في مئوية نجيب محفوظ: الثورة كفعل ثقافي

رواية الكرنك مصدر الصورة Getty
Image caption في رواية الكرنك صور نجيب محفوظ تسلط الأجهزة الأمنية

يقول الكاتب د.غالي شكري في كتابه "المنتمي" الذي تناول بالتحليل أدب نجيب محفوظ ودوره في تطوير الرواية العربية ان نجيب محفوظ تسلم أمانة الرواية المصرية من توفيق الحكيم وتحمل عبء الرواية العربية منذ الأربعينات"محاولا صياغة وجهها الحديث المعبر عن تناقضات المرحلة الدامية التي وصلت اليها حضارتنا".

لم ينقل محفوظ اطارا روائيا جاهزا في الأدب الغربي، كما يؤكد شكري، ولم يطبق مذهبا فكريا بعينه وانما حاول أن يكتشف الصيغة الجمالية الصحيحة "باختيار شتى الأطر الفنية والمذاهب الفكرية في أرض الواقع المصري".

وفضلا عن استنباطه صيغته الجمالية من الواقع المصري، فانه استقى مواضيع العديد من رواياته (خاصة الأوائل منها) من التاريخ المصري كما في حالة "عبث الأقدار، 1939" و"رادوبيس، 1943" و"كفاح طيبة، 1944" بالاضافة الى رواية "ليالي ألف ليلة" المستوحاة من التراث الأدبي العربي .

وكما استقى شكل أدبه ومضمونه من الواقع المصري فان نجيب محفوظ اضطلع بمهمة نضالية شجاعة تجاه مجتمعه ولكن بصمت طوال فترة عطائه الأدبي.

هناك سؤال تردد عبر العصور حول وظيفة الأدب وان كان يضطلع بمهمة مباشرة تتناول الواقع الاجتماعي والسياسي السائد في مجتمع ما، وولدت حول ذلك العديد من النظريات بعضها ينادي بوظيفة اصلاحية مباشرة للأدب وبعضها على النقيض الاخر ينكر اي دور له خارج نطاق الدور الجمالي، وبين هاذين النقيضين اتسعت الفسحة للعديد من الأراء الأخرى التي شغلت الحركة النقدية العربية والعالمية منذ نعومة أظفارها.

يمكن أن نطلق لقب "الثائر بصمت" على نجيب محفوظ اذا أخذنا بعين الاعتبار الدور الذي لعبه أدبه في تفاعله مع الواقع الاجتماعي بل والسياسي المصري على مدى عقود، بصمت ودون ضجيج أو ادعاء.

نطق هذا الصامت في وقت صمت فيه الناطقون، وكان صوت أبطال رواياته وقصصه القصيرة هو الصوت "السياسي" القوي المسموع طوال الحقبة الناصرية التي شهدت انحسار النقد السياسي بل حتى الثقافي.

في تلك الحقبة شكل أدب نجيب محفوظ حزبا سياسيا قائما بذاته، يقاتل بهدوء وينتقد برصانة ويحلل بذكاء أمراض الواقع الاجتماعي-السياسي في وقت اختار الاخرون اما التصفيق أو الصمت.

صور محفوظ في رواياته الأمراض الاجتماعية المستشرية والتيارات السياسية والفكرية التي اضطربت تحت السطح الراكد لمياه الحياة السياسية المصرية، وقد كتب محفوظ عام 1977 قائلا:"لا تخلو رواية من رواياتي من السياسة"، ولكن أي سياسة ؟ السياسة التي نجدها في روايات نجيب محفوظ اما تسقط المعاصر على الغابر أو ترصد الحاضر وتصوره اما بمباشرة أو برمزية.

في رواية "اللص والكلاب" نجد الصراع بين المبادئ والخيانة والتخلي كما نستطيع رصد موقف ثوري من النمطية والمفاهيم السائدة، فنجد البطلين الايجابيين في الرواية هما لص ومومس، وطبعا البطولة الايجابية هنا تفهم بشكل نسبي وضمن نسيج وتركيب الرواية ذاتها.

أما في رواية "ثرثرة فوق النيل" التي كتبها محفوظ عام 1966 فنجد تحليلا لافات المجتمع المصري التي بناء عليها استطاع الكاتب "التنبؤ" بهزيمة عام 1967 والصحوة المؤقتة التي أعقبت الصدمة (حين صدمت السيارة التي كانت تستقلها شلة مستهترة فلاحة، والمأزق الذي نجم عن ذلك ودفع الجميع للتفكير بطريقة للخروج من المأزق).

وفي رواية "الكرنك" تصوير لارهاب النظام وغياب الديموقراطية، وفي روايات ومجموعات قصصية أخرى نرى اطلالات لشخصيات متنوعة وعلاقاتها المختلفة بالنظام من اعتباره خائنا للمبادئ التي جاء محمولا عليها الى السلطة الى اعتباره "مخربا" للتركيبة الاجتماعية- الاقتصادية السائدة في المجتع المصري الى الحماس غير المشروط لطروحاته وشعاراته.

"مات الملك، عاش الملك"

وبخلاف مواقف العديد من الكتاب المصريين الآخرين الذين إما التزموا الصمت أو اختاروا مداهنة النظام لينقضوا عليه بعنف فور موت الزعيم ويبدأوا التملق "للملك الجديد"، التزم محفوظ بخطه الناقد بهدوء واحتفظ بمبضعه يشرح فيه "مجتمع الانفتاح" ويقدم لنا شخصيات انتهازية جديدة تسلقت السلم الجديد وبدأت في نهش النظام السابق الذي اختارت محاباته في أوج سلطته، كما يقدم لنا الطبقة الجديدة المغلوبة على أمرها التي تصارع من أجل هدف "اسمى" جديد يتمثل في تامين "الخلو" للحصول على شقة يبدأون بها الحياة الزوجية.

كما يقدم لنا محفوظ نموذجا ليس جديدا في جوهره بقدر ما هو جديد في افتقاره الى الحد الأدنى من الحس الضميري والاخلاقي، أعني بها طبقة "المتسلقين" والـ"هباشين" الذين انقضوا على الفرص التي أتاحتها سياسة الانفتاح الجديدة دون أدنى تردد في الدوس بالأقدام على كل من تضعه الظروف في طريقهم بلا هوادة أو رحمة.

ويرصد محفوظ ارهاصات مجتمع الانفتاح الذي وجد نفسه في وضع غير قابل للتصديق وافرازه مواقف متباينة للمصدومين ربما تلخصها عبارة رددتها احدى شخصياته في رواية "ليالي ألف ليلة" وهي عبارة "مذهب للسيف ومذهب للحب" التي رددها شيخ يجسد الموقف السلبي المسالم من "الشر" في الوقت الذي يعترف فيه بوجود من يوحي له الوضع "بامتشاق السيف".

وقد أفرد محفوظ مساحة في بعض رواياته لمن امتشقوا السيف، فنجده في رواية "ليالي ألف ليلة" يصور الغليان الذي اجتاح المجتمع المصري في أجواء الاعتقالات وتقييد الحريات، وفي رواية "يوم قتل الزعيم" نجده قد ربط السبب بالمسبب.

أين يقف الراوي ؟

أين كان يقف نجيب محفوظ من الشخصيات التي صورها في رواياته وقصصه ؟ لقد التزم الحياد طبعا، ولكننا كقراء لا بد أن نلاحظ من الطريقة التي يصيغ بها مصائر الشخصيات والطرق التي يقودها اليها والزوايا التي ينظر اليها منها انه مع وقوفه على ناصية المشهد، الا انه يبتسم أحيانا ويقطب أحيانا أخرى ولكن دون أن ينفعل أو يصطنع المبالاة.

لا بد أن يلاحظ القارئ نظرته الى الشخصيات التي تمثل اليسار واليمين السياسي على انها "هامشية وغير فاعلة" ولا بد أن نلاحظ شيئا من السخرية المبطنة في تصويره لبعض شخصيات البرجوازية الصغيرة المتطلعة الى فوق دائما والتي تتخبط في لهاثها باتجاه القمة التي تصبو اليها، وأحيانا تكبو أو تسقط فيدك عنقها.

كما أسلفنا مواقف محفوظ من شخصياته وأحداثه ليست "مواقف معلنة" وهي بعيدة كل البعد عن المباشرة والوعظ .