دينيس البريطاني الذي تسلل الى معتقل آوشفيتز

اطفال آوشفيتز
Image caption الملايين فنوا في معتقل آوشفيتز النازي

عندما كان الجميع يحاولون فعل اي شيء من اجل الفرار والهروب منه، نجح جندي بريطاني شجاع في التسلل الى معسكر الاعتقال النازي في اوشفيتز ليكون شاهدا على الفظائع المرعبة التي حدثت هناك، ويروي ما رآه الى العالم.

دينيس ايفي رجل استثنائي بكل المقاييس، جندي شجاع في الحرب العالمية الثانية، اعتقله الالمان وسجنوه في ذلك المعسكر الذي كان اكبر معسكر اعتقال وابادة اقامه النازيون الالمان.

ما فعله دينيس خلال فترة اعتقاله في ذلك المعسكر، والذي ظل مسكوتا عنه طوال هذه السنوات، كان بالفعل استثنائيا، ففيما كان الملايين يحاولون فعل اي شيء من اجل الهرب من اوشفتيز، كان هو يبتكر الحيل من اجل العودة اليه ليشهد على ما حدث.

"غير معقول"

قال دينيس، البالغ من العمر 91 ويعيش في دربيشير في بريطانيا، انه اراد ان يكون شاهدا على ما كان يحدث داخل هذا المعسكر، ويضع يده على حقيقة افران الغاز، حتى يرويها للعالم، وكان مدركا انه كان يخاطر بحياته.

يقول دينيس: "عندما يفكر الانسان فيما فعلته آنذاك، ضمن الظروف والبيئة الحالية، سيكون الامر غير معقول تماما، لا اعتقد ان احدا يمكن ان يفكر او ان يقوم بأمر كهذا في ظروف اخرى، لكن حدث ما حدث، ويبدو انني كنت متهورا بعض الشيء، ولا شيء كان يمكن ان يوقفني عندئذ".

رتب دينيس ليتبادل الادوار مع سجين يهودي وثق به.. استبدلا ملابسهما، اخذ هو الملابس الرثة القذرة التي كان يرتديها اليهودي، واعطاه ملابس السجن الخاصة بالبريطانيين.. لليهودي كانت فرصة لشيء من الطعام الجيد، ولدينيس فرصة ليرى بنفسه ما كان يحدث ويجمع المعلومات.

"جحيم ارضي"

يصف دينيس معسكر اوشفيتز بانه "جحيم على الارض"، ويقول انه كان يسهر ليلا على اصوات الآهات والاوجاع والصراخ الصادر من المساجين المعذبين، ويصفها بأنها كانت " ليلة مرعبة.. كنت اشم رائحة كريهة جدا".

تحدث دينيس مع المساجين اليهود الذين كانوا لا يتحدثون عن حياتهم السابقة الا نادرا، وكانوا يركزون على الجحيم الذي كانوا فيه، وعلى العمل الذي كانوا يقسرون عليه في المصانع الموجودة في محيط المعتقل.

قال دينيس: "كان هناك نحو ثلاثة ملايين انسان يعملون حتى الموت في مصانع ومعامل مختلفة، وكانوا يدركون انهم بهذا المعدل من العمل القسري لن يقدّر لهم العيش اكثر من خمسة اشهر.. لم يتحدثوا الا نادرا عن حياتهم السابقة، كانوا يتحدثون فقط عن اوضاعهم، والمعاناة التي يمرون منها، وعن العمل الذي يقسرون على القيام به".

سجائر اغلى من الذهب

وعندما كان دينيس يسألهم عن الناس الذين قابلهم في السابق ولم يعودوا موجودين، كان الرد انهم ذهبوا الى "المدخنة".

دينيس كان شاهدا ايضا على الفظائع والوحشية التي كانت تمارس ضد المساجين، وقال انهم كانوا يقتلون يوميا، وانه كان مصمما على مساعدتهم، خصوصا عندما قابل السجين اليهودي ارنست لوبتال.

لوبتال قال لدينيس انه نجح في تهريب اخته سوزانا الى انجلترا لانها طفلة مع اندلاع الحرب، وكان لوبتال يتصل بأخته عن طريق رسائل مشفرة يبعث بها الى امه من المعسكر عبر دينيس.

كما كان دينيس يأتي بالسجائر وبعض الحلويات ورسالة من سوزانا هرّبت اليه لتصل الى لوبتال.

السجائر كانت اغلى من الذهب عندئذ، وكان لوبتال يستخدمها للتخفيف من المعاناة التي كان يمر بها.

كان لوبتال يبادل علبتي سجائر من نوع "بليرز" مقابل اصلاح نعل حذائه، السجائر ساعدته ايضا على انقاذ حياته عندما تعرض الآلاف الى الابادة والقتل فيما عرف عندئذ بمسيرات الموت في شتاء عام 1945.

قابل دينيس سوزانا لوقت قصير في عام 1945 بعد خروجه من معسكر اوشفيتز بفترة قصيرة، وكان وقتها يمر بأزمة نفسية حادة لهول ما رآه وتحمله.

واعتقد كل من دينيس وسوزانا ان شقيقها قد مات، لكنه في الحقيقة عاش، ويعود الفضل جزئيا الى السجائر المهربة، لكن سوزانا فقدت بعد ذلك الاتصال بدينيس ولم تتح لها فرصة اطلاعه على الخبر السعيد بخروج اخيها حيا من المعسكر.

بي بي سي تمكنت من جمع دينيس بسوزانا، التي اصبحت السيدة سوزانا تيمز وتعيش في منطقة ميدلاندز وسط انجلترا، بعد ان كان دينيس قد اعتقد انها هاجرت الى امريكا، حيث انجبت اولادها وتعيش حياة سعيدة.. خبر لقاء سوزانا مع صديقها الجندي المخضرم كان خبرا سعيدا جدا لكليهما.

الا ان ارنست، الذي عرف لاحقا باسم آرني، مات ولم يعلم حتى الاسم الحقيقي للجندي البريطاني الذي ساعده في الصمود والبقاء في معسكر الابادة النازي المخيف.

آرني، وقبل مماته، سجل قصة نجاته من معتقل اوشفيتز على شريط فيديو لصالح مؤسسة "شواه"، وهي مؤسسة اخذت على عاتقها تسجيل شهادات وروايات الناجين من هذا المعتقل، حيث تحدث آرني عن صداقته مع الجندي البريطاني الذي كان يطلق عليه لقب "الاصهب".