المكان الأكثر هدوءا في الولايات المتحدة الأمريكية

مصدر الصورة Amanda Castleman
Image caption تزدهر النباتات السرخسية والفطريات في كل مكان، وتنمو الطحالب على طول الأوراق الكبيرة لأغصان الأشجار.

يهيمن متنزه أولمبيا الوطني في الولايات المتحدة على منطقة جغرافية متميزة من ولاية واشنطن منذ عام 1938. وقد اعتبرته منظمة اليونسكو ضمن "برنامج الإنسان والمحيط الحيوي" ومن "مواقع التراث العالمي".

والمتنزه تحميه مناطق شاسعة من الغابات المطيرة المعتدلة، وهي غابات بكر تعد الأفضل والأوسع في نصف الشمالي من الكرة الأرضية.

كانت السماء الصافية فوق غابات "هوه" المطيرة تشع نورا بجمالها الباهر. وكانت ظلال أشجار "دوغلاس التنوب" بارتفاعها الذي يصل إلى 76 متراً تملأ المكان. ومع ذلك، أغلقت عينيّ. فقد جئت في هذه الرحلة لكي أستمع، لا لكي أنظر.

تزدهر النباتات السرخسية والفطريات في كل مكان، وتنمو الطحالب على طول الأوراق الكبيرة لأغصان أشجار القيقب التي يزيد قطرها عن جذوع بقية الأشجار الأخرى.

لكن ما أدهشني أكثر هو صوت الأنغام المنتشرة، إذ تتدفق الأصوات الطبيعية دون أن تعيقها أصوات البشر لما يقرب من ربع ساعة متواصلة هنا. في الحقيقة، يأتي ترتيب المتنزه باعتباره الأول من بين آخر عشرة أماكن مشابهة بطول الولايات المتحدة الأمريكية وعرضها.

لا تجد مكاناً في أوروبا يسود فيه الهدوء بهذا الشكل – النبض غير المتقطع لقلب الأرض وما عليه من حيوانات. يعمل النشطاء الآن باتجاه جعل منطقة "هوه" أول منطقة هادئة على وجه الأرض، أي النظير الصوتي لما يُعرف بـ "محميات السماء السوداء". ويؤمل إنجاز هذا في الذكرى المئوية للمتنزه، في عام 2016.

سبق وأن حصل أولئك النشطاء على موقع صغير، بشكل غير رسمي، ليبدأوا منه. وقبل قرابة عشر سنوات، أنشأ غوردن هيمبتن، العالم في أصوات البيئة، والحائز على جائزة إيمي، مشروعا يعرف باسم "بوصة مربعة من الصمت" - في إشارة إلى متنزه أولمبيا الوطني- بهدف المحافظة على هذه الثروة البيئية.

مصدر الصورة Amanda Castleman
Image caption يقضم الأيل أوراق الشجيرات والنباتات المنخفضة في تلك الغابة المطيرة.

أقنع هيمبتن ثلاث شركات طيران – آلاسكا وهاواي والخطوط الأمريكية- بأن يعيدوا تسيير رحلات التدريب والصيانة التي يقومون بها لتجنب المنطقة المحصنة الهادئة من المتنزه، وخاصة تلك البقعة الصغيرة المميزة (أو ما يعرف بـ البوصة).

ويقول: "يمكنك، من مكان هاديء، أن تحس حقاً بالأثر البالغ الذي تتركه طائرة واحدة تطير في السماء. صوتها هو أعلى صوت تسمعه. تنتشر الضوضاء التي تخلفها وراءها لتملأ مساحة تزيد عن ألف ميل مربع. أردنا أن نعرف ما إذا كانت بقعة صمت كهذه قادرة على الانتشار بنفس الطريقة".

كانت غابات "هوه" المطيرة قد سبقت أوانها في هذا المضمار، قبل اطلاق مشروع "بوصة الصمت" ومنطقة الهدوء الجديدة. تقع هذه الغابات بين المحيط الأطلسي من جهة وجبال أولمبيا من جهة أخرى- على بعد 160 ميلاً جنوب البقاع الحضرية لمدينة سياتل.

وتظل المنطقة غائمة لنحو 239 يوماً من السنة، مما يجعلها تكتم الضوضاء وتقلل الرغبة في مشاهدة الطائرات. ليست هناك طرق سريعة أو أنهار صالحة للملاحة أو امتيازات لشبكات الخدمات لمدّ الأسلاك والأنابيب عبرها.

كما تقع المنطقة إلى الغرب من مسارات الطيران الرئيسية عبر البلاد. إلا أن إدارة الطيران الفيدرالية لا زالت توجّه طائرات نقل المسافرين والطيران الحربي لتطير فوق المنطقة.

يقول هيمبتن: "الإدارة لا تبذل أي جهد لتتجنب المتنزه الوطني أو المنطقة البرية." ويضيف: "ولذلك، فإننا ندفع الأمور باتجاه تشريع قانون يضع التلوث الضوضائي على قائمة أولويات هذه الإدارة وإنشاء منطقة حظر للطيران".

قبل تفقّدي للمنطقة، كنت قد قرأت أخبارا بعد أخرى تشكو من حركة الطائرات فوق تلك البقعة. "يتحدثون عن الحساسية المفرطة"، حسبما تصورت. "كم سيكون الصوت عالياً يا تُرى؟"

مصدر الصورة Amanda Castleman
Image caption تحولت قمم الأشجار الصنوبرية إلى لون فضّي، واضافت لمعاناً إلى الأشجار وأوراقها.

ذهبت لأكتشف الأمر في مسيرة بالأقدام لمسافة 3.2 ميل على طول مسار نهر "هوه". تدلّك على تلك البقعة التي تعرف باسم "البوصة" صخرة صغيرة بلون سمك السلمون، وهي تقع فوق قطعة خشبية تكسوها الطحالب.

وهناك جرّة لحفظ رماد الموتى تدفعك إلى التفكير في ذلك الصمت والسكون، غير أن أحداً ما كسرها. تحلق الطائرات فوقك بارتفاع منخفض، مدوّية وبتكرار يكفي للإيحاء بأنها جزء من لعبة قتال لطائرات حربية وقد تخفّت بقبّة الغابات المطيرة الكثيفة.

ويمزق صوت محركاتها سكون وأصوات الطبيعة، طاغياً على تغريد الطيور الغريبة. أحسست وكأني أصبحت رمادية بلون السماء، حتى أني لم ابتسم لرؤية طائر مالك الحزين الأزرق وهو يخترق الغسق.

نصبنا خيمتنا، أنا وصديقتي مادلين، على مسافة ميلين من تلك "البوصة" على مسار نهر "هوه". كان شعاع يمتد من جبال المتنزه المركزية. وكان النهر يصدر صوت تدفقه، وأحياناً يصدر هديراً وهو يقلّب الحصى في القنوات العميقة من مجراه.

مصدر الصورة Amanda Castleman
Image caption انساب من حولنا النهر بصوت هديره، وانهمرت قطرات الندى من الطحالب

وغربت الشمس في الرابعة وثمانية عشرة دقيقة مساءً، وهو أكثر وقت مبكر لحلول الظلام خلال العام في ولاية واشنطن. مع تغير لون السماء، انخفضت درجة الحرارة حتى التجمد، وزيّن الصقيع خيمتنا. وقد تشرّب البرد بالرطوبة العالية وتسلل حتى عظامنا.

اتجهنا سيرا على الأقدام ناحية الشرق على مسار النهر، محاطين بظلال بدائية. ولعدم شعورنا بالمقاييس، كان كل منحدّر له نهر صغير يتضخم أمامنا وكأنه مضيق. اخترنا السير البطيء عبر المشاهد الطبيعية، وكنا نراقب تفاصيل كنا سنتجاوزها بسرعة خلال النهار.

على سبيل المثال، هناك جسم كروي من الجذور والتربة وقد انقلب في الأماكن الضحلة من مسار النهر. كانت مصابيحنا تلعب حيلة تغيير الألوان، فحولت قمم الأشجار الصنوبرية إلى لون فضّي، واضافت لمعاناً إلى الأشجار وأوراقها.

انساب من حولنا النهر بصوت هديره، وانهمرت قطرات الندى من الطحالب. أصابني الارتجاف وأنا أمشي عبر كتل متفرقة من الضباب. أدركت وقتها ما تعنيه المناخات المحلية تلك. كان بدني يرغب بشدة أن يكون في منزلي، ليتدثر تحت بطانية بدلاً من التجول عبر الضباب المتجمد في هذه البرّيّة.

مع إنحسار حركة الطيران، لاقيت في النهاية سكوناً عميقاً كان يكفي لأتوه فيه. بل إن كل حركة غصن كانت تجذبني أقرب إلى حالة من الصياح. أحسست وكأني في بداية فيلم تجاري يشمل قتلا مع تشريح الضحية، أو أمورا خارقة للطبيعة.

إنه رد فعل شائع، كما يقول هيمبتن. فقد تطور البشر وهم يلاحظون كل ما حولنا، متفحّصين فيضاً من المعلومات الصوتية، حتى أرهف صوت للحيوانات المفترسة أو الكوارث الطبيعية أو نحيبِ ما.

ويقول: "ليست الحيوانات جميعها قادرة على الرؤية، لكن كل الأجناس يمكنها أن تسمع. وفي هذا تكمن حيويته وأهميته للبقاء".

إن عالمنا المعاصر قد زاد من حدة الصوت، ولفترة طويلة مضت. يقول هيمبتن موضحاً: "يعتقد الناس أنهم قد تأقلموا، إلا أن هورمونات الاجهاد لا تزال تظهر في الدماء التي تجري في عروقهم، مما يظهر في انخفاض معدلات الذكاء والأداء عند إجراء الاختبارات".

ويتابع: "يقلل تلوث الجو بالضوضاء من العمر. إنه الشكل الجديد من التدخين غير المباشر".

مصدر الصورة Amanda Castleman
Image caption تظل المنطقة غائمة لنحو 239 يوماً من السنة،

أعرف هذا كل المعرفة. عشت في مكان وفوقي عازف جاز، واستأجرت مكتباً قرب شركة تقوم بتقطيع الفولاذ بشكل دوري –إنه صوت يبعث صدى مثل عملاق يضرب الأرض بخطاه.

خدعت نفسي بالاستماع الى الموسيقى بشكل متواصل، إلا أن أجهزة غسل الأطباق وجهاز تنظيف أوراق الشجر بالهواء، والاختناقات المرورية في ساعات الذروة، جميعها أدت بمرور الوقت إلى تآكل إحساسي بالأمان، وذلك جزء مهم من صحتي ورفاهيتي.

والآن، تلاشى كل ذلك، بينما يغوص نهر "هوه" في سكون الليل. استطالت الأشجار العتيقة في العتمة، مبتدعة ملاذاً يكاد أن يكون خاصاً بسكون الطبيعة (التقينا برحّال واحد فقط خلال يومين). جلست وحدي في الخيمة بجوار النهر وسمحت لمخيلتي بأن تنجرف مع التيار.

ثم سمعت صوت حفيف، وتصدع، مع وجود ضوضاء في الأدغال، كل هذا أعاد لي حالة تأهبي واستقمت واقفةً. تجّمدت وأنا أنصت بترقب، وكأن حياتي توقفت على ذلك الأمر.

ثم أدركت أنه يندر أن يتتبع أسد الجبال أثر الناس البالغين هنا. والدببة السوداء –والتي يندر وجودها هنا على أية حال- هي في سباتها الشتوي الآن. أما المستوطنون فقد اصطادوا ذئاب متنزه أولمبيا حتى انقرضت في أوائل القرن العشرين، مما سمح لحيوان الأيل أن يقضم الشجيرات والنباتات المنخفضة في تلك الغابة المطيرة.

يحتمل أني كنت أسمع صوت فأر، أو على الأغلب، حيوان الراكون وهو يبحث عن العشب مع صغاره. تنفست بعمق، وسمحت للأرض والأغصان والنجوم أن تحتضنني. كنت في مأمن من البرّيّة. ولكنها لم تكن في مأمنٍ منّا. إننا نحن تلك الأشياء التي تتصادم وتصدر الطنين والجلبة.

المزيد حول هذه القصة