بالمنمنمات البديعة.

Image caption تقول منظِّمة المعرض إنها ترمي إلى تطوير العباءة العربية

اعتلت صهوة الجواد عارضة أزياء روسية صُبغ شعرها باللون الأحمر واعتدلت بجلستها في السرج بشكل جانبي، وقد ارتدت قطع الماس المصنوعة من حجر الراين الذي غطى شالها ذا اللمعة اللافتة.

وقد سارت وراء الحصان مجموعة من عارضات الأزياء اللائي رحن يتهادين بعباءاتهن السوداء، وإن كان طراز وشكل كل عباءة جدُّ مختلف عن الآخر.

ماركات وعباءات

تقول منظِّمة العرض وصاحبة فكرته، دانيا ترحيني: "لقد أدركت أن النساء في السعودية يرتدين ماركات لمصممين عالميين بارزين، لكن يتعين عليهن أن يغطين أنفسهن بالعباءة العربية السوداء عندما يخرجن للخارج."

وتضيف دانيا، التي تعمل مع محلات "ساكس فيفث أفينيو" منذ عام 2001، قائلة: "أردتهن أن يكنََّ قادرات على ارتداء شيء يشعرن معه بالمتعة والسعادة، وليس كونه لزاما عليهن."

وعن المصاعب التي واجهتها بإقناع مصممين غربيين بتبنى فكرتها وتنفيذها، تقول دانيا: "لم يكن المصممون في البداية على ذلك القدر الكبير من الحماس والاندفاع. فهم لم يفهموا حقيقة الأمر، كما لم يستطيعوا أن يتخيلوا كيف يمكنهم أن يبتكروا عباءة تتماشى مع عالم الأزياء والموضة."

وتردف قائلة: "لذلك، فقد أرسلت لهم عباءات، كما شرحت لهم أن الفكرة هي أن يقوموا بربط الزي بالثقافة. لقد قلت لهم إن نفس النساء اللواتي يرتدين فساتين السهرة التي يصممونها سوف يرتدين العباءات التي سوف يقومون بتطويرها أو إبداعها."

تعديل العباءة

Image caption تحمع تصاميم العباءات الجديدة بين المحافظة والحداثة

أما مصمم الأزياء البرتغالي فيليب أوليفيرا بابتيستا، وهو واحد من المصممين المشاركين في موسم عرض الأزياء النسائية في باريس الذي يبدأ مطلع الشهر الجاري، فيقول إن تعديل العباءة العربية لكي يتماشى مع روح العصر مثَّل "تحديا كبيرا" بالنسبة له.

يقول بابتيستا: "كان الأمر ممتعا ومثيرا حقا أن نعمل على لباس له قواعده الخاصة للغاية. فالعباءة تقليديا سوداء اللون وهي تغطي الجسم وتكون طويلة لتصل إلى أخمص القدمين."

أمَّا دوره في المعرض، فكان هو العمل على ثلاث قطع قماش سوداء، حيث قام بقصِّها وتتجهيزها لتكون على مقاس الجسم.

Image caption ستُهدى العباءات إلى الأسرة المالكة في السعودية وشخصيات بارزة أُخرى

أما الآخرون، فقد أضافوا إلى تصاميمهم للعباءات قطع الكريستال المتلألئة من نوع سواروسكي، وقموا بتطعيمها بالذهب والمخمل الناعم الملمس وبتطريزات اللؤلؤ، وحتى قطع الشيفون والحرير الشفاف.

خوف وتوجُّس

وعن تجربتها مع معرض العباءات العربية في باريس، تقول المصممة الفرنسية آن-فاليري هاش: "لم تكن بتلك التمرين السهل على الإطلاق، إذ كنا جميعا خائفين ومتوجسين."

ورغم أن محلات "ساكس فيفث أفينيو" قد قررت إهداء ما لديها من العباءات التي شاركت في معرض باريس، إلا أنها تخطط ابتداء من شهر سبتمبر/أيلول المقبل لعرض مجموعة من نماذج تلك العباءات لديها بأسعار تتراوح ما بين 2000 و2500 دولار أمريكي للعباءة الواحدة.

تقول دانيا إن محلاتها سوف تطرح مجموعات جديدة من العباءات مرتين سنويا، وسوف تشمل ألوانا أُخرى غير الأسود، مثل الأزرق الداكن، أو لربما، البني الغامق."

"مساعدة على التَّحرر"

Image caption بعض أنوع العباءات ستكون مخصصة للسهرات المقتصرة على النساء فقط

وحول محاولة تطوير العباءة العربية التقليدية على هذا النحو، تقول دانيا: "إن هذا يساعد على التَّحرر، فهي محافظة وتتصف بالجرأة بآن واحد."

وتردف قائلة: "إنها أنيقة وتتماشى مع الزي الحديث، لكنها لا تسير عكس الثقافة، وذلك طالما تكون المرأة مغطَّاة."

وتختم دانيا بتعليق حول ذلك النمط من العباءات التي أظهرت جزءا من ساق العارضة أثناء ارتدائها لها، إذ تقول: "تلك مخصصة للأمسيات المقتصرة على النساء فقط."