ثلاثة أشهر من التحليق فوق النيل

الطائرة راسية فوق الماء
Image caption كانت مهارات الطيار هي وحدها محل اهتمام ودهشة العامة

في عام 1914، قطعت الطائرة البرمائية البريطانية S.80 رحلة استكشافية عبر النيل باتجاه الجنوب في ثلاثة أشهر. ورغم اعتماد هذه المغامرة على خبرات المهندس الذي صمم الطائرة، لم يرد ذكره في التقارير الإخبارية عن تلك الرحلة.

إلا أن الأمر تغير بتغريدة عبر تويتر، حيث قال السفير البريطاني في لبنان، توم فليتشر، إن جده الأكبر، غاس سميث، كان هو المهندس لأول رحلة طيران بطول النيل، والتي مر عليها مائة عام بالضبط.

وظهرت أدلة هذه المغامرة الهامة بعد تغريدة توم، حيث أطلعنا مارك، والد توم، على سجل العائلة الذي يحتوي على تفاصيل لم تُنشر من قبل.

الطيارون يخطفون الأضواء

ففي السنوات الأولى لظهور فكرة الطيران عند البشر، تركز اهتمام العامة على مهارات الطيار فحسب.

وجاءت محاولة الأخوين رايت عام 1903، ليرتفعا بطائرتهما عن الأرض لثوان معدودة ولبضعة أقدام فقط. ثم جاء بعدهما لويس بليريوت الذي حلق بطائرته فوق القناة الإنجليزية وبحر المانش.

وعندما حلق الطيار الايرلندي الغني، فرانك ماكلين، بطائرة صنعها بشراكة مع شركة الأخوين شورت للهندسة، ومر بين برجي "تاور بريدج" في لندن، كتبت صحيفة التايمز عنه: "كان المحرك يدور بسلاسة، وكانت الطائرة تحت سيطرته التامة طوال الوقت."

إلا أن الصحيفة الإنجليزية لم تشر إلى من قام على تشغيل المحرك ليعمل بهذه السلاسة، وهو المهندس الشاب بالشركة المصنعة، أغسطس ليونارد سميث. وهو نفسه غاس الجد الأكبر لتوم فليتشر.

وانضم غاس إلى شركة الأخوين شورت في المرحلة التي كانوا يغيرون فيها نشاطهم من العمل في المناطيد الهوائية إلى الطائرات ذات المحرك، ودعمهم في ذلك أيضا بعض الصفقات مع ماكلين وغيره من رواد الطيران.

وسرعان ما بنى غاس لنفسه مكانة في مهنته بعمله في مصنع إيستشيرش للأخوين شورت في كِنت، حيث عمل على أكثر محركات الطيران تطوراً في عصره.

وفي عام 1913، عقد الأخوان شورت صفقة مع فرانك ماكلين لتصنيع أول طائرة برمائية، والتي كان بإمكانها حمل ثلاثة ركاب إلى جانب إمكانية إقلاعها وهبوطها في البر وفوق الماء.

وتزامن ذلك مع إجراء الاتحاد الفرنسي الوطني للطيران اختبارات للطيران لمسافات طويلة عن طريق رحلة من باريس إلى القاهرة. وبدأ الطيارون الفرنسيون يتسابقون نحو هذا الهدف في أنحاء أوروبا، ولا شك أن البريطانيين أيضا كانوا يسعون لإحراز تقدم في ذلك المجال.

عندئذ، قرر ماكلين أن يتبع هوس الملك إدوارد السابع بالاكتشافات الفرعونية ويطير بطول نهر النيل نحو الجنوب

بداية الرحلة

Image caption قرر ماكلين أن يتبع هوس الملك إدوارد بالاكتشافات الفرعونية ويبدأ الرحلة من مصر

وفي الأسبوع الأخير من ديسمبر/كانون الأول عام 1913، كان ماكلين، ورائد تصنيع الطائرات أليك أوغيلفي، ورجل الأعمال أورايس شورت، ومهندس الطيران غاس سميث في مسفن الإسكندرية بمصر، يتسلمون شحنة كانت قد وصلتهم من ليفربول تحمل أجزاء الطائرة البرمائية.

وبما أن سميث كان هو مهندس الطيران لهذه الرحلة، فقد قام على الأرجح بتجميع الطائرة لوحده، بدءًا من الأجنحة التي يبلغ طولها 20 مترًا وحتى المحرك ذي التصميم الفرنسي الذي يضم 14 اسطوانة. فقد كانت أرواح من في الطائرة تعتمد عليه.

وفي الثالث من يناير/كانون الثاني 1914، حلق ماكلين بالطائرة في سماء الإسكندرية. بينما كانت صحيفة التايمز موجودة في مكان الحدث تصب كل اهتمامها على الطيار دون ذكر المهندس.

ولمحدودية مدة طيران الطائرة، كانت الرحلة نحو الجنوب عبارة عن سلسلة من المحطات، حيث وضعت إمدادات الوقود في عدة نقاط بطول طريق الرحلة، إلا أن الفريق كان يواجه بعض المشكلات في المحرك.

حيث تعطل المحرك 13 مرة، وتأخرت الرحلة لفترات إضافية لحين وصول قطع الغيار للمحرك. لذا فإن الرحلة إلى الخرطوم، والتي تبلغ مسافة 1500 ميل على ارتفاع 60 متراً فوق النيل، استغرقت حوالي ثلاثة أشهر.

وتفوق الفرنسي مارك بورب على هذه الرحلة الإنجليزية، حيث كان يحلق بطائرة أحادية السطح، دون الاعتماد على النهر في الهبوط والإقلاع، لذا فقد وصل إلى الخرطوم خلال عشرة أيام.

وبهذا الوضع، لم يبد أن فكرة السباق مع الفرنسيين كانت مطروحة، وثابر البريطانيون في رحلتهم تلك ليصلوا إلى الخرطوم في 22 من مارس/آذار عام 1914.

ومع احتمال استغراق رحلة العودة ثلاثة أشهر أخرى، قرر فريق الطيران الإنجليزي تفكيك الطائرة وشحنها إلى انجلترا.

وخدم كلٌ من ماكلين وغاس سميث في القوات الجوية الملكية البريطانية في الحرب العالمية الأولى، كما حصل ماكلين على لقب فارس عام 1926، بينما استمر حب غاس للطيران، فعمل كمدرب طيران بين الحربين العالميتين. حتى توفي عام 1942 عن عمر يناهز 58 عامًا.

وبعد أيامٍ قليلة من رحيل غاس، تلقت شقيقته خطاباً من نادي لندن الملكي للطيران بتوقيع ماكلين. وجاء فيه: "رغم مرور وقت طويل على العمل سويا في إيستشيرش وفوق نهر النيل، إلا أنني ما زلت أتذكر دور غاس وجهده لجعل تلك المحركات تدور. لم يكن لأحد أن يحل محله، ويعود إليه الفضل في تجنبنا فشل هذه الرحلة."

وفي هذه السنة، يقول حفيد غاس سميث، السفير توم فليتشر، إنه سيتم الاحتفال بمرور قرن على هذه الرحلة فوق نهر النيل. حيث سيقام احتفال في القاهرة يتم فيه عرض نموذج للطائرة.

المزيد حول هذه القصة