نجوم وقراصنة ومارينز في افتتاح مهرجان لندن السينمائي

Image caption يفتتح المهرجان بفيلم لهانكس ويختتم بفيلم آخر له

في حفل افتتاح الدورة 57 لمهرجان لندن السينمائي الدولي في ليستر سكوير وسط العاصمة البريطانية، بدا الممثل الشهير توم هانكس نجم هذ المهرجان بلا منازع. إذ افتتح المهرجان بفيلم "القبطان فيليبس" للمخرج البريطاني بول غرينغراس الذي جسد دور البطولة فيه، وسيختتم بفيلم "إنقاذ السيد بانكس" وهو من بطولته أيضا إلى جانب الممثلة الإنجليزية إيما تومبسون.

فمن جرعة التشويق في دراما مأخوذة عن قصة حقيقية تجري في فضاء له الكثير من التضمينات السياسية وتنتمي إلى التيار السائد في السينما الأمريكية في فيلم "القبطان فيليبس"، يأتي الختام بفيلم المخرج جون لي هانكوك الذي يحمل الكثير من التضمينات الثقافية ويحرص على الحفر في الفروق الثقافية في بحثه لقاء الكاتبة البريطانية باميلا ليندون ترافرز (تؤدي دورها تومبسون) مع والت ديزني (يؤدي دوره هانكس) وكفاحها في محاولة حماية شخصيات رواياتها "ماري بوبينز" التي ظلت تقاوم بيع حقوقها للشركة نحو 20 عاما.

لكن القاسم المشترك بين غلافي المهرجان، إذا نظرنا اليه ككتاب، هو الممثل توم هانكس الذي يسجل عودة أدائية قوية قد ترشحه إلى أوسكار ثالث هذا العام، بعد الأوسكارين اللذين توج بهما التسعينيات عن فيلمي "فيلاديلفيا" و"فورست غامب".

موازنات

لقد حرصت إدارة المهرجان التي تقودها الأسترالية كلير ستيوارت على أن تنثر عددا من الإشارات في حفلي افتتاح واختتام هذا المهرجان البريطاني العريق، تعكس الحرص على الموازنة بين ثنائيات متعددة.

فحين اختارت فيلما هوليودا كان لمخرج بريطاني يعمل في هوليوود هو بول غرينغراس، وجاء فيلم الختام من بطولة ممثلة بريطانية قديرة وعن كاتبة بريطانية معروفة وكتب السيناريو له كاتب بريطاني واعد هو كيلي مارسيل وكاتبة تلفزيونية أسترالية هي سو سميث.

وبدت هذه الإدارة تنافح بصعوبة للموازنة بين خصوصية المهرجان الذي عرف عنه اهتمامه بتقديم النتاج السينمائي المتميز في العالم، وتقديم صورة بانورامية عن أبرز اتجاهاته ونتاجاته على مدى عام، حتى حق تسميته حسب تعبير بعض النقاد بـ "مهرجان المهرجانات"، وتوجه الإدارة الجديدة لجعله مهرجانا تنافسيا يقدم جوائزه الخاصة وعروضه الأولى الخاصة، فبات برنامج المهرجان واسعا يضم نحو 235 فيلما روائيا و153 فيلما قصيرا من 57 بلدا.

مواجهة بين عالمين

استند فيلم الافتتاح "القبطان فيليبس" على كتاب "واجب القبطان: قراصنة صوماليون، وحدة العمليات الخاصة في البحرية الأمريكية(SEAL ) وأيام خطرة في البحر" الذي كتبه القبطان ريتشارد فيليبس عن تجربته اختطاف قراصنة صوماليين لسفينة الشحن الأمريكية "مايرسك ألاباما" التي كان يقودها.

وحرص كاتب سيناريو الفيلم بيلي راي ومخرجه غرينغراس على أن يقدما جرعة تشويق وتوتر مكثفة في عملهما، على الرغم من أن معظمه يدور في أماكن مغلقة ووسط البحر.

Image caption نجح الممثل الصومالي برخد عبدي في تجسيد شخصية صومالي يائس يندفع للقرصنة.

كما عملا على أن يتخذ فيلمهما بناء تصاعديا سواء في مسار سرده التشويقي أو بنائه الفني الذي يصل إلى ذروته الحقيقية في النهاية، وبعد انتهاء الحدث المشوق والمتوتر نفسه.

أذ يبتدئ الفيلم ببداية باردة عن حياة القبطان فيليبس مع عائلته وزوجته (الممثلة كاترين كينير) في موطنهما في ولاية فيرمونت الأمريكية، قبل أن يأخذ رحلة طيران إلى الشرق الأوسط ليقود سفينة شحن أمريكية نحو مومباسا في كينيا.

ويتصاعد إيقاع السرد في الفيلم مع تعرض السفينة لهجوم من زورقين لقراصنة صوماليين، ينجح القبطان في صد المحاولة الأولى بإيهامهم عبر اللاسلكي بأن ثمة قوات نجدة قادمة خلال دقائق، لكن أحد الزورقين الذي يقوده موسى الصومالي النحيف جدا، حد بروز عظامه تحت جلده (الممثل برخد عبدي الذي كان له حضور واضح في تجسيد شخصية صومالي يائس ومندفع للمجازفة من أجل المال)، يصرعلى قيادة ثلاثة من رفاقه للحاق بالسفينة في اليوم الثاني.

ورغم كل محاولات القبطان وطاقمه لصدهم، يتمكن القراصنة الأربعة المستميتين للحصول على فدية من اقتحام السفينة، لتبدأ سلسلة أحداث عمادها التشويق في بحث القراصنة عن أعضاء الطاقم الذين اختبئوا في غرفة المحركات، ومحاولات الطاقم السيطرة على الخاطفين وتجنب آذاهم.

في هذه المواجهة ينشغل غرينغراس في بناء سرد مشوق بعيدا عن الغوص عميقا في تحليل هذه المواجهة بين القراصنة وطاقم السفينة، بوصفها مواجهة بين عالمين متناقضين لكل منهما سماته وخصائصه ونظرته إلى العالم، وقد بدت فرصة أكبر لمثل هذه المدخل في النصف الثاني من الفيلم مع وجود القبطان فيليبس مع موسى وجماعته في مكان صغير مغلق هو قارب الإنقاذ الذي أخذوا فيه القبطان رهينة معهم واتجهوا نحو الشواطئ الصومالية.

قراصنة ومارينز

لقد جعل الجري وراء السرد المشوق من الفيلم مجرد دراما مشوقة تجري وسط البحر تقدم فيها التشويق على المضامين الإجتماعية والأخلاقية والسياسية المرتبطة بالقرصنة.

بيد أن الفيلم لم يعدم أن يقدم إشارات موجزة عن هذه المضامين، كما هي الحال مع إشارات القرصان موسى إلى أن ما يقومون به هو مجرد مشروع تجاري "بزنس" ينتهي بتلقي فدية تدفعها شركات التأمين من دون أي أذى لأحد، أو الإشارة إلى عدم وجود دافع سياسي لديهم أو صلة بالقاعدة وغيرها من الجماعات المتطرفة، بل إنهم يعملون لحساب أمراء الحرب في الصومال.

Image caption يقول القراصنة الأربعة في الفيلم إنهم يعملون لحساب أمراء الحرب في الصومال.

على الرغم من ذلك، بدت صورة موسى ورفاقه بأجسادهم النحيفة وعيونهم الواسعة وفوضاهم وسذاجتهم إحيانا وعنفهم أقرب إلى صورة "المخلوقات الغريبة" التي اعتادت أفلام الفنتازيا والخيال العلمي الأمريكي على تقديمها، وإن بدوا في بعض المشاهد أناس يدفعهم اليأس والجوع للمغامرة والمجازفة بأرواحهم لمجرد الحصول على الأموال التي يحسنّون بها حياتهم.

ومع تصاعد الإيقاع المشوق في الثلث الأخير من الفيلم، يدخل الفيلم في منطقة رمادية بين استخدام قد يراه البعض دعائيا لفريق العمليات الخاصة للبحرية الأمريكية،(ٍSEALs) في تنفيذه لعملية إنقاذ متقنة لإنقاذ الرهينة، وبين ما قد يرى على أنه يحمل سمة سخرية مبطنة عند المقارنة بين سلوك الخاطفين العشوائي وفوضاهم وسذاجتهم وحجم الاستعدادات العسكرية من سفن حربية وفرق انقاذ وغرف عمليات وطائرات وقوات خاصة مدربة تنهي بقتل ثلاثة منهم وإلقاء القبض على الرابع بعد ايهامه بتسلم الفدية.

لقد حرر انتهاء عناصر الشد والتشويق بعد نهاية العملية مخرجه من ذاك اللهاث وراءها ليقدم أجمل مشاهد فيلمه، ويحرر ممثله من سلطة المونتاج السريع والقطع الحاد، ليقدم قطعة أدائية رائعة عكست موهبة توم هانكس التمثيلية العالية، في مشهد ذي شحنة عاطفية كبيرة، عندما تقوم الممرضة بفحصه وتسأله أسئلة تقليدية عن اصابته وما مر به فيقدم هانكس أداء رائعا في محاولته التماسك في الإجابة عليها وكتم الدموع التي تنهمر من عينيه والكلمات التي تضيع منه وتستحيل إلى همهمات.

وعند المقارنة مع أفلام مشابهة، بدا فيلم "القبطان فيليبس" في منطقة وسطى بين التركيز الاحتفائي على بطولة وحدة المارينز الخاصة في قتل زعيم تنظيم القاعدة في فيلم المخرجة كاترين بيغلو "ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل" (زيرو دارك ثرتي)، وفيلم "اختطاف" للمخرج الدنماركي توبياس لينهولم الذي يتناول قصة مشابهة لاختطاف قراصنة صوماليين لسفينة دنماركية، ويركز أكثر على خفايا وتفاصيل عملية التفاوض مع شركة النقل البحري.

خلفيات سياسية

لا يخرج فيلم "القبطان فيليبس" عن الأسلوب الذي اشتهر به المخرج بول غرينغراس في تقديم حبكات مشوقة على خلفية أحداث سياسية في مناطق متوترة من العالم، والذي يعكس خبرته السابقة من عمله في الصحافة البرامج الاخبارية في تلفزيون "آي تي في" في الثمانينيات، قبل تحوله لإخراج الأفلام الروائية.

وقد ترسخ هذا الأسلوب مع أفلام مثل "الاحد الدامي" 2002 الذي اعتمد على كتاب لدون مولان دون فيه شهادته عن إطلاق النار على ناشطين في إيرلندا الشمالية، وأسهم لاحقا في إجراء أطول تحقيق في تاريخ القضاء البريطاني في هذه الحادثة.

Image caption اشتهر المخرج بول غرينغراس في تقديم حبكات مشوقة على خلفية أحداث سياسية في مناطق متوترة من العالم.

وفيلم "يونايتد 93" عن إحدى الطائرات المختطفة في أحداث 11/9 ، الذي نال عنه العديد من الترشيحات لجوائز الأوسكار وجوائز سينمائية أخرى من بينها جائزة أفضل مخرج التي حصل عليها في جوائز الأكاديمية البريطانية للسينما والتلفزيون (بافتا).

وفيلم "المنطقة الخضراء" الذي قدم دراما مشوقة تدور أحداثها في العراق وسط عمليات البحث عن أسلحة الدمار الشامل هناك، واعتمد أيضا على كتاب "حياة امبراطورية في مدينة الزمرد: داخل المنطقة الخضراء في العراق" الذي كتبه مراسل صحيفة الواشنطن بوست في بغداد راجيف جاندرا سيكاران، فضلا عن فيلمه الشهيرين الجزء الثاني والثالث في سلسلة أفلام "هوية بورن".

الوثائقي والروائي

عبر هذه الأفلام كرس غرينغراس أسلوبه في الإخراج السينمائي الذي يحاكي أسلوب السينما الوثائقية في استخدام كاميرا محمولة في الغالب وفي اللقطات المهتزة، التي عادة ما تترافق مع قطع مونتاجي حاد، ويزاوجه باستخدام مكثف للقطات القريبة للحصول على إيقاع سريع مشوق.

وينتمي هذا الأسلوب إلى ما يسمى عادة في الأدبيات السينمائية (Faux Documantary) أو (Mockumentary) حين يقوم المخرج الروائي باستخدام سمات الأسلوب الوثائقي من كاميرا محمولة مهتزة ومقابلات مباشرة مع الشخصيات أو رواي للأحداث في سياق فيلم روائي تخييلي.

وبدا هذا الاستخدام للقطات القريبة وحركات (البان) السريعة للكاميرا بين الشخصيات والقطع السريع مبالغا به في فيلم "القبطان فيليبس"، وفرضه على المخرج وقوع كثير من أحداث الفيلم في مساحة ضيقة وفي مكان مغلق، كما هي الحال مع المشاهد التي جرت في قارب الانقاذ في الثلث الأخير من الفيلم.

ومما يعاب على هذا الأسلوب هنا إنه لم يعط لممثليه فرصة لتقديم مشاهد أدائية متكاملة يعكسون فيها براعتهم الأدائية، ولم يتحقق ذلك لممثله البارع توم هانكس إلا في المشهد الأخير من الفيلم بعد إنتهاء أحداث التشويق.

على الرغم من ذلك، بدا هذا الفيلم عودة قوية للممثل توم هانكس إلى مقدمة المشهد التمثيلي في السينما، في تجسيده لشخصية القبطان فيليبس، وفي فيلم يمزج المضامين السياسية بالتجارة "البزنس" حسب تعبيره بطل فيلمه القرصان الصومالي موسى، في عالم يصبح كل شيء فيه تجارة حتى الرعب نفسه.

المزيد حول هذه القصة