"إنديانا جونز" جديد يخوض سباقا رقميا ضد تنظيم الدولة

مصدر الصورة Getty
Image caption تقع مدينة تدمر، في سوريا، تحت تهديد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية

تتعرض كنوز أثرية من أكثر الكنوز قيمة في الشرق الأوسط لتهديدات المسلحين المتشددين في تنظيم الدولة الإسلامية.

لذا يحاول علماء الآثار باستماتة تسجيل أكبر قدر ممكن من هذه المواقع.

ويستخدمون، على عكس ما استخدم في سلسلة أفلام "إنديانا جونز" وسوطه ذا التكنولوجيا المتواضعة، أكثر الطرق تطورا للقيام بذلك.

لكن، ربما يكون ذلك متأخرا بالنسبة لمدينة تدمر القديمة في سوريا، إذ وقعت هذه الواحة الأثرية التي ضمت مسارات قوافل عتيقة، وأروقة ذات أعمدة كبيرة، وبرج إيلابل المصنوع من الحجر الرملي المصقول، تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في 21 مايو/ آيار 2015.

وتتناثر الألغام الأرضية الآن في كل أنحاء المدينة الأثرية.

وطبقا لتقارير، فقد دمر المسلحون على الفور تمثال أسد اللات، الذي يعود تاريخه إلى 1900 عام.

أشباح رقمية

ولا عجب في أن يسرع عالم الآثار، روجر ميتشيل، في تسجيل –حتى إن كان بطريقة رقمية- القطع الأثرية التي تقع في طريق مسلحي تنظيم الدولة بعد ذلك.

ويأمل فريق ميتشيل من معهد علم الآثار الرقمية -وهو مشروع مشترك بين جامعة هارفرد ومؤسسة كلاسيكس كونكلاف- في تغطية المنطقة بالكامل بكاميرات 3D وضم شركاء محليين في تصوير أكبر قدر ممكن من القطع الأثرية هناك.

وأضاف: "إذا تمكنا من تثبيت ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف كاميرا في الميدان خلال الثلاثة أو الستة أشهر القادمة... ثم إذا لم نتمكن من حماية تلك القطع على الأرض، يمكننا على الأقل حفظ ما يوجد بالمنطقة في سجلات مفصلة تفصيلا دقيقا".

ويعتمد ميتشيل على مجموعة من المتاحف المحلية ومنظمات غير حكومية ومتطوعين للبدء في الأرشفة الرقمية.

مصدر الصورة JOHN CAIRNS 2014
Image caption روغر ميتشيل (يسارا) في مهمة لتسجيل الآثار القديمة المعرضة للخطر

لكن التقاط الصور المعقدة وتحميلها في ظروف صحراوية حارة يكون فيها الاتصال بشبكة الإنترنت متقطعا يمثل تحديا.

ويتعين أن تكون الكاميرات المستخدمة قوية ولها بطاريات تدوم لفترات طويلة وقادرة على رفع ملفات كبيرة الحجم.

ويقول ميتشيل: "نحن نعتمد كثيرا على البطارية، منذ أن أصبح الاتصال بالتيار الكهربائي محدودا".

ولدى فريق ميتشيل شراكة مع معهد دراسة العالم القديم التابع لجامعة نيويورك لتخزين صور 3D ومختبر الطباعة ثلاثية الأبعاد التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لطابعتها.

تصوير جوي

وزاد تهديد تنظيم الدولة الإسلامية من الحاجة الملحة في محاولات علماء الآثار في تسجيل تاريخ البشرية الثقافي.

وتستخدم جامعتا أكسفورد وليستر في الوقت الحالي التصوير عبر الأقمار الاصطناعية والتصوير الجوي في إطار مشروع أطلقتا عليه الآثار المعرضة للخطر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وسيوفر المشروع، البالغ تكلفته 1.2 مليون جنيه إسترليني، قاعدة بيانات مفتوحة وتسجيل المعلومات عن أي موقع من المواقع وحالته، وستكون متاحة بالصيغة المتبعة في نظام المعلومات الجغرافية.

مصدر الصورة DAVID LESLIE KENNEDY
Image caption كيف تبدو فخاخ الحيوانات الشبيهة بالطائرة الورقية من الجو

وتعد المراقبة عن بعد أمرا مفيدا خاصة في الدول التي مزقتها الحروب، مثل سوريا والعراق وليبيا، حيث تشكل عمليات المسح على الأرض فيها أمرا خطرا.

وقضى ديفيد كينيدي، من جامعة أكسفورد، سنوات حياته المهنية في تطوير التقنيات المستخدمة في علم الآثار الجوي.

ويستقل كينيدي طائرات الهليكوبتر فوق الأجواء الأردنية –وهي البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي منحه تصريحا- سنويا على مدار 19 عاما، لتصوير الطرق الرومانية الشاسعة وفخاخ الحيوانات الشبيهة بالطائرة الورقية التي تعود إلى ما قبل التاريخ.

وبينما كان علم الآثار الجوي موجودا منذ بعثة الآباء اليسوعيين الفرنسية (غزويت) التي ترأسها الأب بير أنطوان بوي بارد في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، تستخدم الطرق الحديثة كاميرات عالية الجودة وأجهزة استشعار ومصادر أخرى، مثل خدمة غوغل إيرث ومحرك البحث بينغ.

ويقول كينيدي: "الجودة عالية جدا، ونستطيع البدء في التفكير في الدول المجاورة التي لا تدعنا نحلق فوق أجوائها".

مصدر الصورة DAVID LESLIE KENNEDY
Image caption أتاح علم الآثار الجوي للعلماء تسجيل المواقع في المناطق التي يصعب الوصول إليها

ويضيف أنه لم يُعثر سوى على ثلاثة أفخاخ للحيونات شبيهة بالطائرة الورقية في المملكة العربية السعودية قبل إطلاق خدمة غوغل إيرث. والآن، اكتشف كينيدي 900 فخ في منطقة صغيرة نسبيا وسط غرب البلاد.

والآن يوجد 91 ألف صورة وخريطة -متاح أغلبها على موقع فليكر (Flikr.com)- خاصة بأرشيف التصوير الجوي لعلم الآثار لكينيدي في الشرق الأوسط.

حفارات افتراضية

وبخلاف ماسحات 3D الضوئية وخدمة غوغل إيرث، نقلت مجموعة من الأساليب التكنولوجية علم الآثار إلى القرن الواحد والعشرين.

وماسح ليدار، هو شكل من أشكال الرادار يستخدم الضوء بدلا من الموجهات اللاسلكية، يساعد الباحثين، مثل داميان إيفانز في المدرسة الفرنسية للشرق الأقصى، في رصد الدوائر الأثري التي لم تكن تعرف في السابق، المحيطة بالمعابد الكمبودية في مجمع أنغكور وات.

ويضيف إيفانز أنه "باستخدام التكنولوجيا، نستطيع تحديد معالم الأحياء والقنوات والشوارع ونسيج السياق الحضري للمعابد".

مصدر الصورة Getty
Image caption الماسح الضوئي ليدار يكشف القطع الأثرية المدفونة حول مجمع المعابد في مجمع أنغكور وات

ويكشف الرادار المخترق للأرض العديد من الأسرار الأثرية.

فعلى سبيل المثال، كانت آثار ستونهنغ الصخرية في بريطانيا، كما نعرفها اليوم، عبارة عن دائرة كاملة داخل مجمع أكبر، يحوي آثارا صخرية أخرى مدفونة على بعد ميلين.

وكشف كذلك مبنى خشبي مدفون عن وجود روابط بسوق العقارات الأوروبي، التي ترجع تاريخها إلى ستة آلاف سنة.

ويقول فينسنت جافني، مدير المشروع القومي للمناظر الطبيعية الكامنة لستونهنغ، إن غالبية التكنولوجيا المستخدمة في الوقت الحالي في ستونهنغ ليست جديدة.

ويضيف: "أما الشيء المختلف، فيتمثل في السرعة والجودة التي نتمكن من خلالهما في جمع البيانات".

وأشار جافني بصورة خاصة إلى أهمية نظام تحديد المواقع العالمي (GPS).

وأضاف: "كل شيء يجرى تصويره بتقنية 3D، لتسجيل المواقع الدقيقة لكل قطعة أثرية في نطاق المسح اللحظي للمناظر الطبيعية.

مستقبل ماضينا

وتقول فيكتوريا يوركي إدواردز، محررة دورية البيانات المفتوحة للآثار، إن التعامل مع الحجم الكبير من البيانات الرقمية التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة، وتوفيرها للآخرين، تشكل تحديا.

وفي الوقت الذي يبدأ فيه علماء الآثار ابتكار طرق جديدة لاستخدام التكنولوجيا، فإن العثور على أشخاص بالخبرات الفنية المطلوبة لمراجعة الأبحاث التي توفرها يعد أمرا صعبا، وفقا لإدواردز.

مصدر الصورة PETER BRUGGER
Image caption علم الآثار الرقمي: طابعة 3D يستخدمها بيتر بروغر في جامعة ساوثامبتون

لكن، ليس هناك شك في أن التكنولوجيا تشكل تحديا للعديد من الفرضيات المسلم بها في مجال علم الآثار، وتعطي لمحاولات إنديانا جونز اللاحقة المثيرة الفرصة لاكتشاف كنوز جديدة.

وتقول يوركي إدواردز: "وهذا ما دفع الجميع إلى حب إندي، بطل إنديانا جونز".

ورغم ذلك، كما تشير إدواردز: "إذا شاهدت الفيلم بعناية، ستجده، حقيقة، لم يسجل أي شيء".

المزيد حول هذه القصة