دين وفساد وعنف فوق "سطوح" المخرج الجزائري مرزاق علواش

فيلم السطوح
Image caption توزعت أحداث الفيلم على خمس حكايات في خمسة أحياء مختلفة في الجزائر.

في فيلمه "السطوح" الذي يعرض ضمن فعاليات الدورة 57 لمهرجان لندن السينمائي، يخوض المخرج الجزائري مرزاق علواش تحدي بناء فيلم ذي حبكة متعددة تستند إلى حكايات مختلفة تشترك بسمة مكانية هي سطوح المنازل في أحياء مختلفة من العاصمة الجزائرية.

وفي اختياره للسطوح محورا أساسيا لعمله السينمائي هذا، يجد علواش خيارا مغريا على المستويين الجمالي والموضوعي. فإذا كان السطح موضعا لسكن المهمشين في بنية اجتماعية ما، فأنه على الصعيد الفني يوفر لعلواش فرصة الإطلال على أحياء الجزائر التي يعشقها من علو، فضلا عن التصوير في أماكن مغلقة ومفتوحة في آن واحد يمكن استثمارها لتحقيق مشاهد بصرية متقنة، وتجنب التصوير في شوارع الأحياء الشعبية المكتظة في مدينة الجزائر.

من هنا باتت السطوح العنصر السردي المشترك الذي تتجمع عبره خيوط السرد المتعددة وحكاياته المختلفة في هذا الفيلم.

وتوزعت هنا على خمس حكايات في خمسة أحياء مختلفة في الجزائر تتوزع من حي القصبة الشهير إلى الجزائر الوسطى وباب الواد ونوتردام وبلكور. ويوزع علواش سرده بشكل متواز بين الأماكن الخمسة وفي خمسة فصول سردية تجري خلال يوم واحد ويربطها بأوقات الصلوات الإسلامية الخمس، ويضع عناوين تؤكد حدود أوقات هذه الصلوات في الفقه الإسلامي.

خمس صلوات

ولا يقف وراء هذا الارتباط بأوقات الصلاة مجرد اختيار سردي (بريء) ذي دلالة زمانية فقط، بل يحمل في طياته قصدية أيديولوجية في موقف علواش من الحركات والتوجهات الإسلامية في الجزائر الذي يعممه احيانا على الظاهرة الدينية الإسلامية بمجملها، والذي جسده في عدد من الخيوط السردية في حكاياته المتعددة.

وعبر العناوين التي يضعها علواش والتي تحدد الحدود الزمنية لكل صلاة في الفقه الإسلامي، يرسم علواش تنامي أحداث حكاياته خلال يوم واحد بين صلاة الفجر حيث يبدأ بنثر عناصر حكاياته على السطوح الخمسة إلى صلاة العشاء حيث تصل حبكات هذه الحكايات إلى ذرواتها.

وفي كل صلاة/ فصل من فصوله السردية نراه يتابع تطور الأحداث في سطوحه الخمسة.

ففي السطح الأول نتابع حكاية رجل مقيد بسلاسل في قفص خشبي ضيق على سطح أحد المنازل، ولا نرى منه سوى قيوده، لكننا نستمع لحكاياته عن أيام النضال من أجل استقلال الجزائر، وحديثه عن بطل وعن خيانات، وسط انفعالات مجنونة، تثيرها دائماً طفلة صغيرة تجلب له الطعام ويكرر لها حكايته.

ونعرف في وقت لاحق أنه أخو رجل متدين وهو من قام بسجنه في هذا المكان، ويهدده بضرورة الصمت عندما يجلب أصحاب الجماعة الدينية التي ينتمي إليها لأداء الصلاة على سطح داره والاستماع إلى خطبة شيخهم التي يمتدح فيها العقيد القذافي.

ولا تخفى الإشارات الرمزية إلى مآلات الخيارات السياسية في الجزائر بعد الاستقلال في هذه الحكاية، التي يحاول علواش ان يجعلها حكاياته الأساسية التي يختتم فيلمه فيها، وإن لم ينجح في جعلها حكاية إطارية تلم خيوط سرده المتعددة.

ففي مشهد النهاية تقرر الطفلة (ولا يخفى ارتباطها بدلالة المستقبل) بتحرير الرجل/ المناضل السابق من قيوده وتطلب منه الخروج من سجنه، ويترك علواش النهاية مفتوحة مع تردده في الخروج.

معذب وقتيل

وفي السطح الثاني نتابع حكاية شابة تعشق الموسيقى والغناء وتتمرن مع فرقة من الموسيقيين الشباب، ترتبط بعلاقة عاطفية مع أحدهم، لكنها في الوقت نفسه تتعاطف مع فتاة منعزلة تراقبهم من سطح مجاور، وتتبادل معها رسائل هاتفية تستحيل عاطفية بينهما، مما يوحي بميول مثلية بينهما.

وتتعرض الفتاة إلى ضرب مبرح من رجل في منزلها لا نعرف قرابته بالنسبة لها. وتنتهي هذه الحكاية بانتحار الفتاة التي تلقي بنفسها من السطح بعد مشهد تتبادل فيه إشارات محبة مع الشابة الموسيقية.

Image caption سبق ان شارك علواش بفيلمه هذا في الدورة الاخيرة لمهرجان البندقية وضمن مسابقته الرسمية

وفي الحكاية الثالثة نرى رجلا هامشيا يؤجر سطح إحدى العمارات، لكنه يفتقد إلى فضاء شخصي هناك، إذ يستخدم الجميع هذا السطح، من الرياضي الذي يتدرب على الملاكمة إلى شيخ يستخدم غرفته الخاصة للقاء امرأة متزوجه منقبة ترتضي أن يعريها ويضربها بحجة إخراج الجن من جسدها، في طقس بديل عن برود جنسي تشكو منه مع زوجها، وانتهاء بإقامة عرس لابن أحد المتنفذين في الحي على سطحه.

وفي الحكاية الرابعة، لا نرى سطحا بالمعنى الفعلي، بل بناية متعددة الطوابق تحت الإنشاء، نرى أشخاصا يقومون بتعذيب شخص فيها، وتغطيس رأسه في حوض ماء، لحساب شخص ثري يبدو أنه صاحب البناية يطالبه بالتوقيع على أوراق ما.

وهنا يدخل المخرج خيطا آخر هو دخول فريق سينمائي مؤلف من مخرجة ومصور وفني صوت للتصوير من سطح البناية العالية، حيث يقومون بتصوير فيلم وثائقي تحت عنوان "الجزائر جوهرة العالم العربي"، ولا يبدو دخولهم في هذه الحكاية مقنعا مع قيام عصابة التعذيب بضرب واحد منهم بعد نزوله إلى طابقهم، ولا نعرف بدقة مصائرهم لكننا نعرف بمقتل الشخص الذي كان تحت التعذيب وأنه شقيق للشخص الثري الذي كان يعذبه.

وفي الحكاية الخامسة نرى أما تعيش على سطح عمارة مع ابنتها المريضة نفسيا وابنها المراهق المدمن، وعندما يأتي صاحب العمارة لابلاغهم بإخلاء السطح بعد حصوله على حكم من المحكمة بذلك، يشتبك مع الابن المراهق في شجار فتقوم والدته بضرب الرجل على رأسه بالطنجرة حتى موته.

وهنا يدخل علواش خيط المسؤول في جهاز الشرطة الذي يستنجد به ابن الرجل لأنه والد زوجته لمساعدته في ايجاد والده، لكنه بدلا من أن يستجوب العائلة ينصح الأم برمي جثة القتيل في البحر ويطمئنها بأنه كان يكره القتيل، ثم يقضي الوقت في تأمل حي باب الواد الذي يعشقه وعاش فيه في شبابه. كما نعرف أنه شيوعي سابق قبل عمله مع السلطة. وتنتهي هذه الحكاية مع صلاة العشاء بمشهد الأم والبنت والابن يحملون جثة القتيل لالقائها في البحر.

صورة بانورامية

لقد حاول علواش في حكاياته الخمس أن يقدم صورة بانورامية لواقع العاصمة الجزائرية ولعلاقات القوة فيها وأثرها في الشرائح الاجتماعية المهمشة، ودفعه هذا الخيار إلى خوض تحد سردي بمتابعة شخصيات ومصائر بشرية مختلفة في مسارات متباينة تتطلب حلولا سردية معقدة لتحقيق بناء سردي متجانس منها.

ومن الأمثلة الناجحة على مثل هذا الاستخدام أعمال السينارست المكسيكي غييرمو أرياغا مع المخرج اليخاندرو غونزاليس ايناريتو، أمثال "بابل" و "موريس بيروس"، وتعاون السينارست بيتر مورغان مع المخرج البرازيلي فرناندو ميريليس في فيلم "360" الذي افتتحت به الدورة 55 من مهرجان لندن السينمائي.

لم يوفق علواش في السيطرة على مسارات سرده المتعددة أو في اكتشاف حلول سردية وانتقالات بصرية سلسلة تربط بين الحكايات المختلفة، ولا تكفي فكرة السطوح والتوزيع الزماني على أوقات الصلاة لتوفير حل سردي ناجح، ما لم ترافقها إشارات بصرية وموضوعية توفر روابط وانتقالات سلسلة بين خطوط السرد المتعددة.

وعادة ما تبنى مثل تلك الحبكات المعقدة، متعددة الحكايات، ضمن نسيج حكاية إطارية (كما هي الحال في ألف ليلة وليلة) تلم شتات السرد وتجمع مساراته في بؤر سردية.

فبدا فيلم علواش مشتتا في خيوطه السردية المتعددة ومختنقا برغبته في قول كل شي في مساحة زمنية محددة، ومختنقا بزحمة من الدلالات الأيديولوجية والرموز، الأمر الذي سحب الكثير من عناصر الحياة في شخصياته وجعلها شخصيات منمطة ترمز الى أنماط اجتماعية وسياسية أكثر مما تعبر عن وجودها الحي في قصته كشخصيات انسانية.

سقف الأيديولوجيا

Image caption سبق أن تعامل علواش مع موضوعة تصاعد مد الجماعات الإسلامية المسلحة والتطرف في الجزائر.

وانعكس ذلك التعامل الايديولوجي المسبق بوضوح على تقديم الشخصية المتدينة (الإسلامية) التي حرص علواش على تقديمها بصورة تكاد تصل إلى الكاريكاتير أحيانا في ما يراه سلبيتها وازدواجيتها، كما هي الحال مع شخصية الشيخ والفتاة المنقبة، أو شخصية الأخ الاسلامي والشيخ الذي يمتدح القذافي في خطبته ويتحدث باحاديث أسطورية غيبية عن الدين الإسلامي وانتشاره في العالم.

لقد سبق أن تعامل علواش مع موضوعة الدين الإسلامي في عدد من أفلامه ("باب الواد سيتي" و "العالم الاخر" و"التائب" الذي عرض في مهرجان لندن العام الماضي ايضا)، لكن تعامله في هذه الإفلام جاء ضمن موضوعة تصاعد مد الجماعات الإسلامية المسلحة والتطرف في الجزائر وما خلفته من ندب وجراح لا تندمل في الواقع الجزائري.

بيد أنه في هذا الفيلم يحاول تقديم صورة معممة (قد يربط البعض بينها وبين الدوافع الانتاجية) تحاول الربط بين الإسلام كثقافة مجتمع وتخلف هذا المجتمع، الذي يقدمه في صورة سلبية عامة، غارقا في اليأس والجهل والفقر والنفاق والفساد، وطبعت هذه السلبية كل شخصياته (النمطية) باستثناء الطفلة الصغيرة.

على الصعيد البصري، نجح مدير التصوير فردريك دوغيان في خلق توازن جمالي بين تفاصيل السطوح المزدحمة بانفعالات شخصياتها وخلفية السماء الصافية التي تحوط الصورة دائما، أو تلك اللقطات البانورامية لأحياء الجزائر من أعلى، التي يرافقها شريط صوت يحمل مؤثرات أصوات ريح أو أمواج ترتطم بساحل البحر احيانا. وندر في الفيلم التصوير في أماكن مغلقة إذا استثنينا مشاهد التعذيب ومراقبة الشيخ والفتاة المنقبة من ثقب الباب.

كما كان خيارا ناجحا أن لا يظهر المخرج شخصية المناضل السابق السجين في القفص،(العم العربي) والاكتفاء بصوته وحكاياته وحركة سلاسله، وقد قدم الممثل والمخرج رشيد بن علال اداءً صوتيا مميزا في تصوير هذه الشخصية عبر مستوى واحد فقط هو الصوت.

المزيد حول هذه القصة