كيف تتغير مظاهر الحياة في دبي في شهر رمضان؟

مصدر الصورة Getty Images

خلال شهر كامل من كل سنة، تشهد الحياة في الإمارات العربية المتحدة تباطؤاً بحلول شهر رمضان وبخاصة في ساعات النهار.

في هذا العام، حل رمضان الذي يحين موعده في كل عام حسب التوقيت القمري، في ذروة الحر القائظ، حيث تبلغ درجات الحراة 45 درجة مئوية أثناء النهار، ونادراً ما تقل عن 30 درجة في الليل.

الصيام ليس أمراً سهلاً في الأوقات العادية المريحة، فما بالك في هذا الجو الحار. يقول محمود أبو العطا، وهو مصري يحمل الجنسية الكندية: "الصيام لمدة 15 ساعة هو وقت طويل، خاصة عندما يكون الجو حاراً، لكن بعد مرور اليوم الأول، يتكيف الجسم على هذه الحرارة ويصبح الأمر متحملاً."

ويضيف: "اليوم الأول هو الأصعب لأنك تمتنع عن كل شيء وبشكل مفاجيء، بما في ذلك القهوة والسجائر بالنسبة للمدخنين، وتصاب بالصداع، لكن بالصيام يرتاح الجسم من الطريقة المعتادة لتناول الطعام وبذلك تمنحه راحة".

وتقل ساعات العمل أثناء رمضان، وتغلق كثير من المؤسسات العامة والخاصة أبوابها في ساعات ما بعد الظهر. كما تغلق كافة المطاعم والمقاهي أثناء النهار، أو تكتفي بتقديم خدمة الوجبات السريعة أو التوصيل للمنازل، وذلك من وراء ستائر سميكة حيث يمنع القانون الأكل والشرب والتدخين في الأماكن العامة، كما تغلق النوادي الليلية والسهرات الموسيقية طوال الشهر.

هجرة العمالة الوافدة

ولتجنب قيود رمضان خلال حرارة الصيف، يختار الكثير من الوافدين من غير المسلمين وخاصة من لديهم أطفال صغار، مغادرة الإمارات العربية المتحدة. وبسبب تزامن ذلك مع انتهاء العام الدراسي، اكتظت مطارات دبي بالمسافرين.

حتى أن أماً لإحدى التلميذات التي تبلغ 8 سنوات قامت بسحبها من المدرسة قبل انتهاء العام الدراسي وتوجهت إلى بلادها كندا، لقضاء عطلة صيفية طويلة. وتقول هذه المرأة البالغة من العمر 40 عاماً: "لقد غادرنا بسبب الحرارة الشديدة، وكذلك بسبب حلول شهر رمضان. أحترم بشكل كامل الثقافة الإسلامية، لكن هذا هو أول رمضان أقضيه هنا، وهو يفرض جوانب في الحياة اليومية لا أقوى على تحملها".

لكن بالنسبة لمن لا يغادرون الإمارات، يشكل رمضان فرصة لهم لكي يتعرفوا أكثر على ثقافة هذه البلاد.

مصدر الصورة Jumeirah Group

كيلي هارفارد، استشارية علاقات عامة من جيرسي في بريطانيا، تقضي رمضانها السابع في دبي، وتقول: "رمضان هو الشهر الوحيد في السنة الذي تواجه فيه بعض القيود، لكن بدلا من النظر للأمور بهذه الطريقة، أفضل أن أنظر إليه على أنه فرصة لاستيعاب التقاليد في البلاد التي أعيش فيها".

وتضيف: "جميعنا أتينا إلى هنا بمحض اختيارنا، لذلك علينا أن نحاول فهم ثقافة البلاد. في نهاية الأمر، أنا لا أقود سيارة أجرة لمدة 12 ساعة في اليوم، ولا أعمل في مواقع البناء، لذا لا يوجد سبب يدعوني للشكوى".

بالنسبة لرويزن ثوماس، الوافدة الأيرلندية ومدربة الرياضة البدنية، يعد رمضان مناسبة للتضامن مع زبائنها المسلمين. فقد قررت الصيام بدءاً من 3:30 صباحاً بعد أن تتناول شراب البروتين، والبطاطا الحلوة، والبيض، مع لتر ونصف من الماء.

وتقول: "أشرب حتى ينتفخ بطني لأنني لا أستطيع أن أشرب ثانية لنحو 15 ساعة قادمة. أصعب ما في رمضان هو الامتناع عن شرب الماء، وكان اليوم الأول قاسياً بسبب عدم تناولي القهوة أو الشاي، لكن جسمي يتكيف بالتدريج على هذا الروتين الجديد. تشعر بالإرهاق، لكنك تعرف أن وقت الأكل قادم لا محالة، لذا فإن الأمر ليس سيئاً".

عندما تتصادم الثقافات

رغم ذلك، ليس الصيام سهلاً سواء لغير المسلمين الذين لا يستطيعون الأكل أو الشرب في الأماكن العامة، أو بالنسبة للصائمين الذين لهم أصدقاء لا يصومون.

أبو العطا الذي يعمل في شركة للطاقة في دبي، حيث يصوم حوالي نصف العاملين في الشركة، يقول: "في وقت الغداء، تتسلل إلى أنفك رائحة الطعام، ويداعب ذلك جوفك قليلاً، لكن زملائي يذهبون لتناول طعامهم في مكان مغلق أو يغلقوا على أنفسهم أبواب مكاتبهم مراعاة لمشاعر الصائمين، لذا فالوضع محتمل ولا بأس به".

يقول ستيفن هوب، 39 عاماً، وهو بريطاني يعمل في دبي في أحد المكاتب، إنه يحب رمضان لأنه يتناول فيه إفطاراً كاملاً في البيت، فضلا عن حصوله على استراحة غداء.

ويضيف: "في العادة، آخذ حبه فاكهة لدى خروجي من المنزل، وأتناول ساندويش على مكتبي، لكن طوال شهر رمضان، يكون لدي الفرصة للدخول إلى المطبخ، وأستطيع أن أستريح لعشر دقائق. إن استطعت أن تختار الوقت المناسب، فإنك لن تعاني من الازدحام المروري، وعندما تذهب إلى مراكز التسوق، يمكنك أن تجد مكاناً بسهولة لسيارتك، وتكون المتاجر في نهاية الأسبوع أقل ازدحاماً".

لكن خفض عدد ساعات العمل يمكن أن يكون سلبياً على الشركات داخل الإمارات، وكذلك على الشركات خارج الدولة، وبالتالي يتعين مراعاة فروق التوقيت وأوقات العمل خلال تلك الفترة.

مصدر الصورة Louise Redvers

ويشرح هارفارد ذلك قائلاً: "إذا كان زبائنك من القطاع العام، فإن عليك صياغة الوقت خلال اليوم بطريقة مختلفة لأن كثيراً من الموظفين الحكوميين لا يجيبون على هواتفهم في فترة ما بعد الظهر. فيما عدا ذلك، لا توجد مشكلة".

الاختناق المروري

هناك صعوبة في السفر داخل دبي خلال رمضان تتجلى في تغيير نظام السير. فبينما تكون الطرق المغلقة مفتوحة أغلب ساعات النهار، إلا أنها تبدأ في الازدحام بين الساعة الواحدة والثانية بعد الظهر، عند عودة معظم الموظفين الحكوميين إلى بيوتهم، وكذلك في الساعة التي تسبق وقت الإفطار، بسبب عدد السائقين المرهقين ذوي المزاج المتعكر، الذين ينخفض السكر في دمهم.

ويعترف أبو العطا بأن قيادة السيارة صعبة خلال هذه الأوقات، خصوصاً أنه يسافر أكثر من 100 كيلومتر يومياً من أبو ظبي إلى مكتبه في دبي، ويقول إنه يشعر بالنعاس أحياناً، فيلجأ إلى رفع صوت المذياع ويجتهد أن يبقى مستيقظاً.

عودة النشاط في الليل

لكن سكينة دبي تنقلب نشاطاً وحركة بعد أن تغرب الشمس وينتهي وقت الصيام، وتتحول الليالي إلى مناسبات اجتماعية يلتقي فيها الأهل والأصدقاء في البيوت أو في المطاعم.

وتمتليء مراكز التسوق مكيفة الهواء بالمتسوقين، حيث تبقى مفتوحة حتى ساعات الفجر الأولى، بينما تقدم كثير من المطاعم وجبة السحور في حوالي الساعة الثالثة فجراً.

وتعوض المتاجر التي تزدحم في الليل بالمتسوقين تراجع مبيعاتها في النهار. ويتم ذلك في أجواء رمضانية احتفالية تميزها لافتات تعلن عن تخفيضات بمناسبة شهر رمضان.

أما الفنادق التي تمتنع عن تقديم الكحول أثناء رمضان، فتعوض عن ذلك بتقديم وجبات البوفيه المفتوح في الخيم البدوية الرمضانية التي تنصبها في باحاتها مكيفة الهواء، أو تستضيف مجموعات كبيرة في قاعاتها الفخمة لتناول طعام الإفطار الرمضاني.

وتتساوى في تقديم وجبة الإفطار الرمضاني جميع الفنادق، حتى تلك التي لا تقدم طعاماً شرقياً في العادة، كما تعلن بعضها عن تخفيضات على قائمة الطعام بهذه المناسبة.

من أسرع وجبات الإفطار التي تقدم في دبي هذا العام هو ما تقدمه شركة محلية لتوصيل الطعام إلى المنازل تحمل اسم "غاف كيتشن" (مطبخ غاف) والتي تحولت من شاحنات "ستروين" المتنقلة إلى إقامة حدائق رمضانية تقدم فيها الطعام في منطقة شارع السركال، وهي المنطقة الفنية في دبي.

ومن خلال النجوم المعلقة في الأسقف، والكثير من النباتات الخضراء، والطاولات الممتدة لاستقبال مجموعات كبيرة من الصائمين، تقلد حدائق ومخيمات رمضان موسم الأكل في الصيف، ولكن في ظل الراحة التي يوفرها الهواء المكيف.

يقول ديفيد أوبراين مدير مجموعة غاف: "الحدائق الرمضانية هي عبارة عن تقديم التقاليد بلمسة معاصرة وجذابة. لقد أردنا توفير أجواء باهرة ونابضة بالحياة يجمع فيها الناس بين الاستمتاع بالطعام، وإنهاء صيامهم في الوقت ذاته".

في نهاية المطاف، يبقى رمضان وقتاً للتفكر والعبادة. ويشرح أبو العطا ذلك بالقول: "إنه وقت روحاني بامتياز، وفرصة لتتذكر الآخرين الذين هم أقل حظاً منك، والذين يتضورون جوعاً لساعات طويلة لأنهم لا يجدون الطعام".

ويضيف: "نحن نستغل فرصة هذا الشهر لكي نعلم أبناءنا أنك لا تستطيع أن تأكل ما تشاء في أي وقت تريد".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة