اذهب الى غزة، اشرب من البحر

مشهد من المسرحية
Image caption مشهد من المسرحية

"إذهب إلى غزة، اذهب الى الحجيم." قالت لي سيدة خمسينية خلال مغادرتها إحدى خشبات الأسمبلي هول في إدنبرة حيث شاهدت مسرحية "اذهب الى غزة، اشرب من البحر".

فقليلون يمكن أن يقولوا بعد مشاهدة هذا العمل البريطاني الفلسطيني إنه لم ينقلهم إلى قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليه. إن لم يكن بسبب النص والمؤثرات الصوتية والبصرية المستخدمة، فبسبب الديكور الذي صممته الفنانة الاسكتلندية جين فرير والذي أثار قدراً كبيراً من ردود أفعال النقاد.

كتابة عمل مسرحي حول قطاع غزة فكرة خطرت للكاتب والمخرج المسرحي البريطاني جاستن بوتشر بعد الأخبار التي سمعها والصور التي شاهدها خلال الحرب العسكرية الإسرائيلية على القطاع.

"أرسلتُ مئات الرسائل الإلكترونية أقولُ لأصدقائي ومعارفي إني أريد أن أفعل شيئاً ما لأوثق مسرحيـّـاً ما يجري في القطاع"، يقول جاستن بوتشر خلال لقائنا القصير بعد العرض، "الردُ الذي تلقيته كان كبيراً ومشجعاً... وذكر أحد الأصدقاءِ المسرحيَّ الفلسطينيَّ أحمد مسعود الذي يَدرُس في بريطانيا ويقوم بكتابة مقالات حول حياة أسرته في القطاع خلال الحرب".

وهكذا تعاون المسرحيان في كتابة العمل وإخراجه، ووضعا في النص الكثير من القصص التي مرت بها أسرة أحمد خلال حرب غزة. "منها مثلاً أنه شاهد أخاه على شاشة التلفزيون يحمل طفلاً صغيراً جريحاً ويجري به بحثاً عن المساعدة الطبية. واعتقدَ أحمد للوهلة الأولى أن هذا الطفل هو ابن اخته". قصص صغيرة كهذه هي ما أراد مُعدّو المسرحية نقله للمشاهد، معتبرين أن دلالاتها كبيرة بما فيه الكفاية لتوصل رسالة واضحة حول واقع القطاع.

أبرز الحاضرين على خشبة مسرحية إذهب إلى غزة، اشرب البحر... الأحذية! المئات منها كانت مكوّمة على خشبة المسرح لتشكّل وحدها تقريباً ديكور المسرحية الذي صمّمته الفنانة الاسكتلندية جين فرير.

لماذا الحذاء؟ تقول جين إن الأحذية تشكل رمزاً لحياتنا: "ففيها الكثير منّا، هي لنا بالذات، نختارها لتناسبنا، ونذهب بها إلى كل مكان. وهي ما يتبقى منا بعد الموت. معظم من ماتوا في غزة خلال الحرب ماتوا مرتدين أحذيتهم". وهكذا صارت هذه الأحذية المكوّمة على المسرح رمزاً إلى الإنسان، ورمزاً إلى الدمار؛ يطير منها طوال الوقت غبار الأبنية المدمّرة فيصبغها بلون رماديّ في منظرٍ تقول جين إنها استوحته ليس من دمار بيوت الفلسطينيين في فلسطين، وهي التي عاشت هناك فترة من الزمان، بل من دمار بيوت الفلسطينيين في لبنان: "بعيد انتهاء عملية الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد، ذهبت إلى هناك ومعي آلة التصوير.

وما شاهدته صعقني؛ مقدار الدمار لا يمكن تصوره، المخيم بحاله أصبح رماديّاً بفعل الغبار الاسمنتي المتطاير من الأبنية التي دمرها قصف الجيش اللبناني صيف عام 2007."

ضمن هذا التصميم الذكي للخشبة، وهذا النص المحمّل بالحكايا الفردية، أدى ممثلو المسرحية الستة أدوارهم.

نصف الممثلين بريطانيون ونصفهم من العالم العربي تناوبوا الحديث باللغتين الإنكليزية والعربية وقدموا لنا شخصيات أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لأبناء القطاع؛ فهناك خبراء المنظمات الدولية، والصحفيون، والمهربون، والمسعفون، والآباء والأمهات، والأبناء والبنات، والأقرباء، والقتلى والجرحى والمرضى. كل هؤلاء شاهدناهم أمامنا على المسرح ببعض الرمزية أحياناً لكن ببعض المباشرة أحياناً التي ربما تعتبر ضعفاً في المسرحية.

كما أن النص خلا بشكل كامل من قصص الجانب الآخر من الحدود؛ من القصص التي تروى في إسرائيل حول ما يحدث في قطاع غزة. أمر دافع عنه جستن بوتشر قائلاً: "ما نحاول فعله هو أن نقدم قصصاً حقيقية من غزة من وجهة نظر أولئك الذين كانوا يتعرضون لضربات العملية الإسرائيلية في كانون الأول ديسمبر وكانون الثاني يناير الماضيين. ولم نشعر بأي حاجة لموازنة كل قصة نذكرها بما يماثلها على الجانب الإسرائيلي، لأن الوضع على الواقع ليس متوازناً فليس هناك ما يماثل وضع الفلسطينيين. وميزان القوة يميل باتجاه واحد بالتأكيد. ما همَّنا بشكل أساسي تقديم الجانب الإنساني من قصص حقيقية عاشها أهل غزة".

ورغم تأكيد كثير من القائمين على العمل أنهم يعاملون قصة غزة خلال الحرب كقصة معاناة إنسانية يمر بها بشر يعيشون ضمن ظروف قاسية، إلا أن هذا الإصرار على عدم تقديم وجهة نظر الطرف الآخر جعلت كثيرين يعبرون عن امتعاضهم مما تقدمه المسرحية، إلى حد أن مقالاً نقدياً بريطانياً اتهمها بمعاداة السامية، كما أن بعض المشاهدين انسحبوا من المسرحية قبل انتهائها.

لكن اسكتلندا شهدت عرضاً مميزاً بالتأكيد، ربما لم يسبق لخشبات مسارحها أن أنتجت مثله. عرض ابتعد عن تعقيدات السياسة والإيديولوجيا، أو حاول، لكنه التصق بالمعاناة البشرية التي قد تبدو بسيطة إن لم يلتق بها الإنسان وجهاً لوجه، كما حصل في إدنبرة خلال مهرجانها الأهم.

المزيد حول هذه القصة