أفلام الفقراء تعود إلى السينما الهندية

من فيلم قصة صغيرة
Image caption يناقش فيلم قصة صغيرة موضوع انتحار الفلاحين

اليأس المطلق يدفع الفلاح الهندي الفقير "ناندو" إلى شرب مبيد حشري فيسقط على الأرض ميتا على الفور.

هذا ما يحدث على الشاشة أمام المتفرجين الذين ازدحمت بهم دار السينما والذين تند عنهم آهات اللوعة في تفاعل تلقائي مع المشهد المروع.

ناندو بالطبع مجرد شخصية في فيلم هندي حديث الإنتاج، موضوعه انتحار الفلاحين الفقراء.

غير أن هذا المصير المأساوي ظل واقعا ملموسا لآلاف السنين. وهذه المرة الأولى التي يتم تجسيد هذا الجانب المظلم من جوانب الحياة في الريف الهندي في فيلم سينمائي.

تصور معظم الأفلام الهندية قصصا تدور حول شخصيات من الأثرياء والمشاهير، في كبرى المدن الهندية والعواصم العالمية.

ولكن خلال الأشهر الأخيرة ظهر عدد من الأفلام الناطقة بلغة الماراثي، تصور المشاكل الحادة التي عادة ما تواجه الفلاحين، وعرضت هذه الافلام في ولاية ماهارشترا.

انتحار الفلاحين

هذه الولاية التي توجد فيها مدينة مومباي، هي أيضا الولاية التي عرفت انتحار آلاف الفلاحين الفقراء خلال السنوات الأخيرة.

وهذه الحالة تمثل ظاهرة بشكل خاص في منطقة "فيداربا" التي تعرف بزراعة البرتقال والقطن، إلا أن الزراعة فيها تشهد فترات من الجفاف الحاد، وبالتالي فساد المحاصيل، مما يدفع الكثير من الفلاحين للانتحار بسبب عدم قدرتهم على تسديد الديون المتراكمة عليهم.

وبينما تنفق شركات "بوليوود" ميزانيات ضخمة لانتاج أفلام تدور مواضيعها عادة حول الجوانب الايجابية في المجتمع، يكافح سينمائيون لا يتمتعون بالخبرة الكافية من أجل تدبير المال اللازم لانتاج أفلام تدور حول موضوع انتحار الفلاحين البؤساء. وهي أفلام غير تجارية أيضا أي لا ينتظر أن تحقق ارباحا.

إلا أن هذه الافلام نالت الكثير من التقدير من النقاد على الصعيدين المحلي والدولي.

تتناول أفلام مثل "تنجيا" (اسم طفل)، و"المطر الملعون"، و"قصة صغيرة" مواضيع تدور حول حياة الفلاحين ولكنها تتميز بالعمق والبساطة في آن.

فيلم "تنجيا" مثلا يروي قصة طفل في السابعة من عمره، يرفض التخلي عن الثور الذي تملكه الأسرة والذي تضطر لبيعه بسبب مشاكلها المادية المتراكمة.

وتركز القصة التي تدور من خلال وعي الطفل، على عدم قدرة أسرة الصبي على الخروج من ازمتها، وعدم قدرتها أيضا على تبرير بيع الحيوان الذي تربى ونشأ مع الطفل.

أما فيلم "المطر الملعون" فهو يتناول حياة اسرة تعيش في رعب لأن رأس الأسرة الذي يشعر باليأس التام بدأت تظهر عليه علامات الرغبة في الانتحار.

ويروي فيلم "قصة صغيرة" قصة اثنين من الفلاحين يرتبطان بصداقة وثيقة، يتعين عليهما مواجهة المشاكل التي تتراكم بسبب الجفاف من جهة، والمشاكل البيروقراطية مع الدولة من جهة أخرى، وكيف يدفع تراكم الديون الأول إلى الانتحار، في حين ينتقم الثاني من الدولة.

مشاكل الانتاج

السينمائيون يريدون التعبير عن مشاكل وقصص حقيقية تحدث لعدد من الفلاحين الذين يعرفونهم جيدا.

وهم من أجل ذلك على استعداد لتدبير المال بأنفسهم، من مدخراتهم الشخصية، على أمل اقناع المنتجين باستكمال الأفلام بعد ان يشرعوا في تصوير جزء منها.

ويلجأ بعض السينمائيين إلى صنع فيلم تجاري مضمون النجاح مقابل الحصول على المال اللازم لصنع فيلم "واقعي" من تلك الأفلام التي تتناول القضايا الحقيقية.

Image caption ينتحر آلاف الفلاحين في الهند سنويا

كان فيلم "المطر الملعون" الفيلم الوحيد الذي حصل على منحة للتوزيع تبلغ 15 ألف يورو من مؤسسة هيوبرت بالس الهولندية ضمن الورشة التي ينظمها مهرجان روتردام السينمائي الدولي. وبدون هذه المنحة المالية كان من المستحيل أن يتم توزيع الفيلم حتى على هذا النطاق المحدود.

وبعد أن رفض الفيلم من طرف 42 منتجا سينمائيا، يشعر مخرجه ومنتجه بالسعادة بعد ان حقق الفيلم نجاحا تجاريا بل وحصل أيضا على عدد من الجوائز منها جائزة أحسن ممثل لبطله الطفل في مسابقة الأفلام الهندية الوطنية.

هذه الافلام لا تصور فقط جوانب حقيقية تتعلق بالحياة في تلك المنطقة وبشخصيات من الفلاحين يعرفها مؤلفو قصص الأفلام، بل تستند الكثير من مشاهدها إلى احداث حقيقية مثل حادثة وقعت عندما عرض الفلاحون قريتهم بكاملها للبيع.

وبينما تصور بعض الافلام الأمل في نهاية الطريق، تحذر أفلام أخرى من تدهور الأوضاع إلى الأسوأ.

ويتساءل أحد السينمائيين الذين يصنعون هذه الافلام: "إذا كانت العولمة قد جعلت من السهل أن تصل المشروبات الخفيفة المعلبة أو أكياس شرائح البطاطس إلى القرى الهندية، فلماذا لا تصل هذه الأفلام على العالم؟

الأفلام تصور الطبيعة أو المطر باعتبارها قوى قاهرة يمكنها أن تغير حياتهم بين يوم وليلة. أما الفلاحون فيعتمدون على الحكومة وعلى القروض الحكومية، ويظهرون في هذه الافلام وهم يشعرون بالقلق ازاء ما يقع من تطورات السياسية.

يقول المخرج السينمائي ساتيش مانوار: "لقد خرج الوضع عن نطاق السيطرة، وما لم يتم عمل شيء ستسوء أوضاع الفلاحين، وعلى الأقل فإن هذه الأفلام تثير التفكير والمناقشات".

ويستطرد: "لكن هذا لن يحدث تغييرا كبيرا. هناك حاجة إلى اصلاح شامل. من المهم دراسة الوضع من الناحية النفسية كما في فيلم "المطر الملعون" لنعرف ماذا يحدث لأسرة تعيش في خوف".

ويردد الناشط الفلاحي فيجاي جوانديا رأيا مشابها: "الناس يشاهدون هذه الافلام، ومن الجيد أن تناقش مثل هذه القضايا. ولكن الفلاحين يقعون داخل دائرة مفرغة حتى أن المرء لا يعرف كيف يمكن أن تؤدي المناقشات إلى حل للمشكلة دون تدخل من جانب الحكومة"!