إسبانيا: أربعة قرون على بداية طرد الموريسكيين

منذ بداية هذه السنة خرج الموريسكيون من دائرة الاهتمام الأكاديمي على احتشام ليلجوا دائرة الإعلام صحفه وقنواته التلفزيونية، خاصة في إسبانيا.

السبب في ذلك هو مرور أربعة قرون على صدور قرار طردهم جماعيا ونهائيا من جميع ممالك وأقاليم إسبانيا، وبداية تطبيقه بمملكة بلنسية في الثاني والعشرين من شهر سبتمبر/ أيلول من العام 1609.

قرن ونيف من العزلة

Image caption كان الصراع ثقافيا ودينيا بين الموريسكين والمسيحيين القدامى

والموريسكيون (الموروس الصغار أو "المسيحيون الجدد") هم أحفاد مسلمي إسبانيا (بما فيها الأندلس)، الذين قررت السلطات تنصيرهم ابتداء من سنة 1502.

هذا التاريخ هو البداية الرسمية لما يمكن أن يسمى "المسألة الموريسكية" حسب برنار فانسآن، المؤرخ الفرنسي المتخصص في هذا الجانب من تاريخ إسبانيا القرنين السادس عشر والسابع عشر.

ويقول هذا الباحث -الأستاذ في مدرسة الدراسات العليا الاجتماعية بباريس- إن هذا التاريخ واحد من أربعة تعد المفصل في حياة أحفاد المسلمين الإسبان على مدى أكثر من قرن.

فبعد ثلاث وعشرين سنة من ذلك التاريخ سيأمر ملك إسبانيا الإمبراطور شارل الخامس - أو كارلوس الأول حسب الإسبان - بتنصير مسلمي مملكة أراغون والتي كانت تضم إقليمي قطالونيا وبلنسية؛ علما بأن قرار التنصير الأول كان يشمل فقط مسلمي إقليم غرناطة.

هذا الإقليم الواقع أقصى جنوب إسبانيا سيكون طيلة حوالي سنتين مسرحا لأحداث خطيرة سيكون لها التأثير الحاسم ليس على مصير الموريسكيين وحسب ولكن على تاريخ صراع النفوذ على حوض البحر الأبيض المتوسط القائم آنذاك بين الإمبراطورية العثمانية وإسبانيا كذلك.

فبينما كان الإسبان يستعدون للاحتفال بأعياد الميلاد في شتاء 1568 اندلعت انتفاضة البيازين، حي الموريسكيين المواجه لقصر الحمراء في غرناطة. ولأسباب متعددة ستتحول هذه الانتفاضة إلى ما يصطلح عليه مؤرخو تلك الحقبة بـ"حرب غرناطة".

ويقول فانسآن إن السلطات الإسبانية لم تبدإ التفكير جديا في التخلص من الموريسكيين إلا بعد اندلاع هذه الحرب، التي تخللتها تجاوزات من الطرفين، كل حسب إمكانياته العسكرية، ورسخت النفور والارتياب بين المسيحيين الجدد والمسيحيين القدامى.

لكن فيليبي الثاني - نجل شارل الخامس والملك الحذر كما يلقبه المؤرخون - فضل التريث فقرر اجتثاث موريسكيي غرناطة من ديارهم وإجلاءهم إلى داخل إسبانيا بعيدا عن السواحل.

ولن تعمد إسبانيا إلى طردهم نهائيا إلا على عهد فيليبي الثالث، الملك الشاب الذي سلم كل أمور الدولة للدوكي دي ليرما أقرب أصفيائه.

"نهاية تاريخكم" بعد ثلاثة أيام

Image caption اتخذ القرار في شهر أبريل/ نيسان 1609 لكنه لم يكشف عنه إلا ابتداء من سبتمبر/ أيلول من نفس السنة

ونأتي إلى رابع أهم تواريخ الموريسكيين، حسب فانسآن.

1609، سنةٌ فارقة في التاريخ الإسباني وفي مصير الموريسكيين. فإذا كان سقوط غرناطة نهاية للحكم الإسلامي في الأندلس، فقد صارت 1609 رمزا لاستئصال بقايا الإسلام رسميا من كل ربوع إسبانيا.

قبل أن تنتصف السنة، أي في الرابع من أبريل/ نيسان اجتمع مجلس الدولة والحرب، وفي التاسع منه صدر القرار وظل سرا خشية أن يتسبب إفشاؤه في البلبلة.

ثم حل الثاني والعشرون من شهر سبتمبر/ أيلول؛ أي بعد أكثر من خمسة أشهر من الاستعدادات العسكرية، جُلبت فيها الأساطيل واستقدمت من إيطاليا فرق الترسيوس، التي اشتهرت بمراسها وشدة بأسها وانضباطها في الحروب التي قادتها إسبانيا في السابق.

وخرج المنادون إلى الساحات وشوارع وحارات مملكة بلنسية لقراءة النداء الملكي.

كان النداء يأمر جميع الموريسكيين بجمع ما خف حمله والتوجه إلى أقرب ميناء للإبحار في غضون ثلاثة أيام من سماعهم النداء. ومن يتأخر منهم فقد يكون مصيره القتل.

وعلى الرغم من سعي عدد من النبلاء المحليين التوسط لدى البلاط من أجل استثناء عدد من الموريسكيين من قرار النفي، فإن جموع هؤلاء بدأت على موانئ الإبحار الثلاثة: فيناروس شمال المملكة، ودانية ولقنت جنوبيها.

وكان موريسكيو منطقة قنديا -غير بعيد عن دانية- أول من أبحر في الثاني من شهر أكتوبر/ تشرين الأول.

فاق عددهم الخمسة آلاف، دون احتساب الرضع، وقد أُركبوا متن 17 سفينة حربية من الأسطول الإسباني الذي استقدم من نابولي الإيطالية، إضافة إلى بضعة عشر من السفن التجارية التي كان عليهم أن يؤدوا ثمن الرحلة بها على عكس مراكب الدولة.

وبعد ثلاثة أيام من الإبحار وصلت السفن الحربية إلى وهران، التي كانت خاضعة آنذاك للحكم الإسباني، والتي كلف حاكمها بمهمة إعادة ترحيل المهجرين إلى الأراضي "الأجنبية".

وفاوض الكوندي دي أغيلار سلطات مملكة تلمسان لاستقبال المهجرين، فوافقت في مرحلة أولى لكنها بعد السابع عشر من أكتوبر أي بعد وصول حوالي 22 ألف موريسكي ستطلب ترحيل الباقي نحو أماكن أخرى.

ولم تمر عمليات الإبحار أو الإنزال دائما بسلام.

فقد غرقت بعض المراكب التجارية بسبب رداءة أحوال الطقس كما تعرض المُهجرون في بعض الأحيان إلى الاعتداء والقتل على يد طاقم السفن.

وتنقل التقارير المحفوظة في الأرشيفات الإسبانية -ويؤكدها المقري المؤرخ التلمساني الذي عاصر الأحداث- أنباء عن وقوع العشرات من المُهجرين ضحية قطاع الطرق عندما كانوا في طريقهم إلى مستغانم أو تلمسان غربي الجزائر.

آخر الانتفاضات

Image caption جزء من لوحة على الزليج بكورطس دي باياس غربي إقليم بلنسية تصور اقتحام الجنود لمعقل الموريسكيين المتمردين على قرار الطرد بلامويلا دي كورطس.

مثل هذه الأنباء لم تكن لتبعث على الاطمئنان، وقد تكون من بين الأسباب التي أدت إلى اندلاع انتفاضتين في منطقتين جبليتين وعرتين وسط إقليم بلنسية: في الاغوار المطلة على ساحل البحر ولامويلا دي كورطس القريبة من إقليم بسطة بلمانتشا.

اندلعت الانتفاضتان بتزامن تقريبا بعد شهر من إعلان قرار النفي، واستمرتا أكثر من شهر وانتهتا نهاية دموية خاصة في الأغوار حيث لقي أكثر من ستمئة موريسكي حتفهم على يد الجنود الإسبان.

ولما اقتيد المنتفضون إلى الإبحار توفي المئات منهم جراء الإنهاك وسوء أحوال الطقس.

وبإركاب هؤلاء في منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأول انتهت تقريبا عمليات تهجير موريسكيي بلنسية.

ويقدر هنري لابير - الذي اهتم بالجغرافيا التاريخية لإسبانيا الموريسكية- عدد الذين هجروا من هذا الإقليم بما مجموعه 116 ألف نسمة ولم يستبعد المؤرخ الفرنسي أن يكون توفي أوقتل أثناء العمليات حوالي ستة آلاف شخص، وأن يكون عدد الفارين يقارب الألفين، بينما يقدر عدد من حكم عليهم بالأشغال الشاقة كجدافين في الأساطيل الحربية الإسبانية بما يربو على خمسمئة موريسكي.

وظل بمملكة بلنسية كذلك، ما يقرب من 4 آلاف طفل موريسكي دون الثانية عشرة حسب خايمي بليدا -رجل الدين البلنسي الذي عاصر الأحداث وكتب في الثناء على قرار الطرد كتبا يعتمدها المؤرخون.

عدد من هؤلاء الأطفال كانوا أيتاما وعدد آخر تعرضوا للاختطاف من أسر مسيحية لغرص أو لآخر.

بيد أن لا بير يشكك في صحة العدد، ويخفضه إلى 2500.

وقبل انتهاء عمليات تهجير آخر موريسكيي بلنسية نادى المنادون بالقرار الملكي في مملكة مرسية، وفي السنة الموالية ستنطلق عمليات تهجير باقي أقاليم إسبانيا. وستستمر العمليات حتى سنة 1614.

البحث عن وطن

Image caption يحذر المؤرخ الفرنسي من الانزلاق في فخ الإسقاطات

استوطن المهجرون بصورة أساسية في بلدان المغرب العربي: المغرب والجزائر وتونس.

ولأن أوضاع الموريسكيين وتوزيعهم الجغرافي وتاريخهم يطبعه التنوع الشديد، تباينت ظروف تهجيرهم، واختلفت وجهاتهم.

وكمثال على ذلك ما حدث لموريسكيي بلدة هورناتوش في إستريمادورا غربي إسبانيا على الحدود مع البرتغال.

ويذكر المؤرخون أن هؤلاء الموريسكيين فاوضوا على طريقة نفيهم. وكان لهم ما أرادو. فتوجهوا إلى سبتة التي كانت ولا تزال تحت الحكم الإسباني شمال المغرب، ومنها إلى تطاون المجاورة ثم الرباط حيث أسسوا ما يصطلح عليه المؤرخون باسم جمهورية سلا، التي استمرت لما يقرب سبعين سنة.

ويُقدر عدد الموريسكيين الذين استوطنوا المغرب العربي بحوالي 240 ألف نسمة. ثمانون ألفا تقريبا في كل بلد من بلدانه الثلاثة.

لكن بينما يُعد الموريسكيون الذين استوطنوا تونس المجموعة الأكثر تماسكا والتي استقبلت استقبالا حسنا مقارنة مع باقي المهجرين، يلف الغموض مصير الموريسكيين الذين استوطنوا الجزائر.

عدا هذه البلدان الثلاثة انتشر عدد قليل من الموريسكيين في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط كالإسكندرية شمال مصر والأناضول وإسطنبول وسالونيك بتركيا وليفورن والبندقية الإيطاليتين وفي مناطق بفرنسا، حسب برنار فانسآن.