من عزرا باوند إلى سعيد عقل: مأزق القارئ بين جمالية الشعر و مواقف الشاعر"

مصدر الصورة Facebook
Image caption سعيد عقل الشاعر أثار الإعجاب والسياسي أثار الجدل

الشعر أم الشاعر ؟ قصائد الحب الرقيقة أم المواقف السياسية المثيرة للجدل ؟ أين يقف القارئ بين ضدَي المبدع ؟ ما هي العلاقة بين الشاعر الأمريكي الحداثي عزرا باوند والفاشية ؟ وهل أدلى شاعر الحب والجمال اللبناني سعيد عقل بتصريحات تطري الجيش الإسرائيلي وتطالبه "بتنظيف لبنان من آخر فلسطيني"؟ وهل لهذا صلة بالقيمة الجمالية لأشعار كليهما ؟

هل يستطيع القارئ أن يفصل بين جمالية النص ومواقف المبدع؟

هذا سؤال نقدي وفلسفي قديم، وليست هناك إجابة مطلقة عليه، فالمقاربة تكون بالضرورة محكومة بمفهوم القارئ (المتلقي) المتفرد من وظيفة الشعر، الأدب، الفن بشكل عام: هل هي وظيفة جمالية أم أخلاقية؟

المشترك

ربما نجد الكثير من العوامل المشتركة في جوهر النظرتين، إذا اعتمدنا المفهوم الأشمل لجمالية الفن.

هناك من يرى أن الإنسان يلجأ إلى الفن لاستكشاف آفاق جديدة للكون، واحتمالات لا تسعفه بها المقومات الملموسة للحياة.

هؤلاء لا يتوقعون من الفنان أن يتعامل مع قضاياهم السياسية والحياتية الراهنة، بل يريدون منه أن يسعفهم بفضاء إضافي لا يخضع للقوانين التي تشكل مأزقهم السياسي، الحياتي، الوجودي، فضاء يمنحهم حيزا حرموا منه وفرصة افتقدوها ضمن القوانين التي تحكم حياتهم العملية وتشل خطواتهم، وقدرتهم على التحليق بحرية فوق الحواجز.

السياسي، الأيديولوجي، المصلح الاجتماعي، كل هؤلاء يتعاملون مع الراهن والعملي في حياة الإنسان، يتحركون وفق قوانين اللعبة التي اختاروها، وهي قوانين تخدم البعض وتغبن الآخر.

في الفن اللعبة هي لعبة الخيال والقوانين هي قوانين الجمال، فلا مجال للغبن فيها.

ازدواجية المبدع، ازدواجية المتلقي

المبدع هو كيان مزدوج بطبعه، وكذلك المتلقي.

الشاعر يسعى وراء لقمة عيشه وكذلك وراء حوريات الشعر.

يدافع عن شرفة بيته، قيمه، ارتباطاته العشائرية، لكن في نصفه الأرضي فقط، فهناك نصفه الآخر، السامي، حيث يتحرر من كل تلك الاعتبارات وينطلق في إثر الجمال.

المتلقي كذلك: هو بحاجة إلى من "ينصره" في قضاياه الصغيرة والكبيرة، لقمة العيش، الحق في الوجود والكرامة، التفاعل مع شؤون القبيلة الأصغر والأكبر.

لكنه يريد ملاذا من كل ذلك، هروبا من الصدامية والخلاف والاختلاف إلى المشترك، من الذي يفرق إلى الذي يوحد، من الطبيعة الأرضية الخلافية إلى الماهية الأسمى، إلى الجمال.

كلاهما إذن كيانان، المبدع كما المتلقي، كيان "بشري" وآخر "إنساني"، مستويان من التفاعل.

يستطيع المتلقي في كيانه السياسي أن ينتقد عزرا باوند المحبط من جشع الرأسمالية وحروبها، أن يهاجم قناعاته المستجدة بأن "الفاشية هي عربة الإصلاح" كما كتب عنه، أن يعترض على لقائه موسوليني عام 1933، كما اعترض الكاتب أرنيست هيمينغواي في حينه.

لكن يستطيع كيانه الآخر أن يقيم صلة مع عزرا باوند الآخر، مع الغنائية المبطنة، لكن القوية، في قصائده، مع صوره الشعرية.

وسعيد عقل أيضا

وماذا يفعل المتلقي العربي المعترض على تصريحات عقل السياسية أمام جمال أشعاره ودهشة لغته ؟

هل يحضر عقل "السياسي" إلى وعي المستع إلى قصائده التي تغنيها فيروز؟

ألن يلاحظ أن عالمه الشعري مناقض تماما لفلسفته "القومية اللبنانية" المعلنة؟

حين يتأمل في قصائده التي غنتها فيروز "أحب دمشق" ، "عمان في القلب"، "غنيت مكة" ، لبنان"، وفي لغته الشعرية الفريدة أين سيجد "سعيد عقل المغرق في اللبنانية" الذي تشي به بعض تصريحاته وكتاباته غير الإبداعية ؟

نحن إذن أمام إشكالية معقدة عصية على التبسيط، ويمكن التعامل معها بحيلة فلسفية، وهي التسليم بأن كل شخص هو شخصان في الحقيقة، شخص "أخلاقي" وآخر "جمالي" ، ولتكن المواجهة بين النصفين المتجانسين في المبدع والمتلقي، لعل في ذلك "احتيالا" على الإشكالية، إن لم يكن حلا لها.

المزيد حول هذه القصة