كيف تتنبأ أفلام السينما بالمستقبل؟

مصدر الصورة Moviestore collection Ltd Alamy
Image caption في بداية فيلم "العودة إلى المستقبل-2"، ينطلق مارتي ماكفلاي (يمثله مايكل جَي. فوكس) ودوك براون (يمثله كريستوفر لويد) عبر الزمن إلى عام 2015

قدم الجزء الثاني من فيلم "العودة إلى المستقبل" (Back to the Future) صورة للعالم في عام 2015، لكن إلى أي مدى كان الفيلم محقا في رؤيته؟ الصحفي نيكولاس باربر يلقي نظرة على كيفية استعراض صانعي الأفلام لعالم الغد.

إننا نعيش في المستقبل، رسمياً. في بداية فيلم "العودة إلى المستقبل-2"، ينطلق مارتي ماكفلاي (يمثله مايكل جَي. فوكس) ودوك براون (يمثله كريستوفر لويد) عبر الزمن إلى عام 2015. وقد بدا هذا التاريخ بعيد المنال بشكل خرافي، عند أول عرض للفيلم في عام 1989.

وعندما يصبحان في المستقبل، يعلم مارتي بانتفاء الحاجة إلى المحامين، وتجف الملابس من تلقاء نفسها، ويمكن للتنبؤ بالطقس أن يعلمك على وجه الدقة بالثانية التي يتوقف فيها المطر عن الهطول.

والأهم من ذلك، بالنسبة لجيل من المعجبين الشباب، كان الفيلم ضمانة مؤكدة بأننا بحلول عندما نصل إلى 2015، سنمتلك ألواحاً طائرة تتحدى الجاذبية، وسيارة دي-لوريانس الطائرة أيضا. لم يكن الأمر كذلك؛ فما لم تتقدم الصناعة بشكل كبير خلال الشهور الأحد عشر القادمة، فان فيلم "العودة إلى المستقبل-2" يكون قد ضللنا جميعاً.

ومن باب الإنصاف، لم يخطئ مخرج الفيلم، روبرت زيميكس، أو المؤلف المشارك بوب غيل، كثيراً في تكهناتهما. لم يتكهّنا بالهواتف النقالة، وكانا مخطئين بأن كل بيت سيحوي عدة أجهزة فاكس في عام 2015. إلا أنهما أعطيا عائلة ماكفلاي بعض التقنيات التي تشبه إلى حد كبير برنامج "سكايب" و "غوغل غلاس".

أضف إلى ذلك، كان زيميكس وغيل صريحين على الدوام بأن أولوياتهما كانت مجرد تخيل لعامٍ مسلٍّ في 2015، وليس تصوراً صائباً له. وفي الحقيقة، فقد أصابا النقطتين: إذ يتضمن مستقبلهما الخيالي العديد من العناصر التي تحققت، بينما كان العديد منها مبهجاً إلى درجة أنه كان ينبغي تحقيقها. فكيف إذاً عملا على ابتكار مثل تلك العناصر؟

مصدر الصورة Moviestore collection Ltd Alamy
Image caption شكل فيلم "أوديسا الفضاء 2001 " نقطة فاصلة في تاريخ أفلام الخيال العلمي.

يقول كيث م. جونستن، وهو مؤلف قصة فيلم الخيال العلمي مقدمة نقدية: "هناك طريقتان مختلفتان لتخيل المستقبل في الأفلام. إحداهما هي تقديم توقعات رصينة ودقيقة، كما في فيلم ’2001: أوديسة الفضاء‘ وفيلم ’تقرير الأقلية‘. عندما كان ستيفن سبيلبيرغ يصور ذلك، جمع عددا من العاملين في مجال علم المستقبليات وسألهم، ’كيف سيبدو المستقبل؟‘. هل ستكون هناك أجهزة مسح لحدقة العين؟ وكيف ستعمل؟‘".

أما النهج الآخر فهو ليس إلا تخيل الكثير من التسلية، وهذا ما قدمه فيلم "العودة إلى المستقبل-2". لم يضع صناع الفيلم ألواحاً طائرة لمجرد أنهم تصوروا وجودها في عام 2015، ولكنهم وقاموا بذلك فقط لكي يعكسوا لقطات مارتي وهو يطير على لوحة طائرة، كما جرى في الجزء الأول من الفيلم.

"مبالغ فيه"

لكن حتى وإن لم يكن القصد من أي فيلم من أفلام سينما المستقبل ليس إلا تقديم صورة هزلية، فلا بد له أن يكون معقولاً بما يكفي لكي يتقبله المشاهدون. وفي هذا الصدد، يبرز تخيل زيميكس وغيل للمستقبل باعتباره واحداً من بين أفضل التخيلات التي قدمت.

ويرى روبن ستوت، وهو المؤلف المشارك لدليل الأفلام الكلاسيكية لمعهد الفيلم البريطاني، بشأن فيلم "العودة إلى المستقبل-2" أن أحد الجوانب الرئيسية للفيلم هي تعدديته الثقافية: إذ يُطرد مارتي وهو في منتصف العمر من العمل من قبل مديره الياباني، وفي ذلك تنبؤ بتأثير الاقتصاديات الآسيوية على الشركات الأمريكية.

ويضيف: "يسهل إجراء تغييرات جمالية عندما تخطط لصناعة أفلام عن المستقبل. لكن عليك أن تأخذ في الحسبان كيف يمكن للمجتمع نفسه أن يتغير أيضاً، وإلا، فإنك ستحصل على كاريكاتير مبالغ فيه للحاضر بدلاً من رؤية نافذة للمستقبل".

ويتابع: "على سبيل المثال، فيلم ’عندما تصدم النجوم‘ هو عن كارثة خيالية وأنتج عام 1951، لكن نرى في هذا الفيلم، بشكل واضح، غياب الناس من غير الجنس الأبيض. كما يبدو أن الكثير من أفلام الخيال العلمي الأخرى ترى بمنظار ضيق ما ستؤول إليه الإنسانية التي ستصل إلى النجوم".

مصدر الصورة Pictorial Press Ltd Alamy
Image caption إن أحد الأساليب البارعة كي تكون حضارتك المستقبلية صدىً لما هي عليه حالياً، هو أن تُصوِّر فيلمك في أماكن موجودة الآن.

كانت خدعة زيميكس هي في تشخيص أمر يحصل على أرض الواقع، مثل نمو الشركات اليابانية، وتضخيم ذلك لاحقاً. بإمكانك أن ترى استخدام تكتيك مشابه، لكن بانطباع أكثر تشاؤماً، في أفلام الخيال العلمي البائسة في سبعينيات القرن الماضي. فمثلا، تدور أحداث فيلم "الكرة الدوارة" في عام 2018، وأحداث فيلم "رقائق البسكويت الأخضر" في عام 2022.

لا يتوقع أن يحصد أي منهما أية جوائز للتكهن بالمستقبل، إلا أن القلق المشترك في الفيلمين من الزيادة السكانية، والتغيرات المناخية، وهيمنة الشركات المتعددة الجنسية، له أصداؤه في عالمنا اليوم.

إنها استراتيجية تعود إلى بدايات أفلام الخيال العلمي. "رأيت حفنة من الأفلام الصامتة للعقد الثاني من القرن العشرين،" كما يروي جونستن، مضيفاً: "وتجد فيها شخصية مشابهة لـ ’ريب فان ونكل‘ حيث ينام مئة عام ثم يستيقظ ليجد نفسه في مجتمع تقوده النساء. وعلاوة على عدم كونها دقيقة، سحرت هذه الأفلام المشاهدين لأنها كانت رد فعل على حركة المناداة بمنح المرأة حق الاقتراع".

ويضيف: "قام معظم أفلام الخيال العلمي اللاحقة بأشياء مشابهة. كانت متجذرة في أرضية زمنها ذاك، لأن المستقبل الوحيد الذي يمكننا تخيله هو ذلك الذي يشابه مجتمعنا".

والحال كذلك، ليس بمقدور أفلام المستقبل أن تكون غريبة جداً. ويقول جونستن: "ينبغي للمشاهدين أن يتعرفوا على أشياء من حياتهم هم قبل أن يتقبلّوا شيئاً جديداً. في فيلم ’إيه آي: الذكاء المطصنع‘، يعرّفنا سبيلبيرغ على كافة أشكال المفاهيم السحرية، ولكنه مزجها مع أبنية ومواد يمكن التعرف عليها وتمييزها".

"مجرّة بعيدة جداً"

ويعتقد مارك بولد، مؤلف "رتليدج: مرافقك للخيال العلمي" أن خلط ومجانسة أشياء من فترات زمنية مختلفة هي ما يُبرز أفلام المستقبل السينمائية ذات المصداقية الأكثر. يقع فيلما ’بليدرنر‘ و ’العودة الى المستقبل‘ من ضمن هذه الأفلام.

ويقول بولد: "تميل أفلام الدراما التاريخية إلى ارتكاب خطأ باستعمال أزياء وركائز تعود لسنة معينة تدور فيها الأحداث".

ويضيف: "بينما عمد فيلم ’صائد الجرذان‘ للمؤلفة والمخرجة لين رامزي، الذي تدور أحداثه في مبان سكنية في غلاسكو عام 1973، إلى ملء البيوت بمواد تعود إلى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، تماماً كما تبدو عليه بيوت الناس الحقيقيين".

ويتابع بولد: "اعكس هذا النهج وستجد أنه يمكنك بناء عالم مستقبلي مبنيّ على نفس الارتباك الذي لدينا. في نهاية المطاف، متى ما امتلكنا جميعاً ألواحاً طائرة أواخر هذا العام، فسيظل الكثير من ألواح التزلج العادية موجوداً حولنا".

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption يسهل إجراء تغييرات جمالية عندما تخطط لصناعة أفلام عن المستقبل.

إن أحد الأساليب البارعة كي تكون حضارتك المستقبلية صدىً لما هي عليه حالياً، هو أن تُصوِّر فيلمك في أماكن موجودة الآن. عندما أراد تاركوفسكي من بطل فيلمه أن يقود سيارته عبر مدينة المستقبل في فيلم "سولاريس"، قام ببساطة بتصوير لقطات الفيلم في مكان جديد في طوكيو.

وفي فيلم "ألفافيل"، قام غودار بتصوير لقطات في منطقة المباني العصرية في ضواحي باريس. أما سبايك جونز فقد أعطى فيلم "هير" أجواء غريبة لكنها مألوفة أيضاً، عبر تصوير لقطاته الخارجية في شنغهاي.

وبشكل ما، يعد فيلم "العودة إلى المستقبل- 2" هو مثال آخر لذلك، إذ يُبقي زيميكس على ميدان بلدة ’هيل فالي‘، من الجزء الأول للفيلم، لكنه يجعله عصرياً ويزينه بألواح رقمية وأسماك قرش مجسّمة.

وفيما يخص تقنيات المستقبل، مثل هواتف الفيديو وشاشات التلفزيون المسطحة لعائلة ماكفلاي، فكان ضرورياً لها أن تستند على خلفية منطقية على الأقل. يقول ستوت: "إذا ما ركّزت على الأجهزة والمخترعات، فحاول أن تتشبث بأشياء لها استخدامات فعلية بدلاً من أشياء تبدو فقط رائعة."

ويضيف: "لقد لعب جهاز الاتصالات اليدوي، الذي ظهر في مسلسل ’ستار تريك‘ الأصلي، دوراً مباشراً لإلهام مارتن كووبر، مخترع أول جهاز هاتف نقال. يعود السبب في ذلك الى أن أجهزة الاتصالات المحمولة باليد هي أجهزة مفيدة بشكل مذهل. أما الفرن الذي يعمل بالطاقة النووية، والذي شاهدناه في فيلم ’ثندربيردز‘ لعام 1968، فليس كذلك."

إذا ما رأيت أن بناء عالم مستقبلي على طراز فيلم "العودة الى المستقبل" لا يزال أمراً معقداً جداً، فما عليك إلا أن تجرب دوماً حيلة جورج لوكاس. فقد افتتح فيلم "حرب النجوم" بعبارة مفادها أن كل ذلك حصل في "زمن بعيد مضى في مجرة بعيدة، بعيدة جداً".

بهذا الشكل، فقد أسكت فوراً أي سؤال يمكن أن يُوجّه حول معقولية وقوع الأحداث التى يرويها الفيلم. إن أسهل الطرق لجعل المشاهدين يتقبلون رؤيتك للمستقبل، هي أن تصوّر أحداثاً وقعت في الماضي.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة