سريلانكا بعد عشر سنوات من كارثة تسونامي

مصدر الصورة Getty

يمكن أن يتجسد صوت الطمأنينة في أوجه شتى. ففي ضواحي بلدة هيكادوا السريلانكية الساحلية، يتبدى هذا الصوت في ضجيج القرويين الذين يمارسون نشاطهم اليومي في تنظيف شرفات المنازل في إيقاع متناغم.

في كل صباح، يخرج سكان البلدة إلى الشرفات المفتوحة وهم يحملون مقشاتهم، وينهمكمون في إزاحة الأتربة المتناثرة، ويسمحون لضوء النهار بالدخول إلى ديارهم.

وجدت نفسي مؤخرا أنصت إلى هذه الطقوس الصباحية، وأنا جالسة في شرفة تغطيها أشجار الجوافة، مستذكرة أول زيارة قمت بها إلى هذه البلدة الساحلية الصغيرة قبل نحو عقد من الزمان.

وصلت إلى هناك بوصفي مراسلة صحفية، وذلك بعد أيام قليلة من وقوع موجات المد العاتية المعروفة باسم (تسونامي)، التي ضربت سريلانكا في 26 ديسمبر/كانون الأول 2004، مما خلّف أكثر من 35 ألف قتيل، وجعل الساحل الجنوبي للبلاد أشبه بمناطق جرداء مقفرة على سطح القمر. وتلاشت أصوات الأنشطة التي كان يمارسها السكان خلال حياتهم اليومية، خلال جهود البحث عن ناجين.

لكن الكارثة الأكبر التي حلت بإندونيسيا وخلفت أكثر من 130 ألف قتيل جراء (تسونامي)، طغت على ما جرى في سريلانكا، إذ لفتت تلك الكارثة اهتمام وكالات الإغاثة ووسائل الإعلام الدولية، بعيدا عن محنة الناجين السريلانكيين.

ومع ذلك، فخلال زيارتي الأولى لسريلانكا، قضيت فترة بقائي هناك وأنا اتنقل بين سلسلة من معسكرات الإغاثة التي أقيمت على طول الساحل الجنوب غربي لهذا البلد. وروى لي الناجون، الذين كانوا يسعون للحصول على الماء والغذاء، قصص المحن التي مروا بها.

فهذه أسرة فقدت ثلاثة أطفال وزوجة، وأخرى فقدت خمسة من الأحفاد. بعض الناس كانوا يجولون في الشوارع المدمرة، وقد لفهم الذهول وسط الركام، بينما كان أفراد فرق الإغاثة يعكفون على إزالة الأنقاض التي طمرت أحياء بكاملها.

نمو اقتصادي

يُضاف إلى ذلك، أن سريلانكا في ذلك الوقت كانت في خضم حرب أهلية لم يُسدل ستارها حتى عام 2009، بعد 26 عاما من القتال الذي أودى بحياة أكثر من 70 ألف شخص.

مصدر الصورة Getty

وخلال السنوات العشر التي أعقبت الكارثة، شهدت سريلانكا نموا اقتصاديا متسارعا. وغص الساحل الجنوبي لهذا البلد بالكثير من المشروعات السياحية الجديدة، ولم تكن هناك قيود قانونية ظاهرة تقيد وتيرة البناء العقاري المتسارعة.

فهناك تصطف الحانات على الشواطئ، وتمتد الطاولات حتى آخر نقطة تلتقي فيها مياه المحيط بالرمال. وفي هذه الذكرى العاشرة لوقوع الكارثة، يرنو السريلانكيون إلى المستقبل.

لسنوات طويلة، كنت أتوق إلى العودة إلى سريلانكا لرؤية المشهد في الجزيرة في مرحلة ما بعد تسونامي، وكذلك في أعقاب انتهاء الحرب الأهلية، ولأجول أيضا في البلدات والمدن التي أعيد إعمارها. ولهذا الغرض، استأجرت مكانا للإقامة في الجانب الذي يقع بداخل الأحراش من بلدة هيكادوا التي تقع على بعد نحو 100 كيلومتر من العاصمة السريلانكية كولومبو.

هناك توجد مجموعة من المنازل والمحال التجارية التي تتألف جميعا من طابق واحد، والتي شيدت في هذه المنطقة الغنية بمظاهر الحياة البرية، بعيدا للغاية عن ساحل المحيط الهندي.

وقد أصبحت هذه الأبنية المطلية بألوان براقة، والتي شيدها القرويون الذين فروا إلى المناطق الداخلية بعد تسونامي، الضاحية الأكثر نموا من الناحية العمرانية في البلدة، وهو ما يشكل علاجا جديدا لمشكلة الاكتظاظ الهائل في المناطق الواقعة على الساحل، والتي تعاني كذلك من التنمية العمرانية المفرطة.

لكن هيكادوا، التي كانت يوما ما مقصدا لرحالة بوهيميين من قبيل ميم سكالا – الذي كان وكيلا لعدد من الفنانين الموهوبيين في لندن في ستينيات القرن الماضي كما كان معروفا بكتابة المذكرات أيضا – باتت الآن في صورة أقل تألقا مما كانت عليه قبل وقوع كارثة تسونامي، كما أن عمليات إعادة الإعمار هناك تجري على وتيرة غير منتظمة.

تذكار

يمكن لزائر البلدة أن يصادف مبنى دمرته الأمواج وتركت بصماتها عليه، لا يزال يقف وسط الأبنية التي شيدت حديثا، ليمثل تذكارا نادرا للدمار الذي حل بالمنطقة جراء تسونامي.

مصدر الصورة Getty

لكن ثمة أشياء أخرى لم تتغير. فالمنتجعات التي تحوي محالا تجارية تفصل الجدران في ما بينها تبدو أكثر انتشارا من الحانات الشاطئية وأكواخ الأرز المحلية الأقل حجما والأكثر حميمية في الوقت نفسه.

وعلى طول الشارع الرئيسي سيء السمعة في البلدة؛ الذي يصل ما بين العاصمة كولومبو ومدينة غالي، لا تزال السيارات والشاحنات والمركبات الصغيرة المعروفة باسم (توك توك) تسير بسرعات عالية في مسارات محددة على نحو دقيق، تتقارب فيها المركبات إلى حد أنها تشارف الاصطدام ببعضها البعض.

للوصول إلى مكان إقامتنا في هذه البلدة، كان يتعين علينا إدارة ظهورنا للشاطئ والمضي إلى الداخل لمسافة ثلاثة كيلومترات نقطعها بالسيارة، لنجد أنفسنا في مجمع قليل الشأن من المنازل منخفضة المستوى وسط زحف كثيف من الأشجار. هناك في منطقة ظليلة جرى قطع أشجارها بعناية، كان يوجد منزل "أودايا"، ذاك الرجل الذي أجر لنا المنزل الذي كنا نقيم فيه.

على الجانب الآخر، كان هناك المنزل الذي أقمنا فيه لسبعة عشر يوما قضيناها في تلك البلدة، وهو بيت صغير بشرفة واحدة، وبه ستارة مطرزة تعمل بمثابة باب للمرحاض.

وبعيدا عن أجواء الافتقار للخصوصية، كانت هناك سبل للراحة الراقية؛ من قبيل تليفزيون مزود بخدمة استقبال القنوات عبر نظام الكوابل، ونظام لتكييف الهواء، وصنابير رشاشة للاستحمام بالماء الساخن تعمل بالطاقة الشمسية، فضلا عن مراوح سقف وأَسْرة جرى تصنيعها بذات الصرامة في المعايير التي تتبعها أي سلسلة فنادق محترمة.

"لوكو" زوجة أودايا، كانت تعد لنا طعام الإفطار في أيام عطلتها. واستذكرت السيدة يوم أن اجتاحت الأمواج البلدة، عندما كانت في سوق الأحد القريب من وسط هيكادوا، وكيف أسرعت الخطى لتسابق الأمواج الزاحفة، ثم تسلقت أحد الجدران للنجاة بحياتها. وتقول: "لم يكن العديد من الناس محظوظين بهذا القدر".

مصدر الصورة Getty

ولا تزال لوكو تقوم بزيارات أسبوعية لهذا السوق، الذي يمثل لوحة حية تتألف من صواني وطاولات طويلة تزخر باللعب البلاستيكية وثمار (البابايا) والسراويل الداخلية المستوردة، والأسماك المجففة، وكعك الشيكولاته، بجانب حلوى جوز الهند، فضلا عن كل ألوان الخضروات.

متحف صور تسونامي

خلال فترة إقامتنا التي تجاوزت الأسبوعين، زرنا السوق مرتين لشراء كميات من الفلفل والطماطم (البندورة) والأرز والباذنجان ذي الحجم الصغير. وبينما يقوم البائعون بلف الأسماك وتعبئة أصابع الموز في أكياس للمشترين، تنشد سيدات مكفوفات البصر أغاني مقابل الحصول على عملات نقدية من مرتادي المكان.

وفي تلك الفترة، أصبح التلويح لسائقي مركبات الـ"توك توك"والمساومة معهم على أجرة التنقل، بمثابة سبب جديد لبقاء زوجي على قيد الحياة. أحد هؤلاء السائقين أقلنا إلى متحف صور تسونامي الكائن في منطقة تلواتا الواقعة على بعد خمسة كيلومترات إلى الشمال من هيكادوا، وذلك في بقعة اجتاحت فيها أمواج المحيط قطارا كان يغص بمئات الركاب.

المتحف في الأساس هو بيت من طابق واحد يحتوي على صور مقتطعة من الصحف تظهر ملامح الكارثة ومشاهد لجهود الإغاثة، بجانب لوحات مكتوبة بخط اليد، وأعمال فنية أبدعها الأطفال.

على أي حال، لم تدع عمليات إعادة الإعمار والتطوير السريعة والنشطة التي شهدها الساحل الجنوب غربي لسريلانكا سوى فسحة ضئيلة للمظاهر المادية الملموسة المكرسة لاستذكار كارثة تسونامي وتبجيل ذكراها.

أحد هذه المظاهر توجد في قرية براليا، الواقعة على بعد كيلومتر واحد من تلواتا. هناك ينتصب تمثال لبوذا، حصلت عليه سريلانكا منحة من اليابان. وينتصب التمثال مُشرفاً على بحيرة هادئة في القرية، ما يجعل المكان بقعة وادعة لاستذكار الكارثة.

وبالقرب من التمثال، يوجد مجسم للشاطئ يتسم بجمال أخاذ يدفع المرء للتفكر وتذكر ما حدث بأسى. ويصور المجسم التشتت الفوضوي، الذي حل بالناس وعربات القطار الذي اجتاحته الأمواج.

أما في مدينة غالي، التي كانت تشكل ميناءً في حقبة الاستعمار البرتغالي للبلاد وتقع على بعد 17 كيلومترا من هيكادوا، فيقع فندق "جيت وينغ لايت هاوس"، الذي شكل نقطة تجمع للمراسلين الصحفيين، الذين قدموا إلى هنا لتغطية أنباء ما خلفته أمواج تسونامي من دمار.

بالنسبة لي، وبعدما كنت أسير لساعات في شوارع المدينة أخوض خلالها في غمار المياه المالحة وأمر عبر المباني المدمرة، كان يبدو الفندق ملاذا لم يُمس على نحو مخيف، فأرضياته المرتفعة عن سطح الأرض لم يلحق بها سوى القليل من الدمار.

ويتذكر درسيكا داياناندا، المسئول عن الحجوزات في الفندق، تلك الأيام قائلا: "فجأة؛ دخلت هذه الكلمة – تسونامي – إلى مفردات لغتنا". وقد أدت الكارثة إلى مقتل أحد موظفي الفندق،الذي يعمل فيه 250 موظفا. كما فقد موظفون آخرون منازلهم وأقاربهم.

مصدر الصورة Getty

وقد قضى داياناندا الأيام المحمومة التي أعقبت وقوع الكارثة يسهر على راحة موظفي الفندق الذين أصابهم الذهول من هول ما جرى، والضيوف الذين تقطعت بهم السبل، فضلا عمن قدموا إلى المنطقة في شكل تدفق مفاجيء من العاملين في وسائل الإعلام ووكالات الإغاثة.

مهرجان

وفي الأيام الأخيرة من زيارتي الأولى لسريلانكا، زرت كبير الرهبان في إقليم كالوتارا الواقع غربي البلاد. وقتذاك، كان الناجون يحاولون بلورة معنى روحاني لما حاق بهم من خسائر، وتدفقوا لهذا الغرض على معابدهم المحلية. كان كبير الرهبان يرى أن مجموع الآثام التي ارتكبها جميع البشر ربما "تسببت في تحريك الصفائح (الأرضية)"، ما أدى لوقوع كارثة تسونامي.

ولكن بعد عشر سنوات على هذا التقويم الكئيب، كان لدى أحد الرهبان في هيكادوا توقعات أكثر تفاؤلا إلى حد بعيد.

وخلال مهرجان بوذي أقيم في معبد "كوماراكاندا فيهارا"، تحت وابل من الأمطار الصيفية، بمناسبة اكتمال القمر بدرا، انضممنا إلى مسيرة كان كل المشاركين فيها حفاة. وفي ذلك الوقت، طفنا حول الأضرحة الهائلة الموجودة في المعبد وقمنا بإيقاد مصابيح زيتية. حينها، أخذت أفكر في الناجين الذين التقيت بهم قبل سنوات، وفي ما قد يكون حل بهم.

خارج المعبد، أثار فنانو الألعاب البهلوانية والراقصون بالنار -ممن يقدمون استعراضات تعود إلى ما يُعرف بحقبة "ما قبل رافاييل"- حماسة الحشد الهادئ بداخل خيمة أعدت على شكل سيرك. وفي مقابل الحصول على بعض التبرعات المحدودة، أدى مغنون ريفيون أغنيات أعدت خصيصا لتلائم المناسبة، وذلك من فوق خشبة مسرح صغيرة.

عندما سألت عن المفاهيم البوذية الخاصة بالحياة الآخرة، رد عليّ راهب المعبد - بابتسامة مشوبة بمسحة من السعادة وربما بالإنهاك الذي برع في تقمصه – ثم قال مؤكدا أننا جميعا سنعود إلى هذه الأرض لنحيا مرات عديدة أخرى.

وبينما كان وابل الأمطار ينهمر في الخارج، وأحد راقصي النار يلتهم شعلة لهب أخرى زرقاء اللون، لم يكن بوسعي سوى التفكير في توقعات أفضل للمستقبل.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel.

المزيد حول هذه القصة