البحر في أكياس بلاستيكية: معرض الفنانين الفلسطينيين الشباب في لندن

لوحة دينا مطر مصدر الصورة xxx
Image caption حفلة كوكتيل سيريالية ؟

حين يتجول الزائر في أرجاء قاعات "mosaic rooms" في مقر مؤسسة عبد المحسن القطان في لندن ، حيث عرضت الأعمال الفائزة في مسابقة "الفنانين الفلسطينيين الشباب"، يجد نفسه يتنقل بين عوالم مختلفة ومفاهيم متباينة، ولكن يشده خيط خفي يربط بينها.

ما هو المشترك بين أكياس بلاستيكية مليئة بسائل أزرق شفاف وتتدلى من السقف، ولوحات تلامس حدود السريالية، يتمرد فيها التشكيل على الشكل ويطغى اللون على الفكرة المباشرة؟

وماذا يربط تلك الأعمال بإطارات الدراجات القديمة وعلب المشروبات الفارغة الصدئة والمخلفات الغذائية التي استخدمت كعناصر لعمل فني يعبر عن فكرة فلسفية؟

لا بد أن هذه الاسئلة دارت في ذهن بعض من زاروا المعرض الذي افتتح يوم 8 ابريل/نيسان الجاري، ويستمر حتى 21 من نفس الشهر.

ما أبعد البحر !

حين تأملت في العمل الفني الذي أبدعه الفنان عايد عرفه باسم "أفق" تذكرت رواية بعنوان "ما أبعد البحر"، لأن العملين قائمان على نفس الفكرة.

عابد، فلسطيني يعيش في أحد مخيمات الضفة الغربية ويحلم بالبحر الذي لا يبعد عن مخيمه سوى 80 كيومترا، لكن الوصول إليه شبه مستحيل، وهذا هو حال بطلة الرواية المذكورة التي تدور أحداثها أيضا في مخيم فلسطيني.

عابد لا يذهب الى البحر، لكن البحر يحضر إليه، ويلهمه أعمالا فنية، فتارة يعبئ مياهه في قوارير، واخرى في أكياس بلاستيكية، فيما يسمى "بالفن المفاهيمي" "conceptual art" الذي يقوم على التعبير عن فكرة فنية أو فلسفية من خلال استخدام عناصر مادية وأدوات عملية مستخدمة في الحياة اليومية .

مصدر الصورة xxx
Image caption البحر في الأكياس

يستخدم عايد في عمله المعروض أكياسا بلاستيكية مليئة بسائل أزرق شفاف. للوهلة الأولى لا ندرك المقاربة رغم أن اللون الأزرق يذكرنا بالبحر.ولكن الفكرة أبعد من ذلك، وساعدني على استيعابها أنني تذكرت حين اشترت ابنتي أسماكا للزينة، فقد نقلتها من المتجر الى البيت في أكياس كهذي، حتى لا تخرج الأسماك من الوسط المائي اثناء نقلها.

إذن الفكرة قائمة على الحبس والاختزال، فكأن الفنان لم يستطع أن يقترب من البحر إلا بأن اختزله حجما ووظيفة، وحبسه في حيز مغلق يحاكي واقعه المعاش، هكذا اصبح الفنان والبحر رفيقين ندين، فإن لم يستطع البحر أن يجر الفنان الى الحرية جره الفنان الى السجن، ليشاركه المصير.

ولكن المفارقة أن عايد أعطى لعمله الفني إسم "أفق"، فهل قصد السخرية؟ أم أنه اكتفى من البحر بزرقته الشفافة، وإن كان سلبه أمواجه وحرمه من مناجاة الريح.

ألوان وأشكال وحكايات

أما دينا مطر فقد لجأت الى التجريد الذي يقف على حدود السريالية، فاللون هو العنصر الأساسي في اللوحة أما الشكل فيخرج على القواعد المألوفة للتشكيل وإن كان المتأمل في اللوحات بكثير من العمق سيستطيع تبين بعض المعالم المحددة للأشكال الغرائبية، ولكن هذا يبدو غير ذي صلة، فالعنصر الأكثر بلاغة في اللوحة هو الألوان والمفارقة بين تلك المستخدمة في الخلفية والأخرى التي تلون الأشكال الغرائبية.

في إحدى اللوحات التي لا تحمل عنوانا يبدو للناظر وكأنه يرى حفلة كوكتيل "تجريدية"، الأشخاص (أو الأشكال التي يفترض أنها تمثل أشخاصا) اختارت لها الفنانة ألوانا زاهية، وأحيانا فاقعة، ولكنها صافية وهادئة ولا يشوبها أي تشويش.

ولكن إذا نظرنا الى الخلفية فسنجد أنفسنا في مواجهة دراما صاخبة، فهي موزعة بين لونين: أحمر بلون الشفق ورمادي داكن يكاد يقترب من السواد، بلون الغيوم والعواصف.

مقدمة اللوحة مشرقة بألوانها وتدعو للتفاؤل. أما الخلفية فمكفهرة وصارخة وتشي بالخوف من المجهول.

الجرثومة

مصدر الصورة xxx
Image caption الجرثومة تنخر خلايانا الداخلية

العمل الفني الذي أبدعه عبدالله الرزي لم يكن معروضا بل كانت هناك سلسلة من الصور تمثله بالإضافة الى فيلم قصير. والسبب أن العمل ليس لوحة بل هو بنيان فني أقيم في خزان للمياه في غزة كان يستخدمه المستوطنون الإسرائيليون. العمل مكوم من أجسام قديمة ومخلفات معدنية صدئة ترمز الى التآكل والصدأ الذي يرى الفنان أنه ينخر وجدان الإنسان وينتهي به الى التحلل.

اختار الفنان لعمله الفني إسم "الجرثومة" ليعبر عن المقاربة بين ما تقوم به الجرثومة من تدمير لبنيان الخلايا الحية، وما يعترى النفس الإنسانية من تحلل، كما يرى الفنان.

خيط خفي

ولكن ما هو الخيط الخفي الذي يربط الأعمال الآنفة الذكر التي أنجزها ثلاثة فنانين يعيشون في مدن مختلفة، وليسوا على معرفة شخصية ببعضهم البعض؟

ربما كان هناك نفس الهاجس وراء أعمال الفنانين الثلاثة، وعلى أي حال فالعمل الفني مفتوح أمام أكثر من تفسير.

العمل الذي يحمل العنوان "أفق" يستحضر زرقة البحر لتمنحه أفقا أوسع من جدران بيته في المخيم، والألوان الزاهية الفرحة في لوحة دينا هي في مواجهة العواصف والمستقبل المكفهر خلف الغيوم الداكنة.

أما "الجرثومة" فهي صرخة استغاثة إلى الخارج تصدر عمن يحس بداخله يتمزق وبطبقات من الصدأ تجثم على روحه وتقتل نبض الحياة فيه .

إذن الهاجس المشترك يبدو واضحا هنا: هناك ما يجثم على وجدان الفنانين الثلاثة، ربما كان نفس مصدر الاكتئاب، واستجاب كل منهم له بطريقة مختلفة وإن كانت بعض الخطوط الخفية تربط بينها في الحالات الثلاثة.