مسرحية "اسرق أقل رجاء" للكاتب الإيطالي داريو فو أمام جمهور رام الله

دفع ازدحام الأزمات السياسية والاقتصادية في الساحة الفلسطينية خلال الأشهر الأخيرة، وما ألقاه ذلك من ظلال سلبية أثقلت كاهل المواطن العادي، بفرقة المسرح الشعبي الفلسطيني لتقديم مسرحية "اسرق أقل رجاء"، للكاتب الإيطالي داريو فو، الحائز على جائزة نوبل للآداب.

وعرضت المسرحية باللغة العربية لأول مرة في قصر رام الله الثقافي في مدينة رام الله.

تبدأ أحداث مسرحية "اسرق أقل رجاء" في مقبرة حكومية، حيث يجسد الممثلون في المسرحية أدوار عمال في المقبرة أنهكهم العمل في ظل ظلم نظام مدير المقبرة لهم، وما يعانونه كذلك من تعاملاتهم اليومية مع شرائح المجتمع.

اعتمد نص المسرحية على حبكة مليئة بعناصر التشويق والمفاجآت. وتفيض مشاهدها بالتهكم، معتمدة أسلوب الكوميديا السوداء، لتنتقد تفشي الفساد داخل مؤسسات الأنظمة الحاكمة، وتحارب انهيار القيم المجتمعية، لتطالب بتعزيز العدالة والحرية للشعوب.

وقد حاولت بطلة المسرحية مريم -حارسة المقبرة- أن تحفز أمل شعبها وتدعوه للوقوف في وجه من يستخف بكرامته.

وقالت الممثلة الفلسطينية مرح ياسين، التي جسدت دور مريم لبي بي سي "لا نستطيع في المسرح أن نلغي الفساد الموجود في المجتمع، لكن دورنا أن نوّعي ونعطي صورة صحيحة للناس، الذين نطلب منهم أن يفتحوا أعينهم أكثر ليوثقوا الفساد، ويفكروا في سبل مبتكرة لحل هذه الإشكالية".

ويقول مخرج المسرحية فتحي عبد الرحمن، عن توقيت عرض هذه المسرحية، في حديث لبي بي سي "هذه المسرحية صالحة لكل مكان وزمان، ولا تنطبق على مجتمع واحد فقط، فالفساد مشكلة تعاني منها كل مجتمعات العالم، ونحن في الوطن العربي، وتحديدا في المجتمع الفلسطيني، نعاني من الظلم والفساد بكل أشكاله".

وأضاف عبد الرحمن "هذه المسرحية تستجيب لكل ما يعانيه الفلسطيني من فقر، وبطالة، نتيجة للاحتلال الإسرائيلي، والحصار الخانق، وعدم القدرة على تسيير أمور الحياة اليومية، بسبب ما يمارسه الاحتلال، بالإضافة إلى عجز السلطة الفلسطينية عن حل هذه المشاكل".

ودارت مشاهد المسرحية الكوميدية العالمية حول أحداث تجسد الظلم والفساد في المجتمع. وكانت مسرحية الكاتب الإيطالي داريوفو قد عرضت في مختلف العواصم الأوروبية، منذ نحو 30 عاما، إذ إنها تعتبر من أهم الأعمال الأدبية لكاتبها الإيطالي المشهور بلقب موليير أوربا، لجرأته ونشاطه الواسع في طرح قضايا تراثية ومعاصرة تخص قضايا إنسانية يطرحها للبحث والعلاج بأسلوب هزلي ناقد.

"مكافحة الفساد"

وانتقدت المسرحية تغلغل الفساد في المجتمعات والحكومات في العالم، والآليات التي تلجأ إليها الأنظمة الحاكمة وفلسفتها في التلاعب بعقول مواطنيها وسحق من يعارضها.

لكن مضمون المسرحية لاقى ثناء من الحكومة الفلسطينية التي اعتبرت أن رسالة المسرحية تتماشى مع نهجها في مكافحة الفساد.

وقالت وزيرة الثقافة الفلسطينية سهام البرغوثي لبي بي سي، خلال وجودها في العرض الافتتاحي "رسالة الفن والمسرح في المجتمعات تعمل من أجل تصويب وتصحيح وتقبل الآخر من خلال النقد البناء الذي ندعمه، ونحن معنيون بمواجهة الفساد، وندعم كل الأعمال الفنية التي تساعدنا في توعية الشعب".

Image caption المملثة الفلسطينية مرح ياسين التي لعبت دور مريم

وأشارت الوزيرة الفلسطينية إلى أن الفن يعد من أهم الوسائل التي تعزز القيم الإيجابية في المجتمع، وتعطي مساحة واسعة لحرية التعبير عن الرأي.

"ضحك من شدة الألم"

اقتربت مشاهد المسرحية التي استمرت عرضها ساعتين، من الواقع الفلسطيني، ويبدو أن أحداث "اسرق أقل رجاء" قد أثارت شجون بعض الحاضرين، مثل الصحفي الفلسطيني يوسف الشايب.

وكان الشايب قد سجن خلال العام الماضي، ومثل أمام المحكمة الفلسطينية في مدينة رام الله، عقب تحقيق صحفي له كشف عن ملفات فساد في أحد مؤسسات السلطة الفلسطينية، بحسب تحقيق الشايب.

وقال الشايب لبي بي سي عقب حضوره المسرحية "ضحكت كثيرا من شدة الألم، خاصة وأن لدي أسبابي الخاصة، لأني عانيت من الفساد، وتبعات كشفي للفساد الموجود في نظامنا الحاكم. لقد ضحكت على جراحنا".

واعتبر الشايب أن رسالة المسرحية لامست كل فلسطيني حضرها بعمق، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الفن وبكل أشكاله، ورغم قدرته على إيصال الكثير من الرسائل للجمهور المتلقي، لكنه يبقى عاجزا عن حل معضلات كبيرة، كتلك التي تواجه المجتمع الفلسطيني، بكل تفاصيله المقسمة والمعقدة، على حد تعبيره.