لاسلو كراسناهوركاي: ما كان ليكتب لولا نداء شعري من "ريلكه"، وفاز بالبوكر

مصدر الصورة AP
Image caption لا يحبذ التجريب، ولايحب علامات الترقيم

لم يكن الروائي المجري لاسلو كراسناهوركاي يريد أن يصبح كاتبا، لكن نداء شعريا جاءه عبر الأزمان من الشاعر الألماني راينر ماريا ريكله ، همس في وجدانه عبر إحدى قصائده أن "غير حياتك" فكتب أولى رواياته.

هذا ما قرأته في إحدى مقابلاته الصحفية الكثيرة، وأكده لي في المقابلة التي أجريتها معه، مشيرا أن الموضوع حدث مجازيا، فهو ، ايضا، لا يؤمن بتاثير مباشر للأدب يصل لمرحلة التحريض على الفعل.

قطع الروائي شوطا طويلا منذ تلك الهمسة الشعرية التي غيرت مصيره الإبداعي، توج بفوزه بجائزة مان بوكر العالمية لهذه السنة.

نشر الكاتب روايته الأولى في منتصف ثمانينيات القرن الماضين قبل انهيار النظام الاشتراكي بسنوات قليلة .

كان المجتمع المجري يمور بإرهاصات التغيير القادم، الانتقال المفاجئ إلى عالم بملامح مختلفة تماما عما اعتاده لأربعين سنة، لكن همومه الحياتية كانت مقتصرة على متطلباته المعيشية المباشرة.

كان سقف أحلام الكثيرين من قبيل الحصول على كماليات غربية أو شراء سيارة "ترابانت" المصنوعة في ألمانيا الشرقية، أو إن كان من ذوي الدخل المرتفع ربما فكر في شراء سيارة لادا "فخمة" مصنوعة في الاتحاد السوفياتي، أما محدثو النعمة من أصحاب المصالح التجارية التي سمح بها النظام الليبرالي في المجر دون بقية دول المنظومة الاشتراكية فربما سمحوا لأنفسهم باستيراد سيارة مرسيديس مستعملة لسنوات قليلة من ألمانيا الغربية.

هذه كانت طبيعة هموم المواطن العادي، بل وجزء كبير من فئة المثقفين، في مجتمع تتكفل الدولة فيه ببقية الهموم: من تعليم ورعاية صحية وسكن، وتقدم لهم حياتهم على صينية من "فضة" ؟ لا ، فالموضوع يتعلق، كما قال كراسناهوركاي في المقابلة، بمصادرة حق الاختيار والتفكير.

وماذا حصل حين استعاد المواطن هذا الحق المصادر؟ أصيب"بصدمة الحرية" التي أسلمته للضياع، كما يرى الكاتب .

ربما توقع القارئ أو الناقد أن يكون هذا الواقع ذي الملامح البسيطة هو موضوع الفن وشاغله في مجتمع كهذا، لكن أفلام إشتفان صابو وميكلوش يانتشو مثلا تشهد بالعكس.

بعض الفنانين في المجر أسقطوا همومهم الذاتية، فلسفية وأخلاقية وسياسية، على أعمالهم، متجاوزين الواقع المباشر الذي يحيط بهم، ومنسلخين عن مدرسة "الواقعية الاشتراكية" التي يرحب بها النظام.

هل كان الكتاب استثناء ؟

الكثير من الروائيين وكتاب القصة الأوائل في المجر كانوا يعكسون واقع المجتمع في أعمالهم، ويتبعون أسلوبا سرديا بسيطا ومباشرا يتلاءم مع الواقع الذي يصورونه.

هناك بعض الاستثناءات طبعا، كإشتفان أوركيني، الذي يعتبر أبا لما يعرف الآن "بالقصة القصيرة جدا" التي أصبحت جنسا أدبيا ومنتشرا في أنحاء في العالم، إذ كان أول من كتب قصصا من ذاك النوع في مجموعته "قصص لدقيقة واحدة" التي صدرت في بودابست عام 1968.

من الاستثناءات أيضا الروائي بيتر أسترهازي الذي امتازت رواياته بالتجريبية وتنوع الأسلوب السردي.

كراسناهوركاي أيضا كان من التجريبيين، شكلا وموضوعا، وإن كان ، في المقابلة معه، رفض هذا التصنيف.

هو يقول إنه "لا يجرب في النص بل يسلم القارئ حصيلة تجريبه "، ولكن من قال إن "التجريب" يجب أن يحدث أمام عيني القارئ مباشرة ؟

في روايته الأولى "تانغو الشيطان" تسود أجواء العدم السوداوية والخواء واللامبالاة المنبثقة من غياب السلطة .

يصمم الكاتب مشاهده وشخصاياته بشكل خارج عن المألوف والمتوقع، ولكن وفقا لهيكلية مقصودة.

تتداخل في الرواية الأحلام مع الواقع، وتتطور الأحداث بمنطق الحلم وأحيانا الكابوس.

أما في روايته "ميلانخوليا المقاومة" ، فنجد نفس الأجواء العبثية القريبة من أجواء الأحلام، والشخصيات والأحداث الخارجة عن المألوف.

تدور هذه الرواية حول فرقة سيرك تصل إلى بلدة صغيرة لتعرض شيئا واحدا: حوتا ضخما.

يثير المشهد أجواء سوداوية ومخيفة في القرية، وانتظارا لحدوث شيء مخيف لكنه مجهول.

تتمحور الرواية حول الأجواء عوضا عن الحدث، وكعادة كراسناهوركاي، يدور السرد بجمل طويلة جدا وتتطلب متابعتها تركيزا قويا قد يؤدي لإرهاق القارئ.

لكن الكاتب يقول إن التواصل الكلامي المسموع يستخدم "خطابا مطولا"، لا يفصل الجمل فيه سوى "فواصل"، فكيف لا يتعب السامع من المتابعة؟ لماذا سيتعب من قراءة الجمل الطويلة تحديدا ؟

قال المؤلف في إحدى مقابلاته الصحفية إنه يكره علامات الترقيم، ويرى أنها محاولة لخلق نوع من الشكل المنضبط للنص، وبما أنه تمرد على الشكل المألوف في السرد فلا يتوقع منه الالتزام بأساسيات السرد التقليدي وشكل أدواته.

تجده أحيانا يقفز من مشهد غير مكتمل إلى مشهد آخر، وكذلك يقاطع شخصياته بشخصيات أخرى أحيانا في منتصف الجملة.

أجواؤه بشكل عام مكثفة، شاعرية حينا وفي حين تتحول إلى الجفاف والكآبة.

لا تسير الرواية على نسق واحد على أي مستوى، بل تتناوبها الحالات والأجواء المختلفة.

حول المخرج المعروف بيلا تار بعض رواياته إلى أفلام طويلة بالأبيض والأسود والتزم فيها بأجواء الروايات، ولم يخرج عنها في أي مستوى.

على غرابة أجواء روايات كراسناهوركاي وصعوبة لغتها وأسلوب سردها إلا أنها لاقت ترحيبا من القراء في المجر، واحتفى بها النقاد في الغرب.

فازت رواياته بأكثر من جائزة مجرية وأجنبية، وتوجت بجائزة المان بوكر هذا العام.

باستثناء روايتيه المذكورتين كتب كراسناهوركاي رواية بعنوان "الحرب والحرب" و "سجين أورغا".