أهداف سويف عن مينا دانيال وإدوارد سعيد والواقع والأسطورة

مينا دانيال مصدر الصورة AFP
Image caption تحول مينا دانيال الى رمز للثورة

"علم دانيال: إدوار سعيد والثورة المصرية"، هو عنوان محاضرة الكاتبة المصرية أهداف سويف ضمن سلسلة "محاضرات ادوارد سعيد لندن" التي ساهمت في رعايتها وتنظيمها مؤسسة عبد المحسن القطان و London Review of Books.

يبدو الرابط قسريا للوهلة الأولى بل واهيا، بين مينا دانيال وادوارد سعيد والمتحف البريطاني الذي استضاف المحاضرة، فطالما كانت هناك محاولات لإيجاد رابط بين الثورة المصرية أو الربيع العربي بشكل عام وأي شيء، من ظواهر فنية أو اجتماعية أو سياسية سبقت أو تلت الأحداث الثورية التي اجتاحت العالم العربي.

لكن كلما تعمقت أهداف في الموضوع كلما لاحت ملامح الصلة بشكل أكثر وضوحا.

مينا دانيال هو ناشط مصري شاب، لم يكن يعتنق أيديولوجيا معقدة بل لخص مطالبه ومنطلقه للانضمام للثورة بكلمة بسيطة جدا في إحدى النقاشات التي ضمته مع أشخاص يفوقونه سنا و "حنكة"، تلك الكلمة هي "العدالة".

كانت أهداف سويف تتحدث في إحدى قاعات المتحف البريطاني، عن مينا دانيال، خريج وعاشق الآثار الذي بقي لمدة خمس سنوات ينتظر بدون جدوى أن يشغل وظيفة عين فيها فعلا، وهذه هي الصلة الأولى.

أما الصلة الثانية، صلة إدوارد سعيد، فتبدأ بكلمة "العدالة" ببساطتها، ثم تتشعب إلى ابعاد ميثولوجية وفلسفية.

تقول أهداف ان إدوارد كان يحضر إحدى محاضراتها في بريطانيا التي انتهت بجدل حاد استفزه، فهب وافقا وتساءل بحدة "لماذا ينشغل الجميع بالذرائع؟ ماذا عن العدالة؟ لماذا لا تعني العدالة أحدا؟"

إلى ذلك، كانت العدالة أحد هواجس إدوارد سعيد، الفلسطيني الذي شككوا في انتمائه الى المدينة التي ولد فيها، القدس، وبقي طيلة حياته يراوح "في اللامكان"، لا يجد له وطنا حتى في اللغة.

الكرامة الإنسانية: الصلة الثالثة

"الكرامة الإنسانية في هذا الجزء من العالم" هي ما كان يقوم عليه مشروع إدوارد سعيد السياسي والفلسفي، تقول أهداف سويف، التي تعتقد أنه لو شهد التغيرات الأخيرة في العالم العربي لأحس بأن جزءا من أحلامه بدأ يتجه نحو التحقق.

كان أمل إدوارد في التحرر من تراث ما بعد الكولونيالية يرتكز إلى الأجيال الشابة والتقنيات الحديثة، وهذا هو ما ارتكزت عليه الثورة المصرية.

حين سمع إدوارد بمشروع "الذاكرة الفلسطينية على الانترنت" الذي تمخض عن أحلام شباب في مخيمات فلسطينية في الضفة الغربية احس بالنشوة، فها هم أبناء المخيمات المعدمون لم يعدموا وسيلة لمقاومة اجتثاث جذورهم، وها هم يعتمدون التقدم التكنولوجي، الذي هو النقيض الصارخ لما يرى أنه من أهم "مسببات مأساة اولئك الشباب".

وفي مصر يقود الشباب مسيرة الثورة، ويعتمدون شبكات التواصل الاجتماعي بينما النظام يواجههم برموز العصر البائد ورموز الاجحاف الحضاري في علاقة العرب بالغرب: الخيول والجمال.

وها هو مينا، الذي سقط في أحداث ماسبيرو يتحول الى رمز فوق الطائفية، يصبح راية يحملها الشبان في مظاهراتهم واعتصاماتهم، لها وجود دائم في كل مكان يشهد تلك التظاهرات، من القاهرة الى الاقصر.

وعلم مينا هو علم مكون من قطعتين: العلم المصري وعليه الهلال والصليب وكلمة "حرية" وتحتها قطعة أخرى، حمراء اللون عليها صورة مينا وشعار "كلنا مينا دانيال".

وهاهم شبان الثورة يسقطون أصنام الوعي بمشهد استعراضي، ليحاصروا محاولات النظام الدموية لإذكاء الفتنة الطائفية لنرى شبانا وفتيات، متدينين وعلمانينيين، مسلمين ومسيحيين يزينون جدران المدينة بصور مينا دانيال إلى جانب خالد سعيد والشيخ عماد عفت، ويزاوجون بين الرموز الميثولوجية الإسلامية والمسيحية في لوحاتهم، تقول الكاتبة، وهي صلة أخرى برؤية إدوارد سعيد حول "دمج الواقع بالأسطورة".

الهوية والرمز

كان إدوارد سعيد يرى أن هناك ضرورة للتحرر من الهوية كهاجس يؤدي إلى الإقصاء، وهذا ما حققه القبطي مينا دانيال الذى تحول الى رمز مدلولاته ابعد من الهوية، تقول الكاتبة، بدءا بظاهرة غير مالوفة صاحبت جنازته، حين حمل كفنه شبان مسلمون من رفاقه، وانتهاء بتحول ما اصطلح على تسميته "بعلم مينا" إلى رمز من أهم رموز الثورة المصرية، يجد نفس الصدى لدى نشطائها المسلمين والمسيحيين على حد سواء.

قبل سنة من الآن كانت الثورة ظاهرة مادية ملموسة، أما الآن فقد تحولت الى اتجاهات متباينة، بينما الرمز الذي يمثله علم دانيال لا يزال يحتضن المثل التي خرج من أجلها الملايين إلى ميدان التحرير، كما قالت أهداف في ختام محاضرتها.

المزيد حول هذه القصة