قبيلة منسية في إسرائيل

مصدر الصورة epa
Image caption انقسمت الأسر الدرزية في الجولان بين سوريا واسرائيل عندما احتل الاسرائيليون المرتفعات

في المناطق الشمالية من اسرائيل ومرتفعات الجولان المحتلة، ستجد الدروز؛ شعب ودود، غالباً ما يتم تهميشه في سياسات الأرض المقدسة.

وبعكس الاعتقاد الشائع، فإن الأرض المقدسة ليست موطنا لشعبين فقط – الإسرائيليين والفلسطينيين- لكنها خليط متنوع من الثقافات. وتشمل الأقليات في إسرائيل العرب والبدو والأقباط والدروز والإثيوبيين. ورغم أن العديد من الزوار قد يعرفون بعض المعلومات عن البدو، إلا أن كثيرين لا يعرفون شيئا عن الدروز.

يعيش الدروز في المناطق الشمالية؛ الكرمل والجليل ومرتفعات الجولان المحتلة. وتقع القرى والبلدات التي يعيشون فيها، وهي دالية الكرمل وعسفيا ومجدل شمس، في المناطق العالية من سفوح المرتفعات وتطل على مناظر خلابة للوديان في الأسفل. وفي كافة أرجاء هذه المناطق، يمكنك أن تجد الدرزيات على حافة الطرقات وهن يبعن الخبز المحلي الحار والزيتون واللبنة للمارة. ولكن، من هم الدروز؟

قوم مسالم

يُنظر إليهم في المنطقة عموماً كقوم ودود يعيش بسلام مع إسرائيل وجاراتها. غالباً ما يُهمش الدروز كأقلية دينية عربية (82.6 بالمئة من عرب إسرائيل هم مسلمون سنة، 9 بالمئة من الدروز و9 بالمئة من العرب المسيحيين). ويبلغ إجمالي عددهم في العالم قرابة مليون درزي يعيش معظمهم في سوريا ولبنان، بينما يعيش 104 ألف منهم في الجولان التي احتبتها اسرائيل عام 1967 وضمتها عام 1981. وبالرغم من أن الدروز يتكلمون العربية، فإنهم ليسوا مسلمين ويعتبرون أنفسهم موحدين (يؤمنون بالاله الواحد).

ظهرت الديانة الدرزية في القرن العاشر بمصر، في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله المنصور، الذي كان يعتقد بأنه يجسد الله على الأرض. وأصبحت طائفة الدروز من أتباعه وانشقوا عن الشيعة وفروا هربا من الاضطهاد إلى المناطق الجبلية النائية في لبنان وسوريا وما أصبح اليوم يعرف بإسرائيل.

يتبنى الدروز مزيجا من الفلسفات الإسلامية والهندوسية واليونانية ويؤمنون بتناسخ الأرواح ويؤمنون بأنبياء اليهودية والمسيحية والإسلام، بمن فيهم موسى وعيسى ومحمد. ويوجد لدى الدروز رايتهم الخاصة، النجمة الدرزية، إذ يرمز كل لون من ألوانها الخمسة إلى أحد الأنبياء.

وهناك بعض الأماكن المقدسة لدى الدروز في إسرائيل، وهي مفتوحة للزوار، وأكثرها أهمية هو مقام النبي شعيب، الذي يقال إنه حمو موسى والذي يؤمن الدروز بأنه مؤسس الإيمان بالله الواحد. لهذا المقام قبّة كبيرة تشبه المساجد وفناء بُني في موقع يعرف باسم "قرون حطين"، وتطل على بحيرة الجليل. وفي هذا الموقع، دحر صلاح الدين، أول سلطان على مصر والشام، قوات الصليبيين عام 1187.

الموقع الثاني بأهميته لدى الدروز هو مرقد سبلان، الذي يقع فوق قرية حرفيش، إلى الداخل من مدينة نهاريا الساحلية. يشير الضريح، المطل على مناظر جبلية، إلى موقع دفن "زبولون"، أحد الأنبياء الذين يؤمن بهم الدروز. وكان زبولون يبشر بدينهم في القرن الحادي عشر.

وعلى بعد 20 كيلومتر جنوباً، وفي قرية كفر يوسف العربية، نجد موقع "النبي الخضر"، ويعني ضريح "اليسع". وتوجد في المكان منطقة نزهة مسلية محاطة بأشجار التين ذات الأغصان المتدلية. وكما في الديانة اليهودية، فإن "اليسع" واحد من أكبر الأنبياء لدى الدروز ويقع ضريحه ضمن مبنى صغير به غرفة مقوسة وجدران مزخرفة بصور الملك داود والملك سليمان.

الكرمل هي المحور

الموقع المحوري في عالم الدروز هو دالية الكرمل؛ التي تعد أكبر بلدات الدروز والتي تأسست منذ 400 سنة تقريبا. تقع البلدة على جبل الكرمل، إلى الجنوب الشرقي من حيفا، وهي حالياً سوق مترامية الأطراف، وتصطف المتاجر والمحلات على جانبي شارعها الرئيسي وتباع فيها الدربوكة (الطبلة) والشيشة (الأرجيلة) والخزفيات والمجوهرات والأعمال الفنية وما يتوفر من الملابس الجميلة.

وإلى الجهة الشمالية من الشارع الرئيسي يقع "مركز التراث الدرزي"؛ وهو متحف صغير يمكن الدخول إليه مجانا ويعرض قطعاً أثرية درزية وأسلحة وصوراً كثيرة لرجال بشوارب.

لو إنتقلنا أكثر في الشارع، سنجد "بيت أوليفانت" (يدعى أيضاً بيت دروز)؛ المنزل الأسبق للسير لورنس أوليفانت، المؤلف البريطاني المسيحي الذي كون صداقات مع الدروز وانتقل للعيش هنا عام 1882. يستعمل منزله حالياً كنُصب تذكاري حربي مخصص للمواطنين الدروز الذين خدموا في الجيش الإسرائيلي.

ومن الأمور المتعارف عليها بين الاسرائيليين أن رجال الدروز يفخرون بخدمتهم العسكرية، إلا أن هناك دلائل تشير إلى تغيير في موقفهم هذا.

يقول أيهب أسعد (33 عاما)، وهو درزي من مواطني دالية الكرمل: "خدمت في الجيش الإسرائيلي. برأيي، مع إن إسرائيل بلد مناسب لنا، لكني لا أعتقد أن الدروز يحظون بالتقدير أو المنفعة الكافية من خدمتهم العسكرية."

وأضاف أن الكثيرين من أصدقائه الدروز هم عمال بناء أو تشجير ذوي دخل منخفض، ويجدون صعوبة في شغل مناصب عليا في المجتمع الإسرائيلي.

ومع ذلك، هناك حالة استثنائية ملحوظة، إذ عين الدرزي نعيم عرايدي سفيرا لاسرائيل لدى النرويج في العام الماضي. وقال عرايدي عند تعيينه: "الدروز جماعة عظيمة. لم أجد من يدين بالولاء القوي مثلهم، بمن فيهم بعض مواطني إسرائيل من اليهود."

لقد أثبت التاريخ أن الدروز شعب مخلص ومضياف. يقول أيهب: "أنا منحاز لأني درزي. لكني لا أظن أن أحدا آخر يتسم بالضيافة والتقدير مع الضيوف مثل الدرزي. نحب الناس كثيرا."

لكي تطلع على كرم الضيافة هذه، على الزوار التوجه إلى قرية عسفيا المجاورة لدالية الكرمل، حيث يقوم أعضاء مجموعة "شعوب ونكهات" بترتيب فرصة لك لتتذوق وجبة درزية تقليدية مع إحدى العائلات.

يتألف معظم الطعام الدرزي من خضار وأعشاب تزرع محلياً؛ تشمل الأطباق الخاصة، ورق العنب المحشي بالرز، الخبز المحلي (بيتا) المخبوز في الطابون وقد نُثر الزعتر عليه (يتألف من عشب الزوفا)، المنسلة (باذنجان مطبوخ مع حمص وصلصة الطماطم) والكبابي (كباب يؤكل مع الطحينة والسلطة). كما يشتهر الدروز بخبز بيتا المتميز بكبر حجمه وشكله المسطح.

حاول أن تمكث في دار إقامة "المنزل الدرزي" في عسفيا، وهو دار كبيرة يتمتع فيها النزلاء بحمام جاكوزي، وأنواع التدليك المختلفة، وإفطار درزي تقليدي من اللبنة والخبز المحلي (بيتا) والزيتون وأنواع من السلطات الخفيفة.

وستجد على مقربة من القرية، دير المحرقة – كنيسة كاثوليكية ساحرة بُنيت على أعلى قمة في جبل الكرمل. ويطل الدير على ساحل البحر الأبيض المتوسط غرباً والأراضي المعشبة الواسعة لمرج ابن عامر (سهل زرعين) شرقاً.

من علو شاهق

اذا انتقلت شمالاً باتجاه منطقة الجليل الأعلى، فستجد قرى درزية متناثرة على قمم الوديان وتنتشر على طول الطريق المؤدية إلى الحدود السورية، ولعل أكبرها هي قرية "بيت جنّ"، على قمة جبل الجرمق. إنها أعلى نقطة في إسرائيل (940 متراً فوق مستوى سطح البحر). ويمكن من هنا رؤية منطقة الجليل برمّتها، إضافة إلى لبنان وسوريا. وهناك أيضا فندق ومطعم "لمسة السماء" الدرزي الفاخر الذي بني على سفح الجبل ويدار من قبل عائلة أبو هيا. وتوفر العائلة جولات سياحية للمناطق المقدسة لدى الدروز.

تقع قرية يانوح الدرزية الصغيرة على مسافة 12 كيلومتر غرباً حيث لا تزال عائلة سعد تدير دار ضيافتها على الطراز الدرزي منذ 50 عاماً. وذكرت القرية، التي بنيت على أطلال مستوطنات البيزنطيين والصليبيين، في الانجيل باسم "يانواح"، وهي مأهولة بالسكان منذ العصر البرونزي. ويمكن للمسافرين عبر القرية أن يزوروا معصرة زيتون قديمة ويتذوقوا المعجنات المحلية ويستطلعوا كهوفاً قديمة تعود إلى زمن الكتاب المقدس.

وفي الطرف الشمالي من إسرائيل، حيث لا تبعد الحدود السورية المضطربة كثيراً، تقع قرية مجدل شمس. ورغم الفوضى الحالية التي تمر بها سوريا، يعيش حوالي 9 آلاف درزي في هذه البقعة الآمنة وسط بساتين التفاح والكرز. كما أنها على مرمى حجر من جبل الشيخ. ونظراً لارتفاع الجبل، فإنه يتحول في فصل الشتاء إلى منتجع سريالي شرق-أوسطي مغطى بالثلوج يُستخدم للتزلج.

تقع بالقرب منها "قلعة نمرود" العربية القديمة التي تعود إلى عام 1229. هناك يراودك إحساس وكأنها نهاية العالم. ومع إنها لم تُبن من قبل الدروز، إلا أن رعاة مواشيهم كانوا يصونون القلعة، وهم أول من أطلق عليها إسم "قلعة نمرود"، تيمّناً بالصياد نمرود المذكور في الكتاب المقدس. وصفها الكاتب "مارك توين" بأنها "أكثر الأنقاض روعة في العالم". إنها تطل على مرتفعات الجولان الشمالية صوب الطريق المؤدية إلى دمشق.

وهناك، يواجه الدروز في سوريا واقعاً مريراً للغاية.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel.

المزيد حول هذه القصة