رؤية نقدية: فيلم "قصة حقيقية" للممثل جيمس فرانكو

مصدر الصورة Fox Searchlight Pictures

في فيلم "قصة حقيقية" (True Story)، يلعب الممثل جيمس فرانكو دور قاتل يقيم صداقة مع صحفي ويخدعه. لكن تقمص فرانكو لشخصية القاتل في ذلك الفيلم لم يكن مقنعا، كما يقول أوين غلايبرمان في رؤيته النقدية للفيلم.

جيمس فرانكو هو النجم الوحيد في السينما المعاصرة الذي لا يملك مهنة محددة رغم ما لديه من سيرة ذاتية قيمة. فبالإضافة إلى كونه ممثلا، هو أيضاً شاعر معروف، ومن هواة جمع الشهادات الأكاديمية بنهم، وهو مؤلف لفيلم وثائقي غريب يحمل اسم (انتيريور. ليذر بار)، ومخرج لفيلمين عن روايتين للكاتب الأمريكي الشهير ويليام فوكنر، وهما "الصخب والعنف"، و"عندما أرقد ميتاً"، كما أصبح أول مضيف للأوسكار يمثل الحركة الدادائية في الفنون والآداب.

من الواضح أن فرانكو ملتزم بتقديم نفسه كمغامر جريء، ومثقف متمرد. لهذا السبب يُكال المديح لبعض أدواره السينمائية على أنها أداء فني مميز. في فيلم "سبرنغ بريكرز"، حيث لعب دور مهووس بالجنس وتاجر مخدرات، احتوى أداؤه على بعد يستثير المذهبية الطائفية.

الآن في فيلم "قصة حقيقية" حيث يلعب دور شخص متهم بقتل عائلته، ندخل في أعماق فيلم وضع ليناسب إيقاع خاص بفرانكو، حيث لعب عدد كبير من الممثلين هذا الدور، دور القاتل الذي لا يرحم، لكن في هذا الفيلم يمثل القيام بهذا الدور مشروعاً ذا مفهوم فني خاص، وهو فرصة لفرانكو ليتأمل تأثيره والانطباع الذي يتركه على الجمهور.

في فيلم "قصة حقيقية"، يظهر فرانكو بلحية قصيرة داكنة تضفي عليه مزيداً من الوسامة، ويتلاشى بالتالي أي أثر للجانب الجذاب المعتاد في شخصيته. فهو هنا رسمي، ومباشر، وجوهر أدائه لهذا الدور هو السرية. قضينا وقت الفيلم ونحن ندقق في شخصيته، محاولين أن نجد ما الذي لم يجبنا عليه.

ويمثل فرانكو شخصية كريستيان لونغو الذي وضعه مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي "إف بي آي" على قائمة أهم المطلوبين لديها عام 2002، بعد اتهامه بقتل زوجته وأبنائه الثلاثة في أوريغون. وخلال الأسابيع التي قضاها هارباً ومطارداً في المكسيك، استخدم لونغو اسما مستعارا، وهو مايكل فينكل، وهو نفس اسم الصحفي في نيويورك تايمز الذي كان لونغو معجباً به.

شخصية محورية

ويمثل الصحفي فينكل الشخصية المركزية في ذلك الفيلم، (وتبنى قصة الفيلم على مذكراته لعام 2009)، لكنه لم يكن بطلاً، كما عكس ذلك الممثل جونا هيل الذي مثل شخصيته. فهو وصولي يطرد من الصحيفة بعد أن يكتب قصة الغلاف لمجلة "سانداي ماغزين" التي تحول بالتزوير ستة من الأطفال الأفارقة الفقراء إلى شخصيات غير حقيقية.

ويصبح اسم فينكل غير محبب للمحررين، ونراه يتراجع مهزوماً في سيارة عشيقته فيليستي جونز، لكن عندما يعلم بمحاولة لونغو سرقة هويته، يقوم بترتيب مقابلة معه في السجن.

ويظهر فينكل كشخص متطفل ومحب للاستطلاع، وأحياناً يحب الإطراء. وهو كذلك يعرف أن هناك قصة من شأنها أن تنقذ وظيفته.

عندما التقى الرجلان، نشأت بينهما علاقة سريعة. يقرر فينكل أن يؤلف كتاباً عن لونغو، خطوة يائسة لاستثمار قصة القاتل المثيرة. بيد أن هذا الطموح لفهم لونغو أيضاً مدعاة للاحترام. لعبة صراع الأدمغة بين الرجلين هي صدى للعلاقة بين ترومان كابوت وبين بيري سميث، وموضوع فيلم "بدم بارد" (إن كولد بلود) الذي يحاول فيه كل من الطرفين الحصول على شيء من الطرف الآخر.

فينكل كمؤلف، ليس كابوت، ولكن لإنجاز كتابه، تعين عليه أن يقف على حقيقة ما جرى. هناك موقف مسبق يسود هذه الأيام يقوم على أننا لا ينبغي أن نفكر فيما دار في عقل القاتل أو القاتلة، وأنه أو أنها ببساطة مجرد إنسان شرير، لكن جوهر فيلم "قصة حقيقية" يكمن في محاولة فرانكو أن يغوص في عقل المجرم، ويعرض لنا ما الذي يفكر أو يشعر به.

مصدر الصورة Getty
Image caption الممثل جيمس فرانكو خلال التقاط صور له من كواليس فيلم "قصة حقيقية"

تفاصيل الجريمة بشعة. الأم وابنتها الصغيرة تعرضتا للخنق، بينما ألقي بالطفلين الآخرين من أعلى جسر إلى مياه النهر المتجمدة. رغم ذلك، فإن لونغو، الذي يمثل فرانكو شخصيته، يظهر كرجل متعاطف ويفكر بعمق، يملأ قلبه الحزن على ما جرى، لدرجة أنه كان يصعب عليه أن يتحدث به.

ويرسل لفينكل قصة حياته في سلسلة من الرسائل، التي عنونها "المنحنيات الخاطئة"، وهي في مجموعها تمثل رواية متشابكة للإخلاص العائلي، والإخفاق الاقتصادي، والإذلال. السؤال هو: كيف أدى وجود مثل هذا الحزن إلى جريمة قتل بهذه القسوة؟

علاقة سوية؟

أتمنى فقط لو أن مخرج الفيلم وكاتبه، روبرت غولد، حاول أن يعرف الاجابة على هذا السؤال بقدر ما يحتاج الجمهور أيضاً لمعرفة هذه الاجابة. يبدأ فيلم "قصة حقيقية" بمستوى عادي ليس أكثر من جلوس هيل وفرانكو في زنزانة مضاءة داخل السجن، ويحاول كل منهما مواساة الآخر.

نقطة القوة لدى جونا هيل كممثل هو طاقته العقلية المتحفزة. ففي ذلك الفيلم يبدو مقتضباً ومباشراً، مثل الطالب المجتهد حفيد ادوارد روبنسون. ويخبر لونغو فينكل بأنه سيعترف بالحقيقة، لكن فقط بعد المحاكمة، وذلك الوعد يجعل الفيلم مشوقاً، على الأقل لفترة قصيرة.

من ناحية أخرى، أراد الفيلم أن يكون عاطفياً، بحيث أظهر العلاقة الوطيدة عاطفياً وشخصياً –ولكن ليس جنسياً- بين لونغو وفينكل. فنرى لونغو يكتب في إحدى رسائله: "ظننت أن بإمكانك إخباري أي نوع من الناس أكون أو أشبه". وبالتأكيد، يبدأ فينكل في الاعتقاد أنه هو ولونغو متشابهان. ويبدأ فينكل أيضاً في الاعتقاد بأن لونغو بريء.

من ناحية كونه توثيقاً درامياً لجريمة كبيرة ذات أصداء واسعة، يفتقر الفيلم إلى الدليل المقنع من الطب الشرعي، بحيث لم نسمع أي إشارة إليه. لكنه بدا واضحاً أن مكتب "إف بي آي" كان لديه دليل ما استند إليه لاعتقال لونغو، وهو أنه لم يهرب من البلاد بسبب ما أصابه من حزن شديد.

لذا، عندما يبدأ فينكل في الاعتقاد بأن لونغو لم يرتكب الجريمة، فهو بذلك يوقعنا في حيرة: هل يعرف شيئا لا نعرفه؟ أم أنه مجرد شخص سيء أقنع نفسه بأن رواية طويلة عن شخص بريئ يتهم بارتكاب جريمة ستزيد من مبيعات الكتاب الذي ألفه؟ على أي حال، لا يوجد جمهور يريد أن يعرف نتائج ما يجري من تحقيق في الفيلم قبل ظهورها. أي أن الجمهور يحب المفاجآت، ويستهويه الغموض.

ويقترب الفيلم من نهايته ليحرمنا مما أتينا من أجله: الفرصة لمشاهدة جيمس فرانكو يسقط بعيدا في قلب الظلام ويلقى به في السجن. وعندما وقف لونغو شاهداً، نراه يحكي قصة متعثرة، يحاول فيها تبرئة نفسه، ليكون الرعب الحقيقي في هذه القصة هو أن الشخص الوحيد الذي يريد أن يصدقها هو مايكل فينكل. لقد تبين أنه خُدع، وكذلك كان حال الجمهور.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة