"موريسكيو" إسبانيا الجدد

شريفة بن حسين بلنسيةُ الإقامة إسبانية الجنسية تونسية المولد. درست الأدب العربي في العاصمة المغربية الرباط ثم لما لم تستطع استكمال دراستها العليا -"بسبب تعقيدات إدراية"- قررت عبور المضيق إلى الضفة الأخرى، إلى إسبانيا، لأن العودة إلى مسقط رأسها في بداية التسعينيات كانت تعتريه بعض "الصعوبات" بسبب انتمائها.

Image caption للمركز شراكة مع وزارة الهجرة الإسبانية

أنشطة شريفة متعددة متنوعة، وبرنامج يومها مكتظ يحتاج إلى أكثر من أربع وعشرين ساعة. ولم تتمكن البي بي سي من إجراء الحديث معها إلا في ساعة متأخرة نسبيا.

ففي غياب رئيسة المركز الثقافي الإسلامي لبلنسية أمبارو سانتشيس روسيل، تقوم شريفة بمهام تنضاف إلى أشغالها الأخرى كرئيسة لجمعية نسائية –النور- "هدفها إدماج المهاجرات" في المجتمع الإسباني.

ومن بين هذه المهام إعداد مؤتمر عن الموريسكيين سيعقد في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني.

مؤتمر آخر؟

"ولم لا؟ فما زال الكثير مما يمكن أن يقال عن هذه الأقلية الإسبانية طي المخطوطات ودفين الخزانات الخاصة في تونس إلى حيث هاجرت مجموعة منهم هي الأكثر تماسكا مقارنة مع باقي بلدان المغرب العربي"، ترد شريفة التي تستعد لمناقشة رسالة ماجستير في جامعة مدريد عن البلنسيين من الموريسكيين الذين حطوا الرحال بتونس.

Image caption نظمت بإسبانيا هذه السنة عدة مؤتمرات بمناسبة الذكرى المئوية الرابعة لبداية طرد الموريسكيين من إسبانيا.

وقد تأتي شريفة بفتح في هذا المجال.

فجل الدراسات تكاد تجمع على أن كل موريسكيي مملكة بلنسية -وناهز عددهم مئة وعشرين الفا- هُجّروا إلى غرب الجزائر، وأن موريسكيي تونس -الذين استرجعوا فيما بعد "هويتهم الأندلسية"- معظمهم -إذا لم نقل كلهم- من أراغون. لكن شريفة لاتعتبر نفسها سوى "مهتمة" في هذا المجال، تطمح إلى استرجاع صوت هذه الأقلية "المنكوبة"، بعد قرون من الصمت، تحدث فيه "المسيحيون القدامى" عنهم بما يريدون خيرا أوشرا.

"وليس الأمر حنينا بل إحقاقا للحق، من أجل الأجيال القادمة"، توضح شريفة مضيفة: "إن أبنائي لا يحملون الجنسية الإسبانية وحسب، بل يؤمنون بأنهم إسبان قلبا وقالبا، وعندما يتحدثن عن تونس يشرون إليها بلفظ ’بلدك‘".

مواطنون وليس موريسكيين

لذا تسعى شريفة -التي تتحدث إسبانية فصيحة وإن بلكنة مغاربية لا يخطئها السمع- إلى تجنيب هذا الجيل من المواطنين الإسبان عقلية "المدجنين" (موديخار بالأسبانية، وهو النعت الذي التصق بالمسلمين الذين ظلوا تحت حكم المسيحيين بعد سقوط الممالك والإمارات الإسلامية في الأندلس)؛ وذلك بتذكيره بأن إسبانيا اليوم لم تتمخض من فراغ، بل هي نتيجة اختمار حضارات وثقافات عبر مئات السنين.

وتعترف رئيسة جمعية النور بأن هذه المهمة محفوفة بالمخاطر.

فعندما تقرر في بداية هذه السنة تنظيم تظاهرة للاحتفال بالذكرى الألف لقيام إمارة بلنسية استاء الكثير وتعرض المنطمون إلى حملة إعلامية لأن مملكة بلنسية لم تولد -في اعتقادهم- إلا على يد ملك أراغون جوم الأول عام 1238، وليس قبل ذلك.

موقف متطرف ولاشك ولكنه قابل للتغيير، تؤمن شريفة التي تنحي تلميحا ببعض المسؤولية عن تنامي مثل هذه المشاعر المعادية للمسلمين إلى جمعيات في إسبانيا كانت -ولا يزال بعضها- يدعو إلى "استرجاع الأندلس".

فشتان ما بين الأمس واليوم.

بالأمس كان المدافعون عن المساهمة الإسلامية في إسبانيا قلة مهمشة، أما اليوم لايرى عدد متنام من الإسبان غضاضة في قراءة تاريخ بلادهم من عدة زوايا، حسب شريفة.

والدليل على ذلك -في رأيها- ماتشهده إسبانيا هذه السنة من أنشطة بمناسبة مرور أربعمئة سنة على صدور وبداية تنفيذ "قرار طرد الموريسكيين الجائر" -كما جاء في أكثر من مقالة وتعليق وكتاب.

Image caption "لا ينبغي أن نلوم الإسبان على تقاعسنا"

ومن بين هذه الأنشطة -تقول شريفة- مراسم إحياء ذكرى رحيل أول دفعة من موريسكيي قرية المنقذ (الموناسيد) بمنطقة سيغوربي في مقاطعة كاستيو إلى الشمال من بلنسية، ودُعي إليها المركز الثقافي الإسلامي.

لم يحن الوقت

فهل حان الوقت لأن تعتذر الدولة الإسبانية عما حدث قبل أربعمئة سنة؟

تتردد شريفة لبعض الوقت قبل أن تجيب.

إن استرجاع ما حدث سواء إعلاميا أو أكاديميا، لا يعني أن شرائح كثيرة من المجتع الإسباني راغبة في التذكر، أو قادرة عليه في الوقت الراهن على الأقل، ثم إن الموضوع له بعد سياسي محرج للسلطات الإسبانية خاصة مع تنامي الهجرة القادمة من شمال أفريقيا، وأحداث الحادي عشر من مارس/ آذار 2004 التي خلفت مئات الجرحى والقتلى.

أضف إلى ذلك أن المسألة تحتاج إلى اهتمام المسلمين والعرب بقضاياهم قبل أن يهتم بها الآخرون، وأن "نتوقف عن عيب زماننا ولا عيب فيه سوانا."

قد يستدعي الأمر بعض الوقت والمثابرة.

والمثابرة لدى شريفة طبيعة ثانية، ولكن وقتها يضيق لكثرة المسؤوليات، حتى أنها لم تستطع مشاهدة الشريط الوثائقي الذي أعلن التلفزيون المحلي عن بثه بمناسبة مرور أربعمئة سنة على إعلان قرار اطرد الموريسكيين في أزقة وشوارع بلنسية.