أول راقص باليه فلسطيني يتحدى الاحكام الثقافية المسبقة

الراقص ايمن صافية مصدر الصورة JOHN PRIDMORE
Image caption صافية: "لا احب أن تتدخل السياسة في الفنون. كل ما أريده هو ممارسة الرقص فقط".

تتبدى حبات العرق على جبين راقص الباليه الشاب اثناء محاولته ان يمد جسده الى الخلف وهو واقف على اطراف اصابع احدى قدميه ليرفع ساقه الاخرى فوق مسند التدريب في قاعة تدريب الراقصين.

تتكرر هذه التدريبات لمدة ساعتين يوميا في صالة تدريب على رقص الباليه تكسو المرايا كافة جدرانها جنوبي لندن.

كم هي شاقة هذه التدريبات؟ إنها اختبار حقيقي للقوة البدنية، وقبل هذا بالطبع لمدى عشق هذا النوع من الرقص.

ولكن هذه التمارين الشاقة ليست وحدها المطلوبة لاحتراف رقص الباليه. فقد يضطر من يدخل هذا المجال أيضا الى مجابهة تحيزات ثقافية او احكام مسبقة راسخة.

"من كوكب آخر"

وجد الفلسطيني أيمن صافية نفسه، كأول راقص يتقن فنون الباليه، في مواجهة معارضة قوية من بني جلدته.

يقول صافية البالغ من العمر واحدا وعشرين عاما "تجاوزت رغبتي لتعلم الباليه الكلاسيكي حدود فهم زملائي في الفصل" وأردف "كل معلوماتهم عن هذه المهارة أنها من ضمن الرياضات التي تستمتع بها الفتيات. وحينما أبديت رغبتي في تعلم أفانين هذا النوع من الرقص بدأوا يطالعونني وكأني قادم من كوكب آخر!".

وترعرع أيمن، وهو مواطن عربي إسرئيلي، في مدينة كفر ياسيف في الجليل. تلك المدينة الثقافية الشهيرة التي بزغ منها عدد من كبار الفنانين والكتاب والشعراء، امثال محمود درويش الذي تردد شعره في المحافل الدولية.

ويسود الود العلاقات بين العرب واليهود في هذه المدينة.

ويعترف أيمن بفضل عائلته المتحررة وانفتاحها على الأفكار الجديدة.

ويروي " عرف والداي مبكرا أن الباليه يحتل شيئا فشيئا مساحة أكبر من حياتي. حتى جدي، وافق على اختياري حتى قبل أن يتمكن من فهم ما يستتبعه احتراف هذه المهنة".

ولكن المشوار لم يكن سهلا من أول الدراسة في ستوديو رابعة مرقس بمسقط رأسه، وهو أول مركز عربي للرقص في إسرائيل، وحتى التخرج في مدرسة رامبرت للباليه والرقص المعاصر في ريتشموند، حيث قضى السنوات الثلاث الماضية طالبا.

يتذكر صافية "كنت الشاب الوحيد في فصل الباليه بالمركز الثقافي المحلي بكفر ياسيف. رصدتني هناك عينا ربيعة مرقس، وهي راقصة باليه فلسطينية، وقررت أن ترعاني وسعت إلى إيجاد مصدر تمويل حتى أحظى بفرصة السفر والدراسة في لندن". ووفرت مؤسسة كلور دوفيلد التمويل الأولي.

ويشرح صافية وجهة نظر منتقديه "إنهم يرون أن أداء رقصات الباليه يخالف الإسلام. حيث أن وقوف الفتى مرتديا زيا ضيقا أو عاري الصدر إنما هو من الأعمال المحرمة".

فصل

بيد أن صافية، فوجئ بعقبة جديدة بعد تخرجه في معهد رامبرت للرقص، وهي تغير سياسة إسرائيل فيما يتعلق بمدارس الرقص وفرق الباليه "المختلطة" (أي التي تجمع بين العرب واليهود).

يقول صافية "حينما أنشأت يهوديت أرنون مدرسة الرقص في كيبوتس جعتون التي تعلمت فيها الرقص، كانت فكرتها الجمع بين العرب واليهود، ولكن لم تعد مؤسسة هذه المدرسة هي المسؤولة عنها، ولذا تغيرت تلك الروح ولم تعد المدرسة راغبة في قبول الفلسطينيين".

مصدر الصورة JOHN PRIDMORE
Image caption صافية: "كنت الشاب الوحيد في فصل الباليه بالمركز الثقافي المحلي بكفر ياسين".

تجدر الإشارة إلى أنه عندما قامت فرقة باليه إسرائيل، وهي المؤسسة الوحيدة في اسرائيل التي تقدم الباليهات الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة، بجولة في الولايات المتحدة جوبهت باحتجاجات بسبب رعاية حكومة إسرائيل لها، كما احتج المتظاهرون أيضا على أن الفرقة لا تضم أي عنصر فلسطيني.

ولكن صافية لم يرغب في ابداء رأيه في مثل هذا النقاش.

وقال "إن مجال الفنون في إسرائيل أصبح مسرحا لعمليات الفصل الآن أكثر من أي وقت مضى، ولكنني لست مهتما بهذه الأجواء. لا احب أن تتدخل السياسة في الفنون. كل ما أريده هو ممارسة الرقص فقط".

بناء الثقة

ولكن اشتراطات تأشيرة الدخول الى المملكة المتحدة قد تضطر صافية للعودة أدراجه إلى إسرائيل.

ويشرح " لو اضطررت للعودة وقضاء عام مع فرق إسرائيلية كبرى، فلن يثنيني هذا عن السعي للعودة إلى لندن مرة أخرى، فكلي يقين أن مستقبلي هنا في لندن، لقد حصلت بالفعل على عروض من فرق مثل ماثيو بورني".

ويعتقد صافية أن نجاحه يمثل تشجيعا لغيره من الشباب الفلسطينيين التواقين لدخول مجال الرقص الكلاسيكي. فعندما يرونه ناجحا سيتمكنون من تجاهل النقد والمضي قدما بخطى واثقة.

وأردف "حينما عدت إلى وطني قمت بزيارة للمركز الثقافي في بلدتي، وهو المركز الذي كنت فيه الصبي الوحيد الذي يدرس الباليه الكلاسيكي".

ولكن "كانت المفاجأة كبيرة حينما وجدت خلال الزيارة عدة صبية في الفصل، ثمانية وربما تسعة. وجهوا جميعا الشكر لي وقالوا إنهم يشعرون بالامتنان كوني عرفتهم هذه السبيل وفتحت أمامهم أبوابها".

المزيد حول هذه القصة