جولة في "وادي الفراشات" في تركيا

مصدر الصورة Paul Biris..Getty

بعد أن وصلنا بالقارب إلى وادي الفراشات قبل الغروب بساعتين، كانت الشمس تنشر أشعتها فوق مياه البحر المتوسط، وتجعل لونها رائعا، وكانت أيضا تغطي الجدران الصخرية المنتشرة على الشاطئ والتي تعزل ذلك الوادي عما حوله.

كان الشاطئ خاليا تقريباً، وكانت المياه هادئة بما يكفي لتجنب الارتطام بالصخور المحيطة. وعندما دنت الشمس، ألقيت بنفسي في المياه وبدأت أسبح فيها.

يأوي وادي الفراشات، الذي تبلغ مساحته 86 ألف متر مربع، ما يقرب من 100 نوع من الفراشات؛ منها البرتقالية اللون الأصيلة، ومنها السوداء، ومنها فراشات "نيوجيرسي تايجر" البيضاء.

ويقع وادي الفراشات في طريق "ليسيان واي" الممتد لمسافة 500 كيلو متر، ولا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق البحر.

وهناك شلال هادر ينحدر من الوادي الضيق من ارتفاع 350 متراً إلى نهر رقيق يروي الأشجار البسيطة التي تزهر بأوراق اللافندر العطرة، وهي البيئة الطبيعية للفراشات.

مصدر الصورة Paul Biris..Getty

وقد اعتبرت الحكومة التركية الوادي محمية طبيعية عام 1987 لحماية الفراشات والزهور المحلية هناك، وهو إجراء أدى إلى حماية الوادي من أن يلقى مصير منتجع "اولدينيز" (أو البحيرة الزرقاء) المجاور، وهو منتجع ساحلي شهير على بعد خمسة كيلومترات شمالاً، والذي يعج بالسياح من كل حدب وصوب.

لم يكن منتجع "اولدينيز" معروفاً إلى أن بدأ المسافرون يقيمون خيمهم به في فترة الثمانينيات من القرن العشرين. أما اليوم فقد بات مثالا للجنة المفقودة، ويبعث على انقباض النفس. فالمدينة تعمها أضواء النيون البراقة، والمطاعم على الطراز الإنجليزي، والبحر يمتليء بالسفن الشبيهة بسفن القراصنة، والسفن التي تحولت إلى حانات للشراب.

ويعج الشاطيء بالسياح المخمورين، كما أن السماء الصافية شابها التلوث جراء الطائرات الشراعية التي تنطلق من الجبال الخضراء المحيطة بشكل مستمر.

مصدر الصورة Brad Cohen

وفي مقابل ذلك، اشترت هيئة تنمية السياحة في تركيا وادي الفراشات من سكان قرى فاراليا عام 1981، ودشنته للسياحة عام 1984 وبعدها بثلاث سنوات، وعنما أعلنت الحكومة وادي الفراشات محمية طبيعية، حظرت الهيئة إقامة المباني ذات الصفة الدائمة فوق أرضه.

ولا يُسمح اليوم إلا بإقامة الخيام والأكواخ التي يمكن إزلتها، كما ركزت السلطات المحلية على تنمية الحياة الطبيعية في المنطقة في مقابل تحقيق المكاسب التجارية. وتنمو هنا أشجار الزيتون، والليمون، والرمان، والبرتقال، والعنب، والكستناء، والخوخ، والبرقوق، والنخيل، والدفلي، ونبات الغار.

ولمدة ثمانية أشهر في العام، فيما بين ابريل /نيسان ونوفمبر/ تشرين الثاني، تهبط على الوادي مجموعة صغيرة ومتنوعة من الشباب والسياح المتجولين، حيث تعرف أوقات النهار بشروق الشمس وبتدريبات اليوجا، وتعرف الأمسيات بالموسيقى الصاخبة التي تنطلق طوال الليل.

مصدر الصورة Brad Cohen

وما أن يحل منتصف النهار وبعد أن تذهب القوارب التي تمكث بضع ساعات، يخلو وادي الفراشات لأولئك الذين يريدون قضاء الليل على ضوء النجوم بعيدا عن صخب وفخامة المعيشة في اولدينيز المجاورة.

وفي الأيام الأربعة التي قضيتها هنا لم أشاهد جهاز كمبيوتر أو هاتف محمول، ولعل ذلك يعود إلى أن الكهرباء هنا تدخر لتشغيل العديد من مناطق تناول الطعام. وتقدم وجبات الطعام العائلية الطازجة مرتين في اليوم، ويتم تناول الوجبات على موائد جماعية تحت خيمة من كروم العنب.

وتتألف وجبات الإفطار من طعام البحر المتوسط؛ الجبن والزيتون والقثاء، والطماطم. أما وجبة العشاء فتتألف من المأكولات التركية النباتية في معظمها.

وفي طرف من الشاطيء يجلس السكان المؤقتون في حانة بنيت داخل الصخور، ويتناولون الجعة. وقرب نهاية اليوم يرقبون الشمس وقت الغروب. وفي الطرف الآخر من الشاطيء وتحت ظلال خيمة مطعم للأسماك، يستريح المسافرون من حرارة الشمس وهم يستمتعون بتناول الأسماك والمأكولات البحرية الطازجة من البحر مباشرة. وإلى الجوار، يوجد متجر لأدوات الغطس يحتوي على اسطوانات الهواء وبدل الغطس.

مصدر الصورة Brad Cohen

ووراء حدود الشاطيء هناك من يجدون في أنفسهم الجرأة على تسلق حائط الشلال المؤدي إلى الوادي من خلال حبال رأسية تقريباً. بل ويستخدمون الحبال في الوصول إلى أماكن أعمق تؤدي بهم إلى قرية فاراليا، والتي توفر مشاهد عامة للوادي الواقع تحتها مباشرة.

وفي قرية فاراليا، توجد منصة خشبية تعمل كحانة مؤقتة لهواة المشي من وادي الفراشات نهارا،ً ولمن أراد أن يقطع رحلة عبر طريق ليسيان واي، والذي يمتد بطول 500 كيلومتر.

ويعد وادي الفراشات بالنسبة للبعض منتجعا سنويا، ومكانا للهروب من حياة المدن الصاخبة لبضعة أسابيع أو أشهر، وهو بالنسبة لآخرين مجرد زيارة لمرة واحدة لمكان يبدو أنه واقع خارج نطاق التاريخ والزمن.

حيث تتحول الدقائق فيه إلى ساعات، والساعات إلى أيام، ويمكنك أن تكون في أي مكان في العالم، لكن ليس في هذا العصر. ومن الصعوبة أن تصدق أن وادي الفراشات موجود في أي مكان على الإطلاق.

المزيد حول هذه القصة