مناطق طبيعية في استراليا لم تطأها الأقدام من قبل

مصدر الصورة Richard Green

كان المنظر الطبيعي الذي يمتد أسفل أقدامنا يشع بالأضواء المتوهجة.

"جميل هذا المنظر، أليس كذلك؟" هكذا سألني رفيقي في هذه الرحلة؛ ريتشارد غرين، وهو رجل انجليزي غريب الأطوار، طاف فوق مختلف أنحاء استراليا على متن مروحيته الشخصية، التي يستخدمها على ذات الشاكلة التي يمكن أن يستخدم بها غالبية الناس الشاحنات الصغيرة ذاتية الدفع المخصصة لأغراض الرحلات والتخييم.

جميلة؟ ياله من سؤال، فقد عشت في استراليا على مدى ثلاثين عاما، ولم يسبق لي قط التأثر إلى هذا الحد بمرأى منظر طبيعي.

فالجبال التي تبدو كالقطيفة تلتف وتنساب كنظم القصيد. أما القمم والوديان فتومض مزدانة بالغابات التي تظهر كما لو كانت مرصعة بالجواهر.

وإلى جانب هذا وذاك، الإيقاع الذي ينساب به ذاك النهر ذو المياه سوداء اللون بطيئة الحركة، والذي يجري بين هذه الجبال، وتتدفق مياهه بين ضفتيه جيئة وذهابا على نحو هادئ ودقيق كالبندول. كل هذه المعالم لا تفصلها عن مدينة سيدني سوى رحلة بالطائرة لا تستغرق سوى 20 دقيقة.

ثم مال غرين بالمروحية ليلوح لنا مشهد ضخم لما بدا وأنه بحر دوّار من الغابات، كان يظهر لأعيننا من خلال زجاج النافذة.

مصدر الصورة Richard Green

وخلال الرحلة أشار غرين إلى نتوء صخري ينتهى على نحو حاد بجرف شديد الانحدار، قائلا إن هذه المنطقة – التي تتمتع بجاذبية خاصة لهواة التصوير - تحمل اسم "باك بيملو وولز". واستطرد الرجل بالقول: "لا يأتي الكثير من الناس إلى هنا".

أدركت سريعا أن رفيقي في الرحلة رجل يهوي إطلاق عبارات الاستهانة الساخرة بكل شيء. فمنطقة "باك بيملو وولز"، وهي جزء من منطقة "بلو ماونتياينز" المدرجة على قائمة التراث العالمي، لا تعد من بين أقل المناطق التي يشد الناس الرحال إليها فقط، لكنها تبدو أيضا خارج النطاق المسموح للعامة بزيارته.

وذلك نظرا لكونها تقع في بقعة ذات طابع بري وتضاريس دائمة التبدل والتحور، إلى حد جعلها في الماضي على وشك أن تبتلع أكثر من زائر شجاع لها.

فلا مشروعات لشق الطرق هناك، أو حتى طرق ممهدة للمشاة. وعلى مدار عدة عقود، ظلت هذه المنطقة محمية بكرا للأعمال الفنية التي أبدعها السكان الأصليون الذين عاشوا هناك في غابر الأزمان، وكذلك بقعة تشهد تنوعا كبيرا في الحياة البرية الموجودة فيها.

كما تحتوي على العديد من الأنواع النباتية المهددة بالانقراض. وفي واقع الأمر، ما من سبيل لدخول هذه المنطقة سوى من خلال استئجار مروحية، أو أن يكون لديك إحدى هذه المروحيات في حديقة منزلك.

مصدر الصورة Richard Green

وعلى مدى الأعوام العشرين الماضية، توجه غرين وزوجته كارول جوا إلى بعض أكثر البقاع النائية وذات الطابع البري في المناطق التي لا تزال بكرا في استراليا.

وخلال هذه الرحلات، توقف الزوجان حيثما شاءا بمروحيتهما التي أعداها على النحو الذي يلائم احتياجاتهما، لتصبح بمثابة شاحنة رحلات طائرة تحتوي كذلك على خيمة ومبرد (ثلاجة).

ومكّنت هذه المروحية الزوجين في كثير من الأحيان من "ركن" مروحيتهما على قمم الجبال أو داخل فوهات البراكين.

ونجم عن استخدام وسيلة الانتقال هذه ذات الطابع الفريد أمرين؛ أولهما مرور ريتشارد غرين وزوجته بالعديد من التجارب والخبرات غير العادية.

مصدر الصورة Robin Forsaith

ففي ذات مرة، حسبما يتذكر غرين، توقف الاثنان لتناول وجبة الغداء في وادٍ يغص بالزهور البرية. ويصف الرجل هذه اللحظات بالقول: "رغم ذلك شعرنا بأننا ندلف إلى حديقة سرية تعود إلى زمن سحيق وتقبع في مكان ناءٍ وقصي."

أما الأمر الثاني فيتمثل في تلك المكتبة المكدسة بصورٍ تظهر بقاعاً من المحتمل ألا تكون قد وقعت عليها عين بشرية من قبل.

ويعتبر غرين أن "المناطق الوسطى من استراليا تتسم بطابع بري للغاية". كلمات قالها رفيقي في الرحلة بينما كان يناور بمروحيته في الجو، على نحو لا مبالٍ، عبر خيوط أشعة الشمس الذهبية، وذلك في ملمح آخر من ملامح استهانته بالمخاطر.

ورغم أن مساحة قارة استراليا تقارب المساحة التي تشغلها الولايات المتحدة، فإن استراليا تعد ثالث أقل دولة اكتظاظا بالسكان على وجه الأرض. ويقطن غالبية سكانها، البالغ عددهم 22 مليون نسمة، في المناطق الساحلية من أراضيها.

كما أن المناطق الداخلية في استراليا ليست برية فحسب، وإنما تكاد تخلو تماما من أي ملمح من ملامح الحياة الإنسانية الحديثة.

مصدر الصورة Robin Forsaith

ويؤكد ريتشارد غرين وهو يهز رأسه أن "90 في المئة من الاستراليين لن يتوجهوا على الإطلاق (إلى مثل هذه المناطق) طيلة حياتهم."

ويعتبر أنه وزوجته "محظوظان للغاية لرؤية تلك الأشياء التي شاهدناها".

ولكن بطبيعة الحال، ليس الحظ هو العامل الوحيد الذي لعب دورا في قصة هذا الرجل.

فجني مال وفير من خلال العمل في صناعة الكمبيوتر المزدهرة كان يعني إتاحة الفرصة لغرين لكي يتقاعد في سن التاسعة والأربعين، وهي سن مفعمة بالحيوية والنشاط.

وبلهجة نصف مازحة، أضاف غرين قائلا: "القدر المتبقي من اللوم يمكن أن يُلقى على عاتق (فيلم) التمساح دانديي،" في إشارة إلى الفيلم الذي قام ببطولته في ثمانينيات القرن الماضي الممثل بول هوغان، وتدور قصته حول رجل استرالي يعمل صيادا للتماسيح ويعيش في منطقة نائية من بلاده.

ويمضي غرين قائلا :"أطفالي كانوا قد شبوا تقريبا، وكنا قد انفصلنا؛ أنا وزوجتي السابقة. وشاهدت ما كان يفعله هوغان، وفكرت’ يا إلهي، هذا الأمر يصلح لي‘."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel.

المزيد حول هذه القصة