رؤية نقدية: هل يصل فيلم "بين النجوم" إلى النجوم؟

مصدر الصورة Warner Bros
Image caption نولان أخرج ثلاثية "باتمان"

يتبع كريستوفر نولان ثلاثية أفلام "باتمان" الرجل الوطواط بفيلم ملحمة فضائية هو بين النجوم أو "انترستيلر". ولكن هل مضى حقاً إلى ما لم يصله مخرج آخر قبله؟.

نهاية العالم قريبة.. هذه هي الرسالة المتشائمة التي قدمها فيلم الخيال العلمي من هوليوود مؤخراً – وهذا النوع من الأفلام يصبح أكثر سوداوية أكثر فأكثر.

لسنين، شاهدنا أفلاماً تصور البقايا الرثة للجنس البشري وهم يتسكعون في أجواء مقفرة لما بعد سفر الرؤيا مثل: الطريق، أنا أسطورة، كتاب إيلي وغيرها من الأفلام. ثم شاهدنا في العام الماضي أفلام الجنة والنسيان وما بعد الأرض... ثلاثة أفلام متفرقة توحي بأنه يتوجب علينا الرحيل كلية عن الكرة الأرضية المدمَّرة وأن نسكن محطة فضائية أو كوكباً نائياً.

والآن يطلّ علينا بنفس السيناريو فيلم "بين النجوم" المذهل والمخادع، بكتابة واخراج مشترك لكريستوفر نولان، مخرج فيلمي فارس الظلام وبداية.

يقوم ببطولة الفيلم ماثيو ماكّونهي بدور كووب، وهو فلاح أرمل وأب لطفلين. يعيش كووب في زمن في المستقبل القريب حيث تغطي العواصف الترابية الدورية كل شيء بطبقة من الرمل... كما تقضي "آفة" غامضة على محاصيل العالم واحداً تلو الآخر.

إنه مستقبل تقشعر له الأبدان أكثر بكثير من الأحياء المقفرة التي نراها في أفلام الخيال العلمي النموذجية. يعود الأمر ببساطة إلى أنه يمكن التعرف عليها بسهولة أكثر: مجتمع لا يزال ينظم نفسه، معظم التكنولوجيا مألوفة لكن لم يتبقَّ للبشرية سنوات كثيرة.

ومع ذلك، فإن كووب ليس فلاحاً عادياً. كان يعمل كطيار اختبارات لدى وكالة "ناسا" الفضائية. ولما كان على الحكومات أن توظف جميع امكانياتها ومواردها لاطعام السكان، لم تعد أي منها قادرة على تمويل برنامج فضائي.

على كل حال، هذا ما يظنه كووب. في الحقيقة، وبعد نوبة لا بأس بها من الاكتئاب والجدل في الرواق الأمامي مع حماه (جون لثغاو)، يكتشف ان "ناسا" واصلت أبحاثها سرّاً. والأكثر من ذلك، انها رصدت ثقباً فضائياً قرب كوكب زحل قد يكون بمثابة بوابة للوصول الى مجرّة أخرى.

يعتقد كبير علماء أبحاث "ناسا" (مايكل كَين) بأنه يمكن تحديد موقع كوكب قابل للسكن فيه هناك ويطلب من كووب أن يقود رحلة الاستكشاف التالية لذلك الثقب الفضائي. تجبره هذه المهمة أن يترك خلفه أحبته الاثنين، ابنه وابنته –ربما الى الأبد، وبالتأكيد لعدة سنين.

لكن ما يدفع كووب هو أمران، أولهما أمله بانقاذ البشرية، وثانيهما دافعه لترك مقعد الجرارة الزراعية والعودة الى مقصورة مركبة فضائية. لذا يوافق على الانطلاق في الفضاء مع ابنة كبير الباحثين ذات الطبيعة العصبية (آن هاذوي)، وشخصين آخرين هما مساعدا طيار اضافة الى روبوتين متهكمين على شكل ألواح.

ليس من المناسب كشف وجهة مستكشفي المجرات هؤلاء أو ما سيجدوه، ولكنه من الانصاف القول، مرة أخرى، ان نولان قد أمسك بنوع جوهري من الأفلام واضاف اليها منظوراً وجدية تميزانه بين المنافسين. فقد كانت ثلاثية أفلامه "باتمان/الرجل الوطواط" تتسم بالفلسفة والمؤامرات المتشابكة أكثر منها تصويراً لبطل خارق.

على نفس الشاكلة، فإن فيلم "بين النجوم" عظيم ويقبل التحدي بما فيه الكفاية لمقارنته بفيلمين يعتبران صخرتا محك مثيرتان للمخيلة وهما ملحمتان من أفلام الخيال العلمي: "2001: أوديسة الفضاء" لكوبريك و "سولاريس" لتاركوفسكي.

مجرة الحياة

ما هو أكثر إثارة للاعجاب أن نولان لم يستعمل أية مؤثرات رقمية حديثة أكثر مما استعمله ذلك الفيلمان.

هناك بالتأكيد بضع لقطات مشوّشة للذهن تم توليدها بواسطة الكومبيوترات، لكنه يعتمد في معظم أجزاء الفيلم على الدعائم والمجموعات المادية والتصوير في مواقع اختيرت بحكمة (آيسلاند صُوٍّرت على انها كوكبان غريبان).

تعطي هذه الاختيارات فيلم "بين النجوم" إحساساً بالواقعية ومخاطر تصطك لها العظام لا تراها في ألعاب الفيديو (سي جي آي) البراقة في أحدث أفلام "ستار تريك".

وبنفس الأهمية، فإن موسيقى هانز زيمّر تجعل من الفيلم يبدو وكأنه أضخم من ذلك بدونه: يستحضر زيمّر المعنى الأصلي لعبارة ’عمل كل ما بوسعه‘، جاعلاً أسناننا تصطك عند سماع الموسيقى المدوية لجهاز الأورغن. والتمثيل كان متحمساً وقوياً مثل أي فيلم تشاهده لدراما تدور على سطح الأرض.

مصدر الصورة a
Image caption المخرج كريستوفر نولاند والممثل ليوناردو دي كابريو

أما ماكّونهي، المفعم بالنشاط بعد فوزه بجائزة أوسكار لفيلمه "نادي دالاس للمشترين"، فقد كان مؤثراً بشكل خاص. في أحد المشاهد، ينسلخ وجهه بالصدمة والحزن والفرح، ووجدت نفسي مستفسراً فيما اذا كان أي من أقرانه قادراً على إظهار هذه الشدة الصافية. توم كروز؟ ليوناردو دي كابريو؟ براد بيت؟ لا أحد ممن ذكرتهم.

يبدو "بين النجوم" مهيباً في معظم وقت مشاهدته، مع ان بعض المشاهدين سيتركون قاعة السينما بإحساس أنه كان حكاية لمعتوه عن الخيال العلمي. سينبع معظم ذلك الاحساس من الذروة الدرامية التي غمرتها طراوة ظلت متواصلة في فيلم ’بين النجوم‘، عدا أفلام باتمان. يجيد ماكّونهي إثارة الأعصاب خلال هذا المشهد الرئيسي المتسلسل... ولكنه مفتعل وعاطفي بحدود لا تجعله يتفوق على كُتاب ومحرري نص فيلم "دكتور هوو".

كما أن هناك دلائل أخرى أولية بأن "بين النجوم" ليس عقلانياً تماماً كما هو فيلم 2001 أو سولاريس. توجد لحظة مبتذلة في مقر ’ناسا‘ عندما يعلق أحدهم بأن كووب كان "أفضل طيار لدينا على الاطلاق" – فلِمَ لم يتصلوا به عاجلاً؟.

هناك مشاهد، في منتصف الرحلة، حيث يجلس أفراد طاقم المركبة الفضائية وهم يشرحون لبعضهم الآخر ما يبدو عليه الثقب الفضائي ويتجادلون عن الكوكب الذي يتوجب زيارته أولاً – ألم يكن الأحرى بهم أن يقرروا ذلك قبل مغادرتهم الكرة الأرضية؟.

وأكثر المشاهد الصارخة على الاطلاق هو مشهد خطاب على شاكلة الهيبيز لهاذاوي عن كيفية تخطي الحب لكل الحدود المادية. ليست أي من هذه اللحظات مزعجة (ربما، ما خلا خطاب هاذاوي)، ولكنها لا تليق بفيلمٍ يفكر أفراده بميكانيك الكمّ بالشكل الذكي الذي يصوره فيلم "بين النجوم".

يهمل نولان، بشكل أساسي، قاعدة متّبعة في أفلام الخيال وهي "بيّن ولا تقل": إنه لا يدع موضوعاً أو فكرة تمر دون توضيحها بالكلام للمشاهدين.

يُحتمل أنه رأى ان عليه إسقاط بعض الحوارات (والتي شارك بكتابتها مع اخيه جوناثان) ليعوض عن الأمور المعقدة الخاصة بتواصل الزمان والمكان.

كما يحتمل انه أراد فقط، بدواخل فؤاده، سرد حكاية لطيفة قديمة عن حب أب لأولاده. يبدو وكأنه يهدف الى الوصول الى مكان أكثر طموحاً من معظم صنّاع الأفلام في هوليوود... ولكن، بخلاف كووب وشركائه، لم يتمكن تماماً من المرور عبر الثقب الفضائي.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة