عندما عزف ملك الجاز ديوك إيلينغتون في كابول

Image caption الينغتون لدى وصوله مطار كابول

في مثل هذا الأسبوع منذ خمسين عاما، أقام عازف الجاز الامريكي ديوك إيلينغتون وفرقته حفلا موسيقيا في العاصمة الأفغانية كابول، وصفه فيما بعد بأنه أكثر الحفلات التي لا تنسى في حياته.

وعلى الرغم من أن ذلك الفنان والملحن الأمريكي كان في أوج مجده وشهرته في ذلك الوقت، فإن هذا الحفل لم يبق له أثر.

وبالنسبة للمنظم فايز خير زاده، وغيره من المئات من الجمهور الأفغاني، كان ذلك الحفل مثيرا وممتعا للغاية في أوائل الستينيات من القرن الماضي.

وقال خير زاده، والذي كان يشغل منصب رئيس لمنظمة الشؤون الثقافية في أفغانستان آنذاك، "كان من المثير جدا بالنسبة لي أن يحضر إيلينغتون إلى كابول".

وكان خير زاده هو من استقبل إيلينغتون في المطار، واصطحبه في جولة بالسيارة عصر ذلك اليوم في أنحاء كابول إلى مدينة صغيرة قبل أن يتوجها إلى المسرح الذي أقيم باستاد غازي.

وبما أن خير زاده كان من محبي موسيقى الجاز، تبادل الاثنان في الطريق أطراف الحديث عن لويس آرمسترونغ وخطط إنتاج أفلام بصناعة أفغانية.

وقدم إيلينغتون لخير زاده عرضا كان من الممكن أن يتحقق آنذاك في كابول، وقال له: "ما عليك إلا أن تقوم بإنتاج هذا الفيلم، وسأعمل أنا على تأليف الموسيقى له."

وكانت التذاكر لذلك الحفل مجانية، وتوجه ما يقرب من خمسة آلاف شخص إلى ذلك الاستاد للاستماع إلى ما كانوا يعتبرونه في ذلك الوقت نوعا جديدا وغريبا من موسيقى الجاز.

افتتح إيلينغتون الحفل بمعزوفته "كارافان"، أعقبها بمعزوفة "دونت غِتْ أراوند ماتش إينيمور". ويتذكر خير زاده أن إيلينغتون كان يتقدم إلى مقدمة خشبة المسرح بين كل مقطوعة والتي تليها للحديث مع الجمهور.

وقال خير زاده: "من المؤكد أن الجمهور لم يفهم ذلك النوع من موسيقى "البلوز والجاز" الذي لم يكن معروفا بشكل كبير، إلا أنهم أحبوا تلك الطريقة في العزف."

واستطرد قائلا: "عندما بدأت آلات البوق والساكسوفون بالعزف بشكل منفرد، بدأ الجمهور يتملكه شعور بالانبهار، ولم يكن ذلك بسبب الألحان أكثر من كونه بسبب الأداء."

إلا أن إيلينغتون أصيب بالذهول عندما بدا له أن الجمهور بدأ في الانصراف من منتصف الحفل. وهو ما جعل خير زاده يوضح له أن ذلك كان وقت الصلاة، وما لبثت المقاعد أن امتلأت بعد ذلك مرة أخرى.

وتقدم الملك ظاهر شاه والعائلة الملكية لمصافحة الفرقة بعد الحفل الموسيقي.

فكر إيلينغتون في القيام "بجوله بعد الحفل طوال الليل" بعد الحفل للاستماع إلى الموسيقى الأفغانية في المقاهي.

وقال لمايكل باركينسون من بي بي سي في مقابلة أجريت عام 1973: "للمجتمع الأفغاني موسيقاه الخاص، وهي جيدة."

وكان ذلك الحفل الموسيقي جزءا من جولة أطول برعاية وزارة الخارجية الأمريكية، مستخدمة دبلوماسية موسيقى الجاز على خلفية الحرب الباردة.

وتنقلت جولة إيلينغتون في كل من مصر والعراق والأردن وإيران ولبنان، وعندما وصل أفراد الفرقة إلى تركيا في الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1963، تواردت إليهم الأنباء عن اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي.

"تغيير"

وفي أفغانستان، كان النظام القديم آخذا في التغيير أيضا؛ فبالرغم من أنها دولة فقيرة تعتمد على المزارعين والرعاة ، فإنه كانت هناك أفكار جديدة تتداول على الأقل بين النخبة في المجتمع الأفغاني.

انتشرت آنذاك الموضات المتحررة في الملابس وطرق تصفيف الشعر بين السيدات أكثر من ذي قبل، وافتتح متجر ماركس آند سبنسر البريطاني أحد أفرعه هناك عام 1960، وكان الحكم الملكي القديم يشهد إصلاحات، فيما أصبحت جامعة كابول مكانا يضم العديد من الطوائف من الإسلاميين والشيوعيين والحداثيين.

كما بدأت الساحة السياسية المتنامية تكتظ بمجموعات أخرى، أخذت كل منها تروج لفكرتها الخاصة عن الهوية الأفغانية.

كان لخير زاده وعدد كبير آخرين من المثقفين الشباب رؤية مشتركة لأفغانستان تستند إلى حدود مفتوحة ثقافيا، حيث استضافوا عازفين من ألمانيا والولايات المتحدة وإيران وروسيا والهند وتركيا.

وقال خير زاده: "كنت أرى أننا في مرحلة الانطلاق، وكنا مفعمين بالتفاؤل."

فرقة أفغانية

كوّن خير زاده فرقة مسرحية من الشباب الطموح، وقدمت تلك الفرقة العمل المسرحي "أستريت كار نيمد ديزاير" لتينيسي ويليام، والتي قام خير زاده بترجمتها إلى اللغة الدارية الأكثر استخداما في أفغانستان.

وغالبا ما واجه خير زاده صعوبات من الناحية السياسية، حيث كانت يلقى دعما من بعض العناصر في الحكومة وواجه معارضة من البعض الآخر.

وفي الثامن والعشرين من إبريل/نيسان عام 1978، حدث الانقلاب الذي قاده حزب "خلق" الشيوعي، والذي بشر بالغزو السوفيتي ودخول البلاد في رحى حرب استمرت لجيل كامل.

وسارع خير زاده حينها إلى ترحيل عائلته إلى خارج أفغانستان، إلا أنه ألقي القبض عليه ووضع قيد الإقامة الجبرية في منزله، شأنه في ذلك شأن المئات من المثقفين.

إلا أنه نجح في التسلل هربا إلى خارج أفغانستان بمساعدة أحد المهربين، ليلتقي في النهاية بعائلته ويسافروا معا كلاجئين إلى الولايات المتحدة تاركين وراءهم منزلا مليئا بالأعمال الفنية والمسرحية ليتعرض للسلب والتدمير بما في ذلك اسطوانات ديوك إيلنغتون.

واستمر خير زاده، منظم ذلك الحفل الرائع لإلينغتون، في عمله في مجال إدارة الفنون، كما لا يزال أيضا مولعا بموسيقى الجاز.