فيلم "إنقاذ السيد بانكس" بحث في الفروق الثقافية والنفسية بين عالمين

فيلم "إنقاذ السيد بانكس"
Image caption كان الفيلم مباراة في الأداء بين النجمين الكبيرين إيما تومبسون وتوم هانكس.

يضعنا فيلم "إنقاذ السيد بانكس"، الذي افتتحت عروضه العالمية في العاصمة البريطانية لندن واختتم مهرجانها السينمائي بحضور نجومه، في قلب جدل محتدم بين شخصيتين مختلفتين مادته الأساسية الخيال، يستحيل إلى بحث في الفروق الثقافية بين ثقافتين والنفسية بين شخصيتين شهيرتين.

فالفيلم يجد مادته ومفارقاته في البحث في هذه الفروقات والاختلافات بين الشخصيتين، التي تجري وسط ثنائيات أوسع في العلاقات بين عالمي الأدب والفن والتجارة أو بين قيم عالم عريق وعالم حديث صاعد، وبين الثقافتين البريطانية والأمريكية.

لقد نجحت كاتبة السيناريو البريطانية كيلي مارسيل (شاركتها الكتابة لاحقا سو سميث) في التقاط هذا التوتر في قصة حقيقة أبطالها كاتبة معروفة هي باميلا ليندون ترافرز ومنتج شهير هو والت ديزني، ومادتها فيلم سينمائي استعراضي شهير هو "ماري بوبينز" ، حيث استغرق ديزني أكثر من عشرين عاما لإقناع الكاتبة لشراء حقوق قصتها لانتاج هذا الفيلم.

وكان سيناريو هذا الفيلم قد طور ضمن مشروع انتاجي لأفلام بي بي سي قبل أن تتلقفه شركة والت ديزني منتجة فيلم "ماري بوبينز"، والتي لا يمكن صناعة الفيلم بدونها لأنها المحتكرة لكل المادة الفيلمية والأغاني والموسيقى للفيلم الشهير الذي أصبح موضوعة الفيلم الجديد.

لقد قالت مارسيل عن حفل افتتاح الفيلم في ختام مهرجان لندن السينمائي، والذي حضره نجماه إيما تومبسون وتوم هانكس "إن ذلك يعني كل شيء بالنسبة لي، فهذا المشروع نشأ هنا في إنكلترا، لذا فأن اختتام المهرجان السينمائي به يجعل الأمر وكأننا عدنا به إلى الوطن".

استعادة ماري بوبينز

نحن هنا أمام نص سينمائي شارح "ميتا فيلم" مادته النص الفيلمي والأدبي والأحداث الواقعية التي رافقت (معركة) إنتاج الفيلم الاستعراضي "ماري بوبينز" عام 1964 ، الذي مثلته جولي أندروز وويك فان دايك وأخرجه روبرت ستيفنسون، ونال حينها 13 ترشيحا للأوسكار، فاز بخمس جوائز منها، من بينها جائزة أفضل ممثلة وأفضل موسيقى وأفضل مؤثرات.

وعلى الرغم من ذلك النجاح ظلت مؤلفة القصة الأصلية غير راضية عن الفيلم، وظلت تحمل في داخلها شعور بانها خدعت من قبل ديزني لإعطائه حقوق العمل بعد المفاوضات الطويلة على مدى عشرين عاما. ولم تسمح بتحويل قصتها بعد ذلك إلى عمل سينمائي أو مسرحي في حياتها (توفيت عام 1996).

لقد حققت قصة "ماري بوبينز" نجاحا كبيرا عند صدورها لأول مرة عام 1934 وتحولت إلى سلسلة كتب أطفال ناجحة صدر منها 7 أجزاء كان آخرها عام 1988.

وقد أنتج عمل مسرحي استعراضي من القصة في عام 2004 بعد أن تمكن المنتج الإنجليزي كاميرون ماكنتوش من الحصول على حقوق انتاج العمل مسرحيا، وكانت ترافرز قد اشترطت في وصيتها أن يتولى العمل كاتب انجليزي المولد، ولا يقوم أي كاتب أمريكي بالمشاركة في عملية أعدادها.

ولكن تم إعداد القصة في فيلم الاتحاد السوفياتي السابق عام 1984 بعنوان "وداعا ماري بوبينز " ناطق باللغة الروسية، و لا نعرف هل إتصل منتجوه بترافرز بشأن حقوق قصتها.

قصة حقيقية

تدور معظم أحداث الفيلم زمنيا خلال رحلة حقيقية قامت بها الكاتبة ترافرز (تؤدي دورها الممثلة إيما تومبسون) إلى لوس أنجليس بعد أن أقنعها وكيلها الفني بلقاء ديزني(يؤدي دوره الممثل توم هانكس) وكاتب السيناريو(الممثل برادلي ويتفورد) والاطلاع المباشر على عملية تحويل فيلمها إلى السينما كي تقتنع ببيع حقوق استخدامها سينمائيا لشركة ديزني.

Image caption جسد الممثل الإيرلندي كولن فاريل دور والد الكاتبة ترافرز.

ومنذ لحظة وصولها تبدو الكاتبة ترافرز متوترة وكارهة لنمط الحياة الأمريكية، فعند وصولها إلى لوس أنجليس تقول لسائق السيارة الليموزين الذي أرسلته الشركة لنقلها إنها تشم رائحة في الجو، فيسارع إلى إجابتها بأنها رائحة ياسمين، لكنها ترده بقسوة بالقول: "بل رائحة عرق وكلورين".

وفي الوقت الذي تتصرف فيه ترافرز على وفق موقف مسبق، يحاول ديزني وموظفوه وفريق كتابة سيناريو العمل أرضاءها بشتى السبل، للفوز بموافقتها على بيع حقوق العمل الذي ظلت تتمنع عنه لنحو عشرين عاما.

وهنا تشترط ترافرز أن تقوم بمراجعة يومية مع فريق العمل (السينارست ومؤلفا الموسيقى والأغاني) وتشترط أن لا يتضمن الفيلم أي مشاهد رسوم متحركة من تلك التي اشتهرت شركة ديزني بصنعها، وأن يتم تسجيل وقائع العمل اليومي صوتيا كلمة كلمة.

وهنا ينثر صانعو الفيلم كما كبيرا من مشاهد المفارقات بين ترافرز الكاتبة المتشددة، التي يحركها هاجس داخلي بحماية شخصيات فيلمها كما تصورتهم في خيالها وفي البيئة الانجليزية التي رسمت أحداثها فيها، وبين ديزني البراغماتي والعارف بأسرار النجاح الجماهيري والاستثمار التجاري لعوالم الطفولة، وفريق عمله. لنجد انفسنا إزاء صدام بين عقلية محافظة تقدس التقليد والقيم المثالية وعقلية منفتحة أقرب إلى الحياة ونفعيتها بل واحتيالاتها احيانا.

صورة أب

لقد اختار صانعو الفيلم "انقاذ السيد بانكس" عنوانا له في إشارة إلى شخصية السيد بانكس الرئيسية في قصة ترافرز ماري بوبينز، التي استلهمتها الكاتبة من شخصية والدها الحقيقية، وحرصها الشديد على أن تقدم بالصورة التي رسمتها. فهي ترفض مثلا أن تكون صورته بشاربين كما اختار ديزني.

وانطلقوا من هذا التقديس إلى رسم خيط سردي مواز اعتمد على مشاهد الفلاش باك، عن مكانة والد ترافرز المركزية في حياتها، وتعلقها الكبير به منذ طفولتها بوصفة العامل الأساسي وراء تكوين شخصيتها المعقدة تلك، والتي ظلت تستعيد تفاصيل طفولتها المعذبة في أعمالها الأدبية، كما حياتها اليومية وسلوكها.

هنا اختار الفيلم اللجوء إلى خيط من التحليل النفسي في الكشف عما وقف وراء خلق شخصية الكاتبة المتشددة والغاضبة. وهي قصة إدمان والدها (يؤدي دوره الممثل الايرلندي كولن فاريل)على الكحول وانهيار مكانة العائلة بعد فقدانه لوظيفته كمدير بنك في استراليا ومن ثم موته المبكر في الأربعينيات من عمره بالسل. وكيف كان هذا الوالد يرعاها ويدللها كثيرا، وكيف رسمت له صورة مثالية قبل أن ترى مأساة حياته.

لقد بٌني السيناريو على المونتاج المتوازي بين هذين الخيطين، مشاهد المفاوضات في الولايات المتحدة ومشاهد الطفولة المعذبة في استراليا، وبينهما نجح سيناريو الفيلم في التقاط كثير من التفاصيل الإنسانية المؤثرة والمفارقات التي حملت لمسة كوميدية مؤثرة.

ولا تحتاج حكاية مثل هذه القصة إلى كثير من التشويق فالنهاية معروفة، بدليل الفيلم المصنوع، إذ يتمكن ديزني من إقناعها رغم رفضها العمل وعودتها إلى بريطانيا، لكنه لا ييأس ويفاجئها بسفره إليها إلى لندن لإقناعها، لكنه بعد أن ينال حقوق الفيلم لا يدعوها لحفل افتتاحه في الولايات المتحدة، فتسافر على حسابها الخاص لحضوره، الأمر الذي يجعلها تشعر وكأن ديزني بعقليته التجارية قد خدعها.

لقد ركزت كاتبتا السيناريو على تلك العلاقة الثنائية المتوترة، وخيط التحليل النفسي للطفولة، ولم تنشغلا بتقديم فيلم سيرة للكاتبة ترافرز، على الرغم من الشكر الذي ظهر في عناوين نهاية الفيلم لكاتبة سيرة ترافرز فاليري لاوسون وكتابها "كتبت ماري بوبينز: حياة بي أل ترافرز". فاهملتا مثلا أن الكاتبة تبنت في حياتها طفلا، أو تلك الاشاعات التي تحدثت عن علاقاتها المثلية أو اهتماماتها بالتصوف والخوارق.

فيلم ممثلين

لقد نجح المخرج جون لي هانكوك في إدارة ممثليه في هذا الفيلم، لاسيما وأنه تعامل مع اثنين من كبار ممثلي السينما (تومبسون وهانكس)، وبات الفيلم مباراة بينهما في تأكيد حضورهما على الشاشة واتقان الشخصيتين اللتين يجسداها.

Image caption كتبت كيلي مارسيل سيناريو هذا الفيلم ضمن مشروع انتاجي لأفلام بي بي سي.

واختطفت تومبسون الأنظار بأدائها المميز لشخصية ترافرز شديدة التعقيد، وعكس انفعالاتها المختلفة بين القلق والتوتر أو النزوع للتأمل، بين النظرة الفوقية أو الماضي والطفولة البائسة.

فظلت تومبسون تتنقل في مشاهدها بين لحظات تبدو فيها بعينين قلقتين لا تستقران ومبالغة بالتعبير بالحركات في الأيدي أو عضلات الوجه للتعبير عن الانفعالات المختلفة لشخصيتها العصابية، أو نراها في مشاهد أخرى ساهمة وبوجه حيادي غارقة في التأمل والغوص في الماضي.

وقالت تومبسون في حوار مع بي بي سي إنها أحبت تلك الطبيعة "العدائية" في الشخصية التي جسدتها، مشيرة إلى أنها وجدت أن شخصية ترافرز "صعبة جدا" و"ممتلئة بالتناقضات". وأكملت "لقد أحببت عدوانيتها، أحببت أداء فظاظتها وأمانتها" في الوقت نفسه.

ونرى أن هذا الدور سيضع تومبسون في مقدمة المتنافسين على أوسكار التمثيل هذا العام مع الممثلة كيت بلانشيت في فيلم وودي الن "بلو جاسمين".

وقد حصلت تومبسون على الأوسكار مرتين، ممثلة في فيلم "هوارد إندز" وكاتبة سيناريو في فيلم "كبرياء وهوى المأخوذ عن رواية جين أوستن بالعنوان نفسه.

ولا نغفل هنا الإشارة إلى الاثر الكبير لترافرز وشخصيتها ماري بوبينز في فيلم "ناني ماكافي" الذي كتبته إيما تومبسون ومثلته مع كولن فيرث.

بين الصورة والموسيقى

لقد رسخ المخرج والسينارست جون لي هانكوك عبر هذا الفيلم اسمه في عالم الاخراج، الذي جاء إليه عام 1991 وقدم فيه نحو خمسة أفلام.

وكان من أبرز أفلامه "الجانب الأخر"( Blind Side)، وهي دراما (شبه سيرة) تدور أحداثها في عالم كرة القدم الأمريكية وقد حقق نجاحا جماهيريا ورشح لنيل جائزة الأوسكار عام 2009.

قد حصلت ممثلته في هذا الفيلم ساندرا بولوك على أوسكار أفضل تمثيل.

وكانت مهمة واضع الموسيقى التصويرية توماس نيومان سهلة في استعادة مناخ العمل الاستعراضي الموسيقى الاصلي ماري بوبينز، واستعارة عدد من الثيمات الموسيقية منه، ومزاوجتها بذكاء مع مشاهد الفيلم .

وبدا ذلك واضحا في تلك المقاطع التي تتم فيها استعادة أغاني الأخوين شيرمان في الفيلم، وأثر أغانيهما في اقناع ترافرز.

وقد أدى دور الموسيقار رتشارد شيرمان الممثل جيسون شوارتزمان ودور أخيه كاتب الاغاني روبرت الممثل بي جي نوفاك.

بقي أن نشير الى دور كاميرا مدير التصوير جون شوارتزمان في خلق مشاهد ذات جمالية عالية، لا سيما في تصوير شخصياته وسط المناظر الطبيعية المفتوحة.

وتجسد ذلك بشكل خاص في مشاهد الطفولة في استراليا (صورت في لوس انجليس)، كما في مشهد الطفلة ووالدها وسط الحقول على الحصان التي يكررها الفيلم كمشهد استعادي في ذاكرة بطلته باستمرار، أو تلك اللقطات القريبة للفتاة بشعرها الاشقر وسط سنابل الحقول الصفراء.

المزيد حول هذه القصة