مهرجان كان: مخرج فيلم الفنان يقدم ميلودراما عن الحرب المنسية في الشيشان

Image caption اعتمد هازانافيسيوس على أفلام سابقة لبناء أجوائه السينمائية في فيلم "البحث"

بعد تجربته الناجحة في فيلم "الفنان" التي حصد عليها جوائز عديدة (من بينها 5 جوائز أوسكار و 6 جوائز سيزار)، يعيد المخرج الفرنسي ميشيل هازانافيسيوس تجربة الاعتماد على أفلام سابقة لبناء أجوائه السينمائية في فيلمه الجديد "البحث" المشارك ضمن المسابقة الكبرى لمهرجان كان السينمائي هذا العام.

وإذا كان فيلم الفنان اعتمد بالأساس على أجواء الأفلام الصامته التي أعاد استلهامها بنجاج كبير، فإنه في "بحث" يعود إلى فيلم شهير للمخرج فريد زينمان بالعنوان نفسه يؤدي فيه مونتغمري كليفت دور عسكري أمريكي يعثر على طفل يهودي تشيكي فقد والداه في معسكرات الاعتقال وينجح بعد بحث مضن في جمعه مع أمه.

وقد حصل هذا الفيلم المنتج عام 1948 على جائزة أوسكار أفضل سيناريو أصلي للكاتبين ريتشارد شفيزر وديفيد ويتشسلر، فضلا عن جائزة أوسكار خاصة للطفل ايفان جاندل الذي أدى دور الطفل التشيكي في الفيلم.

وينقل هازانافيسيوس حكاية فيلم زينمان إلى أجواء الحرب الروسية في الشيشان عام 1999، التي يراها حربا منسية شهدت جرائم حرب ضد الإنسانية لم يولها المجتمع الدولي الاهتمام، حيث كانت الدول الغربية منشغلة بمديح الرئيس الروسي يلتسين بوصفه صديق الغرب وتشيد بدوره في القضاء على الانقلابيين الذين يحاولون العودة إلى شكل الحكم السوفيياتي ومناخ الحرب الباردة.

إعادة بناء الوثيقة

يبدأ هازانافيسيوس فيلمه ببداية موفقة مع حركة سريعة لكاميرا محمولة وشريط صوت لشخص يعلق على ما يصوره، ليقدم وثيقة عن مجزرة تجري في أجواء الحرب في قرية شيشانية حيث يقوم جنود روس بقتل عائلة شيشانية (اب وام) بدم بارد، أمام ابنتهما (رايسا)، ويتمكن ابنهما الصغير (حاجي) البالغ من العمر 9 سنوات من الاختباء ثم انقاذ أخيه الرضيع والهرب به بعد ذهاب الجنود الروس.

مصدر الصورة Reuters
Image caption الطفل الشيشاني عبد الحليم مارماتسوييف الذي أدى دورحاجي في الفيلم.

وبدا اختيار المخرج للشيشانية زهرة دويشفيلي موفقا جدا بملامحها العادية غير الجميلة ووجهها الحزين والمعبر، كما هي الحال مع اختيار الطفل الشيشاني عبد الحليم مارماتسوييف لأداء دورحاجي، مع حضوره المحبوب بوجه الممتلئ ووجنتيه المدورتين ونظرة الدهشة والتساؤل الدائمة في عينية، فضلا عن موهبته الفطرية في التمثيل. على أنه لا يشبه الطفل في فيلم زينمان الذي أشرنا اليه.

ونتابع رحلة الطفل حاجي وسط النازحين من القرى الشيشانية المدمرة، حيث يقوم بترك أخاه الرضيع أمام بيت عائلة شيشانية ويواصل رحلة الخروج حيث تقوم عائلة نازحة بالتقاطة من الطريق وحمله معها إلى معسكرات اللجوء، حيث يظل صامتا غير قادر على النطق بعد صدمته المروعة بمقتل عائلته.

وهنا يتوزع السرد في الفيلم على ثلاثة محاور، قصة الطفل حاجي وبقاؤه مشردا حتى لقائه بممثلة حقوق الإنسان، والثاني اخته رايسا وبحثها عنه وعن أخيها الرضيع، والثالث أجواء الحرب وصناعة مكائن القتل، ممثلة بالجنود الروس عبر قصة كوليا الشاب الروسي الذي يساق إلى الحرب، ويجمع المخرج هذه المحاور الثلاثة المتوازية في نهاية فيلمه.

في محور حاجي نتابع ايصال العائلة الطفل إلى ملجأ لليتامى من النازحين تديرة سيدة أمريكية في الصليب الأحمر تدعى هيلين (الممثلة أنيت بينينغ)، تحاول استجوابه وايواءه في الملجأ لكنه يهرب منها عندما يرى الجنود الروس ويظل مشردا في المدينة حتى تلتقي به كارول (الممثلة بيرينيس بيجو) ممثلة لجنة حقوق الإنسان التابعة للاتحاد الأوروبي، التي تقوم باطعامه ومن ثم أخذه معها إلى شقتها.

ويفشل هازانافيسيوس في إدارة هذا المحور الذي يمثل خط السرد الرئيسي لديه، وتقديم مشاهد مقنعة ومؤثرة للعلاقة بين الطفل وكارول. فكارول تمطر الطفل بسيل من عباراتها الفرنسية وكأنه يفهمها، ويفتعل مشهد اهدائه لقلادة عنق لها تعبيرا عن امتنانه لها، يتكشف لاحقا أنه سرقها من نازحة أخرى.

وتظل قضية تعلم اللغة وايجاد لغة مشتركة للتفاهم بينهما، وكذلك ايجاد المبررات لإنطاق الطفل كي يسرد مشاعره وحكايته بعد الصدمة المريرة التي مر بها، هي الحاجز الذي لم يستطع هازانافيسيوس تجاوزه وايجاد حلول مؤثرة له.

وتحضرني هنا مقارنة مع معالجة رائعة قدمها المخرج الإيراني بهرام بيضائي في فيلمه "بشو"، لقضية مشابهة عندما تنشأ علاقة بين قروية في شمال إيران وطفل عربستاني قتل والداه في القصف أثناء الحرب العراقية الإيرانية وهرب في شاحنة إلى شمال إيران.

وكان من أنجح مشاهد فيلمه الخطاب الذي ينفجر به الطفل بالعربية بعد صمت طويل مع مشهد النار الذي بدا كمؤثر عاطفي أعاده إلى مشهد احتراق امه في القصف.

أما لحظة النطق في فيلم "البحث"، فبدت مفتعلة وغير مقنعة، حيث يأتي الطفل حاجي إلى كارول في مقر عملها، ليدلي لها بشهادته كأحد النازحين، ونحن نعرف أنه يعيش معها في شقتها.

وإذا كان فيلم زينمان، هو (خميرة) قصة الصبي، فأن هازانافيسيوس يلجأ هذه المرة إلى أجواء فيلم المخرج القدير ستانلي كوبريك "فل ميتل جاكيت" (سترة معدنية واقية) ليستلهمها في متابعة خط الشاب الروسي كوليا (يؤدي دوره الممثل مكسيم أميليانوف) المولع بالموسيقى والذي تقبض عليه الشرطة اثناء تدخينه لسيجارة مخدرة، وتخيره بين السجن أو الخدمة بالجيش، فيختار الثانية ليواجه جحيما من الإهانات والعنف وآليات تحويله إلى وحش بشري وآلة للقتل في معسكر التدريب.

ثم يبدأ عمله مع نقل جثث القتلى من الجنود، وينتهي مقاتلا في الجبهة في الشيشان، ونعرف من خلاله أجواء الحرب هناك، كما نعرف لاحقا أنه هو من كان يصور الفيديو الذي وثق جريمة قتل العائلة الشيشانية، بكاميرا فيديو سرقها من جثة أحد الجنود الروس القتلى في المعركة.

وبدا الفيلم في هذا المحور أقرب إلى أفلام البروبجاندا الحربية، في نظرته الأحادية وتصويره للجنود الروس وكأنهم مجرد آلات قتل وحشية بلا رحمة، بل ويسرقون حتى جثث رفاقهم القتلى.

ويلم هازانافيسيوس محاور سرده في النهاية، عندما تصل رايسا باحثة عن أخيها المفقود، لتعمل في ملجأ الصليب الأحمر مع الأطفال اليتامى، الذي تزوره كارول بين الحين والآخر، لكنها لا تعرف أن أخاها يعيش معها.

وفي مشهد ميلودرامي يعتمد على المصادفات للحصول على التشويق تأتي كارول إلى الملجأ لكي تأخذ أوراق لتبنيها لحاجي ،في الوقت الذي تكون فيه رايسا يأست من العثور عليه وقررت العودة إلى قريتها، وعندما ترى هيلين مسؤولة الصليب الأحمر حاجي تسارع بأخذه وكارين إلى محطة القطار للحاق برايسا، لكنهم يكتشفون أن القطار قد غادر للتو، وهنا تحدث مصادفة أخرى في أن يروا رايسا على رصيف المحطة الآخر بعد قيام الأطفال الذين يحبونها بتعطيل سفرها وهكذا تجتمع أخيرا مع أخيها حاجي وسط مناخ ميلودرامي جارف.

فخ الميلودراما

مصدر الصورة AFP
Image caption ادت الدور الرئيس في الفيلم زوجة المخرج الممثلة بيرينيس بيجو

فخ الميلودراما إذن هو ما أفشل سعي المخرج هازانافيسيوس لصنع فيلم ملحمي عن حرب منسية في العالم، وعن عمليات إنقاذ الأطفال بوصفهم الضحايا الأساسيين للحروب في مثل هذه المناطق المنكوبة.

وإذا كان هازانافيسيوس بدأ فيلمه بداية سينمائية قوية، عبر ذلك الايقاع السريع والمتوتر للكاميرا المحمولة في إعادة بناء مشهد بصبغة وثائقية، فضلا عما شكلته هذه البداية من مدخل مميز لسرد حكايته، إلا أنه أفلت سيطرته على محاور السرد لدية وانشغل بتفاصيل هامشية أو سقط في مشاهد ميلودرامية مفتعلة إحيانا.

وسيطر نهج، يستند كليا على الإثارة العاطفية، على تعامل المخرج مع موضوعه، كما بدت شخصياته نمطية أحادية الجانب، على الرغم من المناخ الملحمي الذي يحيط بها.

وانسحبت هذه النمطية على أداء الشخصيات، كما هو الحال مع الممثلة بيرينيس بيجو (زوجة المخرج) التي سحرتنا بخفتها وعذوبة أدائها في فيلم الفنان الذي حصدت عليه سيزار أفضل ممثلة، لكنها هنا بدت مرتبكة وعاجزة عن اكتشاف عمق الشخصية، وظلت عند حدود الاستجابات الميلودرامية أو الخطابات المباشرة عن المساعدات الإنسانية وجهود الإغاثة وانتهاكات حقوق الإنسان، وكذلك الحال مع الممثلة أنيت بيننغ في دور هيلين مسؤولة الصليب الاحمر.

والاستثناء في جودة التمثيل جاء من الأشخاص غير المحترفين الذين تم اختيارهم لأداء أدوار الفيلم بعد اختبارات لأناس عاديين، كما هو الحال مع زهرة دويشفيلي في دور رايسا والطفل عبد الحليم مارماتسوييف.

وبصريا، نجح مدير التصوير غيوم شيفمان في تقديم مشاهد غنية في بنائها الملحمي وفي تصويرها لأجواء الحرب أو طوابير النازحين فيها، مستثمرا جماليات المشهد الطبيعي في مواقع تصوير الفيلم في جورجيا قرب جبال القوقاز.

"البحث"، فيلم ضاع في فخ النمطية والميلودراما وكثرة الاستعارات من نماذج سينمائية راسخة شكلت أساس عمل المخرج، لكنها ظلت حاضرة بقوة للمقارنة لأن المخرج لم يستطع هضمها وتمثلها في شكل فني جديد، وذاك التمثل في استعارة أجواء السينما الصامتة كان الوصفة السحرية لنجاحه في فيلم الفنان، بيد أنها بدت غير صالحة لفيلم ملحمي عن الحرب وضحاياها ونازحيها.

المزيد حول هذه القصة