شكسبير في أوروبا الشرقية: كيف "انقلب السحر على الساحر"

هاملت مصدر الصورة xxx
Image caption كانت عروض شكسبير تتضمن رسائل سياسية

هل على الفن أن يخدم رسالة تتجاوز رسالته الجمالية؟ هل يضطلع بمهمة إجتماعية أو سياسية؟

لو طرحنا هذا السؤال على أي من الأقطاب الماركسيين لنظرية الأدب، من جورجي بليخانوف الى جورج لوكاتش (على اختلاف تناولهما) لكانت الإجابة بالإيجاب، وإن كان الأخير منحازا أكثر الى الجانب الجمالي.

لكن المثقفين الليبراليين في أوروبا الشرقية كانوا يفضلون اتباع نظريات تي. اس. اليوت وآي. ايه. ريتشاردز ، والميل الى الإيمان بتحرر النص الأدبي من الإلتزام الأيديولوجي، أو حتى الإلتزام بوظيفة إجتماعية.

أما المفارقة العجيبة فهي أن هؤلاء الليبراليين هم من استخدموا الفن بشكل عام والمسرح بشكل خاص كسلاح أيديولوجي سياسي مباشر.

حين كنت أجلس وسط "الشباب المتمرد" في حفلات "يانوش برودي" و "تماش تشيه" في بودابست كنت أحس بتململ الجمهور والفنان يؤدي أغنية عاطفية في ظاهرها إلا أن معانيها المبطنة تتغنى بالحرية المقيدة وتستحث الشبان والفتيات على "الإقلاع" و"التحليق"، عبر الموسيقى، في فضاءات أثيرية ليست فيها قيود ولا منغصات.

كان هؤلاء نواة المعارضة السياسية التي انطلقت من كليتي الآداب والحقوق في جامعة "لوراند أوتفوش" في بودابست، والذين شكلوا اول حزب سياسي وصل إلى السلطة عقب انهيار النظام الاشتراكي.

الفن اللانخبوي

بعكس الوضع في أوروبا الغربية والعالم العربي فالفن في اوروبا الشرقية ليس حكرا على النخبة.

لو سألت رواد المسرح، بل حتى الأوبرا، في بودابست أو موسكو أو براغ عن مهنهم ستجد بينهم أبناء النخبة الثقافية بالتأكيد، ولكنك ايضا ستجد طلابا جامعيين وموظفين بسطاء، بل لا تفاجأ لو وجدت محصلي تذاكر أو سائقي قطارات.

النظام الإشتراكي الذي فرض رقابة على الثقافة، إلى حد ما، جعلها ملكا للجميع، لأنه أراد استخدامها لإيصال رسالته الأيديولوجية.

لكن "السحر انقلب على الساحر" كما يقولون، فقد اصبح الفنانون يستخدمون الفن بدورهم لتمرير رسائلهم السياسية التي تناقض تماما رسائل النظام، وهم واثقون أنها ستصل إلى أوسع قطاع من الشعب بفضل "شعبية الفن".

"شكسبير المقاتل"

في ظل حكم ستالين للاتحاد السوفياتي لم يكن عرض مسرحية "هاملت" ممكنا، لأن ستالين كان يري فيها إشارة لاستيلائه على السلطة وتنكيله بمعارضيه كليون تروتسكي.

وأصبح لهاملت مغزى آخر في الاتحاد السوفياتي، كما يقول ديفيد سيليتو، مراسل الشؤون الفنية في بي بي سي، وذلك بعد أن أعدم ستالين مخرجا كان يحلم بإخراج تلك المسرحية، هو فيسوفولود مايرهولد، وكان مسكونا بهذا الحلم لدرجة أنه قال "حين أموت اكتبوا على قبري "هنا يرقد الذي لم يتمكن من إخراج مسرحية هاملت" ".منذ ذلك الوقت ارتبط إسم "هاملت" بمصير المخرج.

وبعد وفاة ستالين عام 1953 أنتجت عروض عديدة لهاملت وأصبحت المسرحية رمزا لحرية التعبير في الاتحاد السوفياتي.

كانت الرسائل التي حاول الفنانون تمريرها الى جمهور المسرح سياسية مباشرة حينا، وغير مباشرة حينا آخر.

كان مخرجو المسرحيات "يهربون" الموسيقى الغربية المكروهة من النظام في أوروبا الشرقية من خلال استخدامها كموسيقى تصويرية، كما يقول نجم موسيقى "الروك" اللثواني أندريوس مامنتوفاس الذي سيلعب دور "هاملت" في عرض خاص للمسرحية في لندن ضمن فعاليات مهرجان شكسبير في "الأولمبياد الثقافي".

أما عرض مسرحية "تاجر البندقية" في بودابست فكثيرا ما اثار الجدل السياسي حول ما إذا كانت المسرحية "معادية للسامية"، على الرغم من أن الممثل الذي لعب دور "شيلوك" في المسرحية كان من أصل يهودي.

شكسبير في أوروبا الشرقية كان مسيسا الى أبعد الحدود.

يقول مدير مهرجان شكسبير العالمي، توم بيرد، " هناك إحساس في دول الاتحاد السوفياتي السابق ان شكسبير لم يتعرض للرقابة، ، لذلك اصبح اسمه رمزا للدفاع عن الحرية"، وذلك من خلال استخدام نصوصه المسرحية لإيجاد معنى سياسي يمكن إسقاطه على الوضع الراهن.

المزيد حول هذه القصة