كيف يمكن أن تتعامل السينما مع تنظيم "الدولة الاسلامية"؟

مصدر الصورة AFP
Image caption صورة مأخوذة من فيديو بثّه مركز الرقّة للاعلام التابع لتنظيم الدولة الإسلامية

يشعر المخرجون السينمائيون العرب بأنهم مضطرون للتعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية المتشدد وتبعات أفعاله، بالرغم من حملات التهديد والتخويف التي يتعرضون لها.

لا يمكن للسينما مواكبة الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. ففي الفيلم الوثائقي السوري الحائز على جائزة مهرجان صندانس "العودة إلى حمص"، والذي يعرض في مهرجان أبو ظبي السينمائي هذا العام، يبدو وكأن الأمر يتعلق بدرس مستمد من أحداث التاريخ خلال العام الماضي.

حتى طلال ديركي وهو مخرج الفيلم الوثائقي الذي ولد في سوريا، يعترف بذلك بكل أسف. يحاول في هذا العمل السينمائي الأول له الذي يعتبر عملا وثائقيا صحفيا والذي أُنتِج ما بين عامي 2011-2013، تتبع آثار الصراع المدمر في سوريا الذي يمتد من انتفاضة متفائلة إلى فوضى، نراها بعيون حارس المرمى البطل عبد الباسط الساروت.

تبدو المسائل السياسية أبسط، الأسد مقابل الجيش السوري الحر. يقول ديركي إن بروز تنظيم الدولة الاسلامية "قد جعل الوضع أسوأ. هناك ما بين عشرة الى خمسة عشر مليون سوري علقوا ما بين الأسد والدولة الاسلامية، وهم لا يستطيعون أن يعيشوا حياتهم".

يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات شاسعة من العراق وسوريا، كما أنه يجعل سرد القصص الواقعية عما يحدث في المنطقة أكثر صعوبة من الناحية اللوجستية...إضافة إلى أن هذا التنظيم يوفر فرصة لكي يلتقط السينمائيون قصصا يقولون إنهم لم يودّوا قط أن يسردوها. في أبوظبي التي تتمتع باستقرار سياسي وتعد مركزا للثقافة، فإن اسم "الدولة الاسلامية" على كل لسان ولكن دون أن تنطق به شفة واحدة.

وعلى عكس الربيع العربي، الذي كان آخر حدث كبير أثار حماس المخرجين السينمائيين بما وعده من إطلاق حرية التعبير وأسفر عن تحقيق نجاحات عالمية في مجال الأفلام السينمائية من بينها ’الساحة‘ لجيهان نجيم، فإن المخرجين الذين يحضرون مهرجان أبوظبي قد يعترفون بأنهم يعملون في مشاريع أفلام لها علاقة بتأثير المجموعة المتشدة، ولكنهم يطلبون أن تظل اسماؤهم مجهولة. ويضيف بعضهم بأنهم تلقوا تهديدات بالقتل.

Image caption فيلم "العودة إلى حمص" لطلال ديركي حائز على جائزة من مهرجان صندانس، لكن الأوضاع تغيرت من ذلك الحين

التطرق بشكل غير مباشر إلى هذا التهديد الدولي الجديد هو ما يجعل البعض يشعرون بأمان. يخطط مروان حامد وهو مخرج مصري معروف بإخراج فيلم يحمل اسم "القتلة"، وهو فيلم عن "الحشاشين"، وكان هؤلاء طائفة في القرن الحادي عشر يرأسها الحسن بن الصباح، وكان أعضاؤها قتلة انتحاريين.

صرح مروان في المهرجان بأن على كل من يريد أن يعرف المزيد عن تنظيم "الدولة الاسلامية"، يجب أن يقرأ عن الحسن بن الصباح، الذي كان نذيرا لمتطرفي يومنا هذا.

يعيش طلال ديركي في منفاه في برلين الآن ولكنه يذهب إلى سوريا ويعود منها خلسة. ويقول طلال إن خطته التالية هي البحث في "الأحوال النفسية لجيل جديد وما يقاسيه من جراء الحرب. إن الوضع مثل مرض ايبولا".

"آلة دعائية"

ينبغي على السينما العربية أن تتعامل مع "الدولة الاسلامية "بطريقة تنفرد بها المنطقة، بحسب المنتج محمد التركي المولود في السعودية.

أنتج التركي فيلم "99 منزلا" والذي حظي بإشادة كبيرة من النقاد ، مع اندرو غارفيلد بطل فيلم "سبايدرمان" (الرجل العنكبوت) في العام الماضي.

وتوقع التركي أن "هوليوود ستتعامل بأسلوبها الخاص مع هذه الجماعة (المتشددة)، وبقوالبها المكررة عند التعامل مع مثل هذه الأوضاع. تحتاج السينما العربية للتعبير عن رأيها بطريقتها الخاصة".

ولكن، كيف ترد بفعالية على الآلة الدعائية النشطة لتنظيم الدولة الإسلامية على موقع "يوتيوب"؟ فقد سرقوا مقاطع من فيلم ’نوح‘ لدارين آرونوفسكي، ولعبة الفيديو"’غراند ثيفت أوتو" واستخدموها في أفلامهم الدعائية والترويجية.

يمكن اتهامهم بأنهم يتفوقون على هوليوود في لعبتهم هم... حتى إن صحيفة الغارديان كتبت: "ربما حرّم نظامهم الموسيقى والغناء والتدخين وشرب الخمر، لكنه يتبنى بوضوح (تحرير الأفلام واستخدام مقاطعها لصالحه من خلال برنامج) "فاينال كت برو".

ترى نادين قرش مقدمة "برنامج الشاشة الكبيرة" على قناة العربية أن: " السينما العربية تحتاج لأن ترد (على هذا التنظيم) باستخدام نفس الأسلحة. فالمرئيات مهمة في إعلام اليوم... وينبغي على الفنانين العرب أن يركّزوا على صناعة أفلام قصيرة وواضحة بدلاً من الأفلام الطويلة التي تستغرق شهورا لتمويلها. أظهر لنا الربيع العربي بأنه يمكن صناعتها بسرعة وبكلفة زهيدة واننا جميعاً الآن مخرجون سينمائيون شهود (على ما يجري)".

Image caption صورة من فيديو دعائي بثه تنظيم الدولة الإسلامية يعود تاريخه إلى مارس/آذار الماضي

الرد المختصر والحاد من وزارة الخارجية الأمريكية على تنظيم "الدولة الإسلامية" كان فيلم مصور بعنوان "تحذير: أهلا بكم في أراضي الدولة الاسلامية".

هذا الفيلم فشل في توجيه نفس التأثير القوي الصادم (للدعايا الخاصة بالتنظيم المتشدد)، ومع ذلك فان رعاية الحكومة له أثار الشكوك لدى جمهور المشاهدين المستهدف.

يرى مايكل غارين، رئيس شركة "إيمج نيشن" للإنتاج السينمائي في أبوظبي إنه لا يمكن تغيير طبيعة الأفلام لأغراض دعائية مهما كانت دوافعه جيدة.

ويقول إن: "علينا أن نصنع أفلاماً يرغب الناس في مشاهدتها، وليس أفلاماً نريد منهم أن يشاهدونها. لا يمكنك أن تصنع فيلماً حسب الرسالة المطلوب إرسالها فقط، وقد حاولت هوليوود القيام بذلك بعد حرب العراق... كان الأمر مملاً ولم يرغب أحد بمشاهدتها".

صندوق "سند" هو ذراع تمويل مهرجان أبو ظبي السينمائي ويحظى باحترام كبير. يؤكد الصندوق أن قراراته ستستند فقط إلى الجدارة الفنية، وليس إلى الدوافع السياسية. وترى مديرة صندوق سند انتشال التيميمي أن "تلك الحلقة السياسية الأحدث ينبغي أن تجد صداها بين الناس قليلاً قبل رؤيتها في فيلم. إن صناعة أي فيلم تستغرق ثلاث سنوات في المتوسط من بداية مرحلة التطوير وحتى إنجازه. لا زلنا نرى أفلاماً عن الربيع العربي قمنا بتمويلها في العام 2011. لا أتوقع أن أرى تعبيراً جدياً عن الأزمة الحالية قبل العام 2017، إذ تكون الظروف عندها قد تغيرت مرة أخرى".

"لمسة إنسانية"

ويعلق عبد الرحمن سيساغو، المخرج الموريتاني الذي أخرج فيلم "تمبكتو" وحظي بإشادة كبيرة من النقاد في مهرجان كان السينمائي في وقت سابق من العام الحالي، قائلاً: "يحتاج صُنّاع الأفلام الى الحرية لتقديم رؤيتهم الخاصة، حتى وإن كانت عن الإرهاب".

يؤرخ الفيلم أحداثا وقعت في قرية في مالي بشمال أفريقيا بعد سيطرة إسلاميين متشدين عليها.

فيلم ’تُمبكتو‘ للسينمائي عبد الرحمان سيساغو، يؤرخ الاحتلال الوقتي لمدينة من قبل الجماعة المتطرفة، أنصار الدين (مجموعة كوهين للاعلام).

يؤكد سيساغو أنه : "يجب علينا ألا نخشى إظهار اللمسات الانسانية، حتى لدى الإرهابيين. لا اعتقد أن رجلاً شاباً يرتكب أفعالا مروعة لا يفكر في هذه الأفعال حينما يخلو إلى نفسه في الظلام بعد ذلك".

ويقول المخرج الفلسطيني الشاب عامر شومالي، الذي يشارك للمرة الأولى بعمل سينمائي في المهرجان، إن "الأفلام تؤثر حقاً في صنع القرار لدى الانسان. من المهم جداً أن نحطم القوالب المكررة داخل العالم العربي وليس فقط عالمياً. بتصويرنا للعرب إما كضحايا أو إرهابيين، فإننا نستبعد أولئك الذين يقعون بين هذه الصنفين ، بمعنى آخر (من يمثلون) معنى الإنسانية (المشتركة) حقا".

ويضيف "الكثير منا منعزلون عن تاريخنا... ويعتقد جيل الشباب بأن أمامه خيارين، إما أن يصبح ضحية وشهيدا، أو أن ينضمّ الى تنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام"، فيتحول الى سفاح. يمكن للأفلام أن تُظهر خياراً ثالثاً، وهو أنك تستطيع أن تصبح عضواً فعالاً في المجتمع ومسؤولاً عن حاضرك ومستقبلك. علينا أن نعيد الأمر إلى نصابه ، ونمنعهم من أن يلوذوا بالفرار للانضمام الى الأصوليين".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي باللغة الإنجليزية على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة