هل ما يزال لبنان بلد الحريات والانفتاح رغم مقص الرقيب؟

آخر تحديث:  الجمعة، 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2012، 20:37 GMT
لبنان

عندما يتعارض الفن مع الدين في لبنان يعود للطائفة المعنية الفصل في القضية

في مكتب أحد كبار الضباط في الأمن العام، يدور هذا الحديث بين "سيدنا" و"لمياء" ضابطة أقل رتبة منه.

-"سيدنا لدي اليوم بعض الاعمال التي تحتاج إما لتغيير او لتطهير أو لتطيير". والمقصود هنا أعمال ثقافية أو فنية تراجعها هيئة الرقابة في مكاتب الأمن العام اللبناني.

في نهاية اللقاء بين لمياء ورئيسها يتقرّر تغيير عنوان كتاب أجنبي "العاهرة الجميلة" إلى "السيئة السمعة المخطئة والجميلة". "هيك منعطيهن درس من خلال العنوان"، يقول سيدنا.

ثم يطلب "سيدنا" حضور الكاتب والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر شخصيا إلى مكتبه لسحب طلب تقديم مسرحيته "العاهرة المحترمة"، التي كُتبت في عام 1946.

هذا أحد مشاهد مسلسل "ممنوع" الذي أنتجه مركز سكايز للدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية وبثه على الانترنت والذي يجسّد بصورة ساخرة ما يُفترض أنه يوميات مكتب الرقابة في الامن العام.

وتعرض حلقات المسلسل القصيرة للدوافع التي تتحكم بقرار لجنة المراقبة و التي على أساسها يتخذ قرار منع كتاب أو فيلم أو حذف مشاهد معيّنة من مسلسلات تلفزيونية أو من مسرحيّات.

المسلسل الذي شاهده عشرات الآلاف على موقع الكتروني رشّح لجائزة أفضل مسلسل على الانترنت ضمن مهرجان "Tous Ecrans” في جنيف.

صورة خاطئة

إلا أن مشاهد المسلسل الساخرة لا تُضحك أبدا المسؤولين في الأمن العام في لبنان. يقول العميد منير عقيقي رئيس مكتب شؤون الإعلام في مديرية الامن العام." قد يكون شكل المكاتب التي يداومون فيها ولباسهم الرسمي شبيها بالصورة التي ظهرت في المسلسل، ولكن "الصورة التي يقدمونها عن آلية عمل الرقابة والمراقبين غير صحيحة بتاتا" .

يسخر عقيقي من الصورة التي أُعطيت عن عناصر الامن العام في المسلسل وكأنهم فريق من الجهلة المتخلفين، الرافضين للتطور والانفتاح. "نحن لدينا فريق متخصص صاحب كفاءات علمية وثقافية وخبرة كافية تمكنه من الاطلاع على ما يحدث في مختلف المجالات المرتبطة بعمله".

كما أن الامن العام يستعين بلجنة رقابة مؤلفة من ممثلين عن عدد من الوزارات يساهمون أيضا في اتخاذ قرارات بشأن القضايا الإشكالية.

إلا أن عقيقي لا يبدو على المستوى الشخصي من الأشخاص المتمسكين كثيرا بفكرة الرقابة المطلقة. "أنا هنا سلطة تنفيذية. أنفذّ القوانين ضمن واجباتي وصلاحيّاتي. وبدل ان يسيئوا لجهاز الأمن العام، لما لا يسعون إلى تطوير القوانين إذا كانت لا تعجبهم".

ويدافع عقيقي عن القائمين على الرقابة مشيرا إلى أنه غالبا ما يقوم الأمن العام بتفسير القوانين بأكثر الطرق مرونة.

متحف افتراضي

في هذا الإطار ينصّ مثلا الفصل الثامن من قانون المطبوعات في شقه المتعلق بالمطبوعات الاجنبية أنه "يُمنع دخول أية مطبوعة أجنبية إلى لبنان وتُصادر نسخها إذا تبيّن أن المطبوعة من شأنها أن تعكّر الامن أو تمسّ الشعور القومي أو تتنافى مع الآداب العامة او تثير النعرات الطائفية".

ويتم صياغة قوانين مشابهة لتطبق على مختلف مجالات الابداع سواء كانت أدبية، أوفنية، أوثقافية. والتطبيق العملي لهذه القوانين يستهدف بشكل خاص الكتب أو الكتاب الإسرائيليين على اعتبار أن لبنان في حالة عداء رسمي مع إسرائيل، كذلك تستهدف هذه القوانين كل ما يتضمن ايحاءات أو إشارات جنسية تُعتبر غير أخلاقية او ما قد يسيء إلى أي من الطوائف الرسمية اللبنانية الثماني عشرة.

هذا ما يبيّنه بوضوح موقع "المتحف الافتراضي للرقابة" وهو مبادرة قامت بها جمعية "مارش" لتوثيق الاعمال التلفزيونية والموسيقية والمسرحية والسينمائية والاذاعية إضافة للمنشورات التي تعرضت للمنع في لبنان منذ عشرات السنين وحتى اليوم.

الموقع يعتمد بشكل رئيسي على تعاون أفراد من المجتمع المدني لجمع أكبر عدد ممكن من الأعمال الممنوعة في لبنان.

وفي كل حالة يُظهر الموقع اسم العمل، هوية القائمين عليه، تاريخ منع او حذف أو تعليق العرض، والسبب وراء ذلك.

"عندما يشاهد الجمهور ما منع من اعمال في فترات سابقة يدرك أنه من المضحك ان نحتكم إلى المعايير نفسها. فالرهان هو على وعي الأفراد"، كما يقول بيار أبي صعب، نائب رئيس تحرير جريدة "الأخبار".

وأضاف أبي صعب قائلا " إن الدولة تعتبر المواطن قاصرا لكن عليها أن تعلم بأننا راشدون وقادرون تماما على الاختيار". وبالنسبة للمتحدث فإن التذكير بتاريخ الرقابة يؤكد أيضا أن مقولة "لبنان بلد الحريات والانفتاح ليست بالمقولة الخاطئة مئة في المئة ولا الصحيحة مئة في المئة".

تشرح ليا بارودي من جمعية "مارش" أن فكرة إنشاء متحف للرقابة انطلقت أساسا من محاولة فهم أسباب المنع. "بات الناس أكثر وعيا ويسألون فعلا لماذا. فالإعلان عن الموضوع يفضح الدولة وبالتالي يخلق حسّ الميل إلى المحاسبة".

وأضافت قائلة "تبيّن لنا في حالات عدة أن القوانين غير واضحة، أحيانا تُطبق بطريقة عشوائية كما أنها تفتح المجال واسعا للتدخل من قبل أطراف كثيرة".

في هذا الإطار، هناك شبه تسليم بأن الطرف الاهم الذي يتدخل للدفع باتجاه الرقابة في لبنان هم رجال الدين من مختلف الطوائف حيث إنهم المحرّك الأكبر لآلة الرقابة، وعلى الرغم من اختلافهم حول قضايا عدة إلا أنهم يلتقون عندما يتعلق الأمر بهذه القضية.

المثال الأحدث على ذلك هو الفيلم التركي "فاتح 1453" الذي يروي قصة فتح القسطنطينية. الفيلم أثار انتقادات واسعة من الطائفة الأورثوذكسية التي اعتبرت أنه يسيء للطائفة ولعقيدتها، وتدخل رجال دين من الكنيسة مبدين ملاحظاتهم عليه".

"كيف تريدين مني السماح بعرض فيلم تعتبره طائفة بأكملها مسيئا، خصوصا وأنه يأتي في وقت صدور قرار في لبنان بحجب فيلم "براءة المسلمين" المسيء للنبي محمد. هذا سيخلق فتنة وفوضى ونحن نحاول قدر المستطاع استباق المشكلة قبل أن تتفجر"، يشرح العميد عقيقي. فكلما تعارض الفن والدين في لبنان، فإن الفصل في القضية تحسمه الطائفة المعنية.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك