معرض للصور في لندن بعنوان "من فلسطين إلى إسرائيل" يروي الحكاية

سجاجيد مصدر الصورة BBC World Service
Image caption المسلحون يهود، السجاجيد والذين ينقلونها عرب، والتفسير لمن يرى الصورة

ما تراه الكاميرا وتوثقه أبعد بكثير من العناصر المادية التي يمكن رؤيتها في الصورة فيما بعد، هذا ما يخطر ببال المتمعن بالصور التي ضمها المعرض المقام للخبيرة الإسرائيلية في تحليل مضمون الصور أرييلا زولاي في مقر مؤسسة القطان (موزايك رومز) في لندن، والذي يؤرخ للفترة الممتدة بين عامي 1947 و 1950 للأراضي التي كانت تدعى فلسطين ثم اصبحت تدعى دولة إسرائيل بعد عام 1948، تلك الفترة التي شهدت ما ترفض أرييلا تسميته "حربا"، فهي تقول أن ما نراه في الصور ليس حربا.

ما هو إذن؟

تقول أرييلا إن الصور تحكي قصة مغايرة، فما نراه هو تنفيذ لسياسة أحادية الجانب تهدف الى تغيير الوقائع على الأرض، إزالة أشياء وإضافة اشياء، وتغيير معالم أشياء أخرى.

أسألها عن مصدر تلك الصور فتقول إنه الأرشيف الرسمي الإسرائيلي، وان الكثير منها تعرضها الحكومة كل سنة في ما تسميه "ذكرى الاستقلال"، وإن كان الشرح الرسمي تحت الصور في المعارض الرسمية يحكي قصة مغايرة لما تحكيه أرييلا.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption ما تبقى من مسجد في بلدة فلسطينية

الظاهر والمخفي

الصور يمكن أن تحكي أكثر من حكاية، ويمكن أن تكون تلك الحكايات متناقضة، حسب ما يراه وما لا يراه المتمعن فيها.

هناك صورة تعرض عادة مع تعليق يقول "فلاحون عرب في موسم الحصاد وجنود إسرائيليون يحرسونهم".

تلفت أرييلا انتباهنا إلى أن الفلاحين يقفون في حفر يصل عمقها الى ركبهم، وليست هناك في الصورة أي صناديق أو أوعية لجمع المحصول.

كذلك إذا تمعنا في الصورة نرى أن الجنود يغطون أنوفهم، ربما بسبب رائحة تزكمها، لا يمكن أن تكون رائحة القمح مثلا.

وفي صورة أخرى نرى امرأة فلسطينية تحمل بطاقة هويتها الإسرائيلية، والتعليق أسفل الصورة حين تعرضها الحكومة يكون حول كيف "استوعبت الدولة الجديدة المواطنين العرب ومنحتهم هويات"، كما اتقول أرييلا، وتضيف أن من يعرف تاريخ الصراع على الهوية يدرك أن الفلسطينيين لم يكونوا سعيدين بالحصول على الهوية الإسرائيلية عوضا عن هويتهم الفلسطينية التي تظهر صور أخرى محاولات لطمسها، كما تقول.

صور وحكايات

لغة الجسد وتعابير الوجوه تلعب دورا في فهمنا للصورة.

في إحدى الصور نرى ممرضة إسرائيلية وأخرى فلسطينية وحولهما بعض السجناء الفلسطينيين: نظرة واحدة إليها تكشف الكثير عن علاقات القوى، من منهما تقف مطمئنة وواثقة بنفسها، ومن تنطق طريقة وقوفها ووضعها يدها على مكان القلب من صدرها بأنها الأضعف الذي يحاول استعطاف الأخرى، القوية، من أجل السجناء مواطنيها الذين يبدو أنهم بحاجة إلى رعاية صحية.

في صورة أخرى يثير علم إسرائيلي مرفوعا على مقهى عربي في عكا الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام، فهل رفع الأعلام على المقاهي عادة متأصلة؟ وأي علم كان أهل عكا يرفعون قبل تأسيس دولة إسرائيل؟ الرسالة التي تنطق بها الصورة هي رسالة مزدوجة، ككل الصور الأخرى، فإن شئت كتبت تحتها "سكان عكا العرب يعلنون ولاءهم وانتماءهم للدولة الجديدة" وهو ما تقول أرييلا انه لا بد أن يكون قد كتب تحتها في معارض "عيد الاستقلال".

أما ما يقوله الكاتب الفلسطيني ابن حيفا إميل حبيبي في روايته الساخرة "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" فهو شيء آخر: الصراع من أجل البقاء، التعبير عن العجز ومحاولة للتعايش مع واقع جديد أقوى منك.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption نازحون عرب، والصورة لا تجيب على سؤال: لماذا نزحوا؟

التحويل القسري للعلاقات

في بعض الصور نرى اليهود والعرب من سكان فلسطين في أوضاع حياتية عادية لا تنم عن صراع أو عداوة، وفي صور التقطت في وقت لاحق نرى أثر الواقع الجديد.

تلفت أرييلا الانتباه إلى أن تلك الصور تؤرخ لتحول العلاقة بين سكان البلد الواحد من التكافؤ الى التسلط، يصبح الجار قيما عليك وحارسا أو ربما سجانا، وتشهد اندثار هويتك وبروز هويته ، معالم تزول ومعالم أخرى تبرز، حي المنشية في يافا بعمرانه الفلسطيني العربي يتحول الى حي يهودي في وسط مدينة تل ابيب، والوجود الفلسطيني في مدن فلسطينية أخرى كحيفا يتضاءل لينمو على حسابه الوجود اليهودي .

مصدر الصورة xxx
Image caption سكان قرية الطنطورة: نساء وأطفال، أين ذهب الرجال؟

يمكن رواية التاريخ، وكذلك تفسيره، بأكثر من طريقة، ولكن الصورة أسلوب خطير لكتابة التاريخ، فما تراه الكاميرا لا بد أن تراه العين البشرية بقليل من التمعن، ولكن كما تقول ارييلا، المؤرخون لا يعتمدون الصورة كدليل لأنهم ربما يشككون في موضوعيتها، ولكن هل يمكن التشكيك بمصداقية تلك الصور؟ تقول أرييلا إن ذلك صعب، لأن تلك الصور التقطها مصورون إسرائيليون بتكليف من السلطات.