يهود بيروت الذين رحلوا وعلاقة مع الذاكرة، في كتاب جديد

بيروت
Image caption منظر لبيروت

صدر في بيروت مؤخرا كتاب يتناول حياة يهود بيروت بعنوان "وادي أبو جميل، قصص عن يهود بيروت" من تأليف ندى عبد الصمد.

من أجل توضيح بعض الإشكاليات التي يثيرها الكتاب أسوق الحكاية التالية التي رواها لي أحد معارفي من الإسرائيليين، والتي وقعت فعلا كما أكد لي.

وملخص الحكاية أن شابا يهوديا علمانيا تعرف بفتاة فلسطينية مسلمة وأراد أن يتزوجها. عائلة الفتاة لم تمانع مبدئيا، فهم يعرفون مواقف الشاب السياسية التي تجد هوى في نفوسهم، خاصة إذا كان عنده استعداد أن يشهر إسلامه.

فكر الشاب قليلا، ثم توصل الى النتيجة التالية: ما دمت علمانيا فما الفرق بين أن أكون "علمانيا يهوديا" أو "علمانيا مسلما" ؟ ولم يتردد: أشهر إسلامه.

هنا تخلص الشاب وعائلة فتاته من مأزق، بينما وقعت وزارة الداخلية الإسرائيلية في مأزق أكبر، فمواطنو دولة إسرائيل معرفون في أوراقهم الثبوتية على أنهم إما "يهود" أو "عرب"، فماذا سيكون هذا الشاب ؟ بعد تفكير غير طويل حلت المشكلة على أساس "الإقصاء": إن لم يكن يهوديا فماذا يكون ؟ عربي طبعا. هكذا أصبح شلومو، وهو إبن لأب يهودي فرنسي وأم يهودية بولندية عربيا.

ولكن هل اليهودية قومية أم دين ؟ الموقف الرسمي الإسرائيلي يعتبرها قومية، كما يتبين من القصة السابقة.

بغض النظر عن أي اعتبارات تاريخية وأيديولوجية وعلمية، هذا التفسير يمكن أن يعمل، بقليل من التناقضات كما في القصة أعلاه، في إسرائيل فقط، أما بالنسبة لليهود الذين يعيشون خارجها فيصبح الأمر أكثر تعقيدا. ما هي قومية اليهودي اللبناني الذي يعيش في كندا مثلا ؟ هل هو يهودي أم عربي ؟ إن كان يهودي القومية فتحت أي خانة يضع انتماءه العربي؟

هذه التساؤلات تخطر ببالك حين تقرأ كتاب ندى عبدالصمد السالف الذكر، الذي يروي حكايات من حياة يهود بيروت الذين بقي منهم القليلون حاليا.

جذور وواقع وذاكرة

يعيش من بقي من يهود بيروت فيها بعيدا عن الاضواء، ويحاولون تجنب وسائل الإعلام، هذا ما لمسته المؤلفة أثناء بحثها عن مادة لكتابها، كما أخبرتني.

رفض من استطاعت الوصول إليهم التحدث إليها، فعوضت ذلك بالحديث إما إلى يهود لبنانيين يعيشون في الخارج، أو معارف وجيران يهود سابقين كانوا يعيشون في بيروت حتى عقود قليلة.

قالت المؤلفة لبي بي سي إن مرحلتين من تاريخ لبنان الحديث شهدتا موجات هجرة ليهود بيروت: حرب يونيو/حزيران عام 1967، وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

وتضيف المؤلفة أن انطباعها من خلال الأبحاث التي أجرتها لإعداد كتابها أن يهود وادي أبو جميل لم يتعرضوا لضغوط مباشرة تضطرهم للهجرة، وإنهم كانوا يعيشون في لبنان كأي طائفة أخرى .

تنقل الحكايات أجواء الحياة التي كان يعيشها يهود بيروت، علاقاتهم مع الجيران، مع البلد، مع الثقافة العربية.

في تلك الحكايات تجد نفسك حينا في أجواء أغاني أم كلثوم، وحينا في أجواء قصص حب شكسبيرية، وأحيانا في جو من العبث.

ماهو شعور اللبناني، البيروتي الذي ولد في وادي أبو جميل وعاش وسط سكانه واحدا منهم، حين يعود إلى بيروت بعد عقود على متن دبابة إسرائيلية محتلة ؟ وكيف يحس أبناء حيه حين يترجل هذا الضابط من دبابته لا ليعتقل أحدهم بل ليسأل عن أحد رفاق الصبا ؟

ولكن الكتاب لا يقتصر على حكايات شبه رومانسية كهذه، فهناك في فصل آخر ضابط آخر جاء الى وادي أبو جميل غازيا، محتلا، ويمارس سلطته بهذه الصفة فيعتقل فتية من الحي.

يلاحظ قراء الكتاب فصلا في الملامح بين يهود بيروت الذين هاجروا إلى إسرائيل، وأصبح انتماؤهم إسرائيليا، وبالتالي متناقضا مع جذورهم اللبنانية، وبين أولئك الذين انتهوا في بلد ثالث، ككندا مثلا.

في إحدى الحكايات نتعرف على عائلة تعيش في كندا، تحن إلى جذورها اللبنانية، وتحرص العائلة على أن تخبر المؤلفة بأن ابنتهم الشابة التي ولدت في كندا تتعلم العربية في الجامعة.

أما اللبنانيون، جيران وأصدقاء يهود بيروت الذين غادروا، فبقيت علاقتهم مع الذاكرة: سيدة تحكى قصة صديقة لها هاجرت من لبنان سرا، وكانت هي الوحيدة التي اصطفتها لتطلعها على السر قبل رحيلها، وحين ودعتها أهدتها صورتها. هذه السيدة تحتفظ بتلك الصورة منذ ذلك اليوم. تقول السيدة إنها فقدت الكثير من ممتلكاتها منذ ذلك الوقت، عبر الحروب والانتقال من بيت إلى آخر، إلا أن الصورة بقيت.

هي لا تعرف ما حل بصديقتها، وإن كانت تبادلها الود حتى اللحظة، أم أن أحداث العقود الماضية جعلت منها شخصا آخر.

علاقتها هي مع فتاة شابة كانت تحبها، علاقة مع الذاكرة.

والكتاب يسرد الكثير من هذه الحكايات، بتفاصيل دقيقة وعرض قصصي .