سلمى حايك تعيد الاعتبار "للحضور العربي" في كان عبر "نبي" جبران

مصدر الصورة Getty
Image caption الممثلة سلمى حايك برفقة الموسيقار غبريال يارد في كان

خطفت الممثلة سلمى حايك الأبصار عند حضورها في مهرجان كان السينمائي حاملة معها مشروعا ضخما لتقديم عمل الأديب اللبناني جبران خليل جبران الشهير "النبي" في فيلم سينمائي بالرسوم المتحركة.

وفي الوقت الذي انشغل فيه بعض الصحف في الحديث عن حضورها وأناقتها المميزة بفستانها ذي اللون الأحمر، انشغلت حايك بحماس كبير للترويج لمشروعها الانتاجي الضخم "النبي".

وحرصت أن تقدم في حفل خاص على هامش مهرجان كان مقاطع متعددة من العمل وهو في طور الانتاج، وكل المشاركين في انتاجه، كما استضافت عددا من النجوم لتحيته ومن بينهم الممثل الفرنسي الشهير جيرار ديبارديو الذي حضر لتحية العمل وجبران في حضور نادر في كان هذا العام.

لقد رفضت حايك أن تقدم بوصفها ممثلة مكسيكية بل قالت "انا لبنانية أيضا وأمثل المرأة العربية "، ولعل في هذا التقديم وفي استعادة منجز جبران في هذا المشروع نوع من إعادة الاعتبار للحضور العربي في كان الذي بدا باهتا هذا العام بل ويكاد يكون منعدما، مع فيلم من انتاج فرنسي هو تمبكتو للمخرج الموريتاني الأصل عبد الرحمن سيساكو وتدور أحداثه في مالي ويمكن اعتباره ممثلا للقارة الأفريقية عبر انتاج فرنسي في المسابقة الرسمية لا العربية كما وصفه البعض، وفيلم "ماء الفضة"الذي عرض خارج المسابقة للمخرج السوري اسامه محمد، فضلا عن فيلم قصير لعمر الزهيري من معهد السينما في مصر.

جمعت حايك لإنجاز "النبي" تسعة من أبرز مخرجي أفلام التحريك في العالم ليقدم كل واحد منهم رؤيته لجانب من كتاب النبي لجبران خليل جبران الصادر عام 1923 والذي يضم 26 قصيدة، تناولت موضوعات كالحب، الزواح العمل، الفرح والحزن، العمل، البيوت، الطعام، الحرية، الالم، العقل،المتعة، الكلام،الخير والشر،والموت ...وغيرها. وقد اختارت حايك وفريق عملها بعض هذه القصائد لتجسيدها عبر الرسوم المتحركة.

وقد نجحت حايك التي عملت على هذا المشروع منذ عام 2011 ، في أن تحول حلمها إلى حقيقة مع فيلم بميزانية نحو 12 مليون دولار، ساهم عدد من الجهات في تمويله، من بينها مؤسسة الدوحة للأفلام، مؤسسة ماي غروب لبنان وبنك أف أف أيه الخاص وشركة كود ريد برودكشن وشركات أخرى.

"نشيد الإنسانية"

مصدر الصورة Reuters
Image caption سلمى حايك والمخرج روجر أليرز وعدد من فناني التحريك المشاركين في فيلم "النبي".

لقد وصف البعض كتاب النبي لجبران بأنه "نشيد الإنسانية"، إذ ظل الكتاب منذ ظهوره بالإنجليزية يحظى بإقبال القراء عليه وبات من أكثر الكتب مبيعا وترجم إلى أكثرمن 50 لغة، واستلهمه الكثيرون في الغرب حتى بات يوصف بأنه كان إنجيلا لكثير من الحركات المتمردة البديلة لدى الشباب الغربي في الستينيات.

لقد كتب جبران الكتاب بالعربية في أول مرة غير أن امه نصحته بأنه من السابق لأوانه نشره، وأعاد صياغته مرة ثانية، ثم ثالثة بعد وفاتها، وبعد عشر سنوات عاد إلى كتابته بالانجليزية بشكل مباشر دون العودة إلى النص العربي الأول، كما لم يترجم النص الإنجليزي الجديد إلى العربية بل ترجم لاحقا بعد وفاته.

لقد بدا واضحا في النبي استلهام جبران لمبدأ وحدة الوجود وتأثره في الفلسفات والديانات الهندية وتأثره بالصوفية في التراث الإسلامي كأبن الفارض وتائيته المعروفة وابن عربي الغزالي والحلاج، فضلا عن تربيته الدينية الأولى وتأثيرات الكتاب المقدس، لاسيما تلك اللغة الشعرية في ترجمة الإنجيل في عهد الملك الانجليزي جيمس.

وحرص جبران في أزمة اغترابه أن يزرع وسط عقلانية الغرب روح الشرق التي جسدها في نزعته الروحانية الصوفية ولغته الشعرية العالية في النبي.

في المقاطع التي شاهدناه من الفيلم بدا أن تراث جبران التصويري ،لا سيما تلك الأجساد اللينة ذات المسحة النورانية التي لا تكاد تميز جنسها التي عرف جبران برسمها، شكل خير معين لفناني الرسوم المتحركة لتجسيد لوحاته الرمزية الكتابية وعوالمه الغنية في الفيلم.

أوضحت حايك في تقديمها علاقتها بكتاب النبي الذي كانت تشاهده إلى جانب سرير جدها الذي عرفها عليه، وعندما قرأت الكتاب لاحقا في عمر 18 سنة وأثر بها ظلت صورته مرتبطة بجدها الذي أهدت العمل إليه كما ابنتها الصغيرة فالنتينا، بوصفها ممثلة للأجيال الجديدة التي عليها أن تتعرف على هذا التراث الثر وتنهل منه قائلة "لقد تعلمت الحياة عبر هذا الكتاب وأحلم أنها (ابنتها فالنتينا) عندما تكبر أن تتعلم الحياة كما تعلمت عبر جدي من جبران خليل جبران وشعره وكتابه النبي".

تقنيون وممثلون كبار

مصدر الصورة AFP
Image caption انشغل بعض الصحف في الحديث عن حضور سلمى حايك وأناقتها المميزة بفستانها ذي اللون الأحمر.

وأقنعت حايك مخرج أفلام التحريك الحاصل على الأوسكار وصاحب فيلم "الملك الأسد" روجر أليرز ليتولى الاشراف على المشروع وبناء الإطار السردي أو الحكاية الإطارية التي ستجمع رؤى بقية المخرجين لقصائد جبران في إطار قصة تمثل عظة معينة عن جانب من جوانب الحياة.

لقد بنى أليرز حكايته الإطارية على العلاقة بين طفلة تدعى المترا (وهو اسم شخصية العرافة التي تتعاطف مع المصطفى في كتاب جبران ويحكي لها عظاته وقصائده) تتسلل إلى غرفة شاعر منعزل ومنفي يدعى مصطفى. ويتضح من اختيار الطفلة هدف الفيلم في مخاطبة الأطفال وتقريب كتاب جبران إليهم عبر الرسوم المتحركة.

وإلى جانب أليرز نجحت حايك في جمع مجموعة من أفضل فناني الرسوم المتحركة وخبرائها وأعطتهم الحرية لتقديم الشكل الفني الذي يختارونه لتجسيد قصائد النبي(يشارك فنان عربي واحد هو الأماراتي محمد سعيد حريب في هذا الفيلم).

ومن الفنانين المشاركين في المشروع تحدثت فنانة الرسوم المتحركة جوان سي كراتز، (وهي صاحبة تكنيك خاص بها في أفلام التحريك يدعى الرسم بالطين، تقوم فيه باختيار أشكال طينية تقوم بعدها بمزجها مع الألوان ثم تحك خطوطا دقيقة فيها لتوحي بالحركة وتدفق الصور) عن أنها حاولت في المقطع الذي صنعته في الفيلم العودة إلى رسوم جبران نفسه وكذلك مناخ تأثره بالشعراء الرومانتيكيين ولاسيما الشاعر الإنجليزي وليم بليك الذي كان رساما أيضا.

وقام فنانا التحريك الفرنسيين المعروفين الأخوان بريسي (بول وجيتان) برسم لوحات القصة التي يستند اليها تطور السرد في الفيلم story board

وأشارت حايك في تقديمها إلى أن لوحاتهما للفيلم ستجمع في معرض فني، وعرض في الأمسية مقطعا يمثل تسلل هذه اللوحات مع موسيقى الموسيقار اللبناني الأصل غبريال يارد ( الحاصل على الأوسكار عن موسيقى فيلم المريض الإنجليزي، وواضع موسيقى أفلام أمثال كاميل كلوديل، مدينة الملائكة، بيتي بلو،طروادة وغيرها) الذي وضع الموسيقى التصويرية لمجمل الفيلم وكان حاضرا في الأمسية الاحتفائية.

وقدم فنان التحريك الايرلندي توم مور مزجا رائعا في اخراجه للأغنية المرافقة في الفيلم بين لوحات الفنان غوستاف كليمنت والزخرفة الإسلامية ليقدم مزيجا تشكيليا مبهرا وأشكالا ملونة انسابت بجمالية رائعة مع موسيقى يارد.

وقدم المخرج وفنان التحريك ومصمم الغرافيك الأمريكي بيل بلايمتون (وصفته حايك بأنه اسطورة في عالم الرسوم المتحركة) اسلوبا يعتمد على الاقتصاد في الخطوط والأشكال واستلهام بعض أشكال الموروث التصويري الشرقي فضلا عن استلهام لوحات جبران نفسه.

ولعل أحد اجمل مشاهد الفيلم التي شاهدناها تلك اللقطات التي حاولت أن تجسد فكرة جبران عن الحرية حين تتحول أقفاص الطيور إلى عملاق كبير (رمز الاستبداد) يتبدد لاحقا إلى طيور حرة، أو مشهد الطيور المربوطة بخيوط إلى الشجرة فتقتلعها وتطير بها.

وجسد أصوات الشخصيات في الفيلم إلى جانب حايك عدد من الممثلين المعروفين بينهم فرانك لانغيلا (الباشا) وليام نيسون (مصطفى).

لقد جسدت حايك في عملها مقولة نبي جبران عن قيمة العمل : "انت - حين تعمل- مزمار. تتحول همسات الدهر في جوفه إلى أنغام. ومن منكم يود لو يصبح قصبة خرساء بكماء، على حين تغني الكائنات حوله في توحد وألفة"، فنجحت بحماسها وتقديمها أن تعيدنا إلى جبران وأن تستعيد نشيده في عمل جماعي بتوحد وألفه تنم الأجزاء التي شاهدناها منه أنه على قدر كبير من الجمال والشاعرية.

المزيد حول هذه القصة