هل فيلم "الشعلة" الهندي يوازي "حرب النجوم" الأمريكي؟

مصدر الصورة United Producers

حقق فيلم "الشعلة" الهندي نجاحا يفوق أي فيلم آخر. وفي الذكرى السنوية الأربعين لأول عرض له، يتساءل راهول فيرما عن سبب تأثير هذه الفيلم على الثقافة الشعبية.

يحتفل الهنود في الخامس عشر من أغسطس/آب بيوم الإستقلال، لكن هناك احتفالية سنوية أخرى تحظى بأهمية ثقافية هائلة، إذ يشهد العام الحالي مرور 40 عاما على أول عرض لفيلم "الشعلة"، الذي يعد أحد أعظم الأفلام الهندية على الإطلاق.

عُرض "الشعلة" خمس سنوات متتالية بسينما "مينيرفا" ذائعة الصيت التي تتسع لـ 1500 متفرج بمدينة مومباي بعد أول عرض له عام 1975. ولا يزال الفيلم يحتل الصدارة عند استطلاع آراء الجمهور والنقاد. في عام 2005، منحته مجلة "فيلمفير" لقب "أفضل فيلم خلال الخمسين عاما الماضية"، كما حصل على المركز الأول في استفتاء مجلة "تايم آوت" عن "أفضل 100من أفلام بوليوود"، وهو الاستفتاء الذي أجرى في يناير/كانون الثاني من العام الجاري.

تدور أحداث الفيلم، وهو من إخراج راميش سيبي، في 204 دقيقة من المغامرات واللقطات السريعة التي تجعل المتفرج يحبس أنفاسه من الإثارة. يحكي الفيلم قصة رئيس سابق للشرطة، تاكور (يجسده سانجيف كومار) الذي يستعين بلصين نزيهين، "جاي" (أميتاب باتشان) و"فيرو" (دارمندرا ) للقبض على قاطع طريق يدعى جبار سينغ (أمجد خان).

يعتقد راجيندر دودرا، الذي يلقي محاضرات عن السينما الهندية بجامعة مانشستر، أن فيلم الشعلة يحتل مكانة خاصة بسبب تأثيراته على عدة مستويات، قائلا: "فيلم الشعلة هو أفضل فيلم هندي يدمج الدراما بالكوميديا بالرومانسية بالأحداث المثيرة والأمور العائلية بشكل رائع. علاوة على ذلك، نجد أن الجانب الفني لمشاهد الحركة رائع بشكل لا يُصدق، وخاصة في مشهد القطار في بداية الفيلم، وهو المشهد الذي أثار إعجاب أولاد أخوتي المراهقين، بالرغم من أنهم معتادون على رؤية اللقطات الحديثة التي تعتمد على الكمبيوتر."

وأضاف: "إنها ليست مجرد لقطات ترفيهية مثيرة، لكنها تزيد وعي الجمهور بالقانون والنظام والعدالة والانتقام ـ إنها تعكس القلق الذي كان يشعر به المواطن خلال فرض حالة الطواري في الهند بين عامي 1975 و1977. كانت هناك اضطرابات اجتماعية وسياسية واقتصادية، إضافة إلى شعور بعدم الثقة تجاه الدولة."

شهدت تلك الحقبة المثيرة للجدل من تاريخ الهند ـ عندما أعلنت رئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي حالة الطواريء في جميع أنحاء البلاد – شهدت حالة من القمع للمعارضة السياسية وفرض رقابة على وسائل الإعلام.

كان لحالة الطواريء تأثير مباشر على فيلم "الشعلة"، إذ أصرّت الرقابة على إعادة تصوير اللقطات النهائية من الفيلم. يقول دودرا: "تدخلت الدولة وأعربت عن قلقها فيما يخص حالة الطواريء في البلاد والرسالة من وراء تطبيق المواطن للقانون بنفسه." وبالفعل أعيدت نهاية الفيلم عندما عُرض مرة أخرى عام 1990.

من النقد إلى القمة

تقول أنوباما شوبرا، ناقدة بارزة للأفلام السينمائية الهندية ومؤلفة كتاب "الشعلة: صناعة فيلم كلاسيكي"، إن الفيلم ما زال يحتفظ بنجاحه بفضل قصته الرائعة وشخصياته الفاتنة وأغنياته التي تأسر القلوب. وتضيف: "الفيلم لا يفقد بريقه بمرور الزمن، علاوة على أنك تكتشف شيئا جديدا كلما تشاهده. كل شخصية لها جاذبيتها الخاصة، حتى الشخصيات الهامشية لا تُنسى، مثل حصان "باسانتي" اللعين، دانو."

ضم الفيلم كل نجوم الفن الكبار؛ فريق مثالي لكتابة السيناريو هما "سالم خان" و "جاويد أختر" (والدا النجمين الحاليين في السينما الهندية سلمان خان وفرحان أختر)، علاوة على أعظم ممثلين (سانجيف كومار، دارمندرا وهيما ماليني) إضافة الى النجم الصاعد آنذاك أميتاب باتشان) ـ المعروف بلقب "بي الكبير"، الذي لا يزال حتى 2015 يزداد شهرة وهو بعمر 72 عاماً ويُعتبر أحد أعظم النجوم في بوليوود.

مصدر الصورة BBC World Service

مع ذلك، وجد الفيلم ذو التكاليف الباهظة صعوبات خلال الأسابيع الأولى لعرضه، للدرجة التي جعلت طاقم العمل يعرب عن استعداده لإعادة تصوير مشاهد النهاية بسبب ردود الفعل السلبية من جانب المشاهدين. تقول تشوبرا: "واجه الفيلم انتقادات كبيرة في البداية من جانب النقاد والمجلات، وقالوا إن المخرج القدير كان بإمكانه صنع فيلم أفضل بتمويل أقل."

وأضافت: "أن يواجه الفيلم انتقادات في البداية ثم يصبح الأكثر شهرة في تاريخ السينما الهندية هو أمرٌ لا يصدق. حتى في عالم صناعة السينما في يومنا هذا، لن تصادف شخصا لم يشاهد فيلم الشعلة، الذي أصبح بمثابة الكتاب المقدس لمخرجي الأفلام."

امتد تأثير الحوار والأغاني لما هو أبعد من الشاشة الصغيرة. تقول شوبرا: "الجُمل التي قالها الشرير جبار سينغ هي أكثر العبارات التي لا تُنسى ولا زالت تستخدم حتى اليوم، مثل ’كم رجلاً كان هناك؟‘، أو ’ماذا سيحل بك، كاليا؟‘. إنك تفتح عالما بأكمله عندما تنطق جملة واحدة من جمل الفيلم."

تعد أغنية "يه دوستي" أو (هذه الصداقة) هي أهم أغنيات الفيلم وتعكس الصداقة القوية بين جاي وفيرو، حيث يتغنى كل من هذين الخارجين عن القانون ببعضهما البعض. اتخذت الأغنية معنى ثقافياً أعظم منذ اطلاق الفيلم قبل 40 عاماً.

يتذكر بوبي فريكشن، المذيع ومقدم الأغاني بشبكة بي. بي. سي الآسيوية والذي ترعرع في غرب لندن، هذه الأغنية باعتزاز ويقول: "كمراهق، أتذكر أصدقاءً وهم يغنون ’يه دوستي‘ في المتنزهات، وأذكر سماعها في الحفلات العائلية مع والدي وأصدقائهما. في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، كنت أقدمها عندما أعمل كمقدم للأغاني المسجلة في النوادي الليلية في لندن. واليوم، وفي حفلات الأعراس الهندية، عندما تُقدم هذه الأغنية فتلك إشارة للعريس وأصدقائه لكي يحتلوا صالة الرقص ـ لقد أصبحت رمزاً للصداقة بين الرجال الآسيويين."

ويقول دودرا إن هذه الأغنية تغنى أيضاً من قبل مشجعي المنتخب الهندي للكريكت أثناء المباريات، وأصبحت النشيد الرسمي للمشجعين الذين يطلقون على أنفسهم "جيش بهارات". لكن السؤال هو: لماذا صمدت هذه الأغنية؟ يقول دودرا: "وطّدت ’يه دوستي‘ مكانة المحتالين المحبوبين لفيلم الشعلة، جاي وفيرو، في أفلام السينما الهندية والثقافة الشعبية لجنوب آسيا."

ويضيف: "جاي وفيرو رجلان يتسمان بالأناقة إلى حد كبير ـ يبدو أميتاب رائعاً بملابس الجينز الباهرة، علاوة على أن لكليهما ملامح صارمة وبنية مثيرة للاعجاب. لقد أصبحا رمزين لرجولة أهل الجنوب الآسيوي. دعونا لا ننسى أنه بالنسبة للآسيويين الجنوبيين في بريطانيا والولايات المتحدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لم تكن مشاهد مثل تلك متوفرة في وسائل الاعلام الرئيسية. كانت العنصرية جزءا من الحياة اليومية."

وكان الفيلم متحررا بشكل لافت للنظر، وربما حتى هداما. ويشيد دودرا بكيفية تخطي علاقة فيروو بحبيبته باسانتي (هيما ماليني) للروابط العائلية لتنمو بعيداً عن المجتمع، ويقول: "إنها مدينة فاضلة للعشاق الشباب". لقد افتتنت شوبرا "بمحاولات تاكور النشطة للتوفيق بين نجلته الأرملة بالمجرم جاي لإدراكه بأنها ستجد السعادة معه."

يبرز فريكشن المسحة النسوية في الفيلم والمتجسدة في باسانتي، تلك الشابة الصادقة بكلامها، المتواضعة والمعتمدة على نفسها، والتي تمارس عملاً يقوم به الرجال من خلال قيادة عربة وحصان. وتتسم شخصيتها بالصلابة والقوة التي تبرز عندما ترقص على زجاج مكسور لتنقذ حياة حبيبها.

ويضم الفيلم أيضاً شخصية تعد رمزا للأشرار وهي شخصية جبار سينغ، التي يجسدها أمجد خان. هذه الشخصية تخيف وتلهم فريكشن في نفس الوقت. وعن ذلك يقول: "إنها مثل شخصية دارث فيدر في فيلم حرب النجوم؛ شرٌّ مطبق، مرعب تماماً وشرير قاسي القلب. عندما كنت أقدم أغاني مسجلة في نوادٍ ليلية، كنت أحاول أن أبدو مثله ـ سافرت إلى الهند وطلبت خياطة بدلة قتالية خضراء، كما أطلقت لحيتي."

أما ذكريات شوبرا عن جبار فهي مختلفة، إذ تقول: "كنت فتاة صغيرة عندما عُرض فيلم الشعلة لأول مرة. لا أتذكر أول مشاهدة لي للفيلم، لكني أتذكر الخوف الذي انتابني من الموسيقى المصاحبة لمشهد ظهر فيه جبار على الشاشة ـ حتى اليوم، أتذكر جيدا ذلك الصوت الذي يجعلني أرتعد خوفاً."

الشيء الملفت للنظر هو أنه بعد أربعة عقود من الزمن يبدو أن فيلم الشعلة يزداد بريقا، وكما يقول فريكشن: "إنه نوع من الثقافة التي يمكن نقلها إلى الجيل القادم ـ مثل أبٍ يقدم نسخة أصلية من "فرقة نادي سرجنت بيبر للقلوب الوحيدة" لأطفاله قائلاً لهم، ’القوا نظرة على هذه‘."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة