ما سر شغف البريطانيين بالأحوال الجوية؟

مصدر الصورة John Atkinson Grimshaw

في كتابها الجديد "ويذرلاند"، تستكشف ألكساندرا هاريس كيف تأثر الكتاب والفنانون البريطانيون بالأحوال الجوية عبر العصور. الصحفية ألستير سوك حاورتها للتعرف على أبرز ملامح ذلك الشغف بحالة الطقس.

إحدى الأفكار المكررة حول الشعب الإنجليزي هي أننا شغوفون بالتغيرات المستمرة التي تطرأ على أحوال الطقس. فبداية هطول زخة مفاجئة من المطر يمكن أن تجمع بين شخصين لا يعرفان بعضهما لعدة دقائق وهما ينتظران القطار على رصيف المحطة، أو على الأقل هذه هي الفكرة المأخوذة سلفاً عن البريطانيين.

لكن كتاب "ويذرلاند" الجميل لمؤلفته البريطانية ألكساندرا هاريس يقول إن هذه الفكرة السائدة منصفة وتعكس الواقع. النقاش الوارد في الكتاب والذي يلقي الضوء على تأثر عشرات الكتاب والفنانين بأحوال الطقس خلال الألفيتين الماضيتين يذهب إلى أبعد من ذلك.

ويقول الكتاب إنه بعيداً عن مراقبة وتسجيل التغيرات التي تشهدها الأحوال الجوية، فإن الكُتاب والفنانين غالباً ما كانوا يجعلون من الأحوال الجوية مادة لنكاتهم الساخرة أيضا، لدرجة أننا أحيانا "نصطنع حالة معينة للطقس"، كما تقول هاريس.

إنها فكرة واضحة لكنها مرفوضة من قبل مركز الأرصاد الجوية المزود بوسائل القياس الدقيقة للطقس. فهطول الثلوج بالطبع ليس سطوعاً للشمس. والمطر الخفيف المتقطع ظاهرة مختلفة عن المطر الغزير، لذا ما الذي تعنيه هاريس يا ترى؟

تجيب هاريس: "بالطبع لا يمكنك التقليل من القوة الموضوعية للعالم المحيط بك. الحاجة للاستمرار في إنتاج المحاصيل والأعمال الزراعية الأخرى كالإنتاج الحيواني في ظروف مناخية صعبة أثرت فينا بلا شك. لكن في الوقت ذاته أعتقد جازمة أننا تكلفنا بشأن (التعامل مع) مسألة الطقس بأننا جعلناها تطغى على مشاعرنا وليس فقط على سلوكنا".

مصدر الصورة Thames and Hudson

ولإيضاح فكرتها تضرب هاريس مثالاً بسيطاً عن المطر، وتقول: "ينبغي أن يرمز المطر الى أنماط الخصوبة، وهو شعور عادي نابع من أننا نحتاج إلى الماء لري محاصيلنا لإنتاج الغذاء. لكن بدلاً من ذلك يوجد لدينا منظومة أفكار كاملة حول المطر.

وتضيف: "ففي تلك المنظومة الفكرية يمكن للمطر أن يكون بالنسبة لنا دموعاً، وليس في ذلك أي أمر عملي. كما أن فكرة أن المطر لديه القوة لاصابتنا بالاكتئاب ما هي إلا شيء صنعناه بأنفسنا".

بقراءة كتاب "ويذرلاند"، يصبح واضحاً أن مواقف الناس في العصور المختلفة تجاه الأحوال الجوية جاءت بناء على الأفكار المسبقة السائدة في ذلك العصر. أحد الأمثلة الواضحة على ذلك هو النقلة التي حدثت بين الفترة الأنجلوساكسونية إلى العصور الوسطى.

تقول هاريس: "من الكتابات الأولى في العصر الأنجلوساكسوني التي بتنا نعرف على أساسها بأننا انجليز، هناك انبهار كبير بالطقس كمعيار لتغير المزاج ونوعه. لذا فالطقس ليس ما يجري في الخارج ونراه عبر النافذة ولكن ما يحدث في داخلك، فهو وسيلة لوصف ما يدور في عقلك وفي قلبك".

والأدب الأنجلوساكسوني متقشف للغاية، ومليء بصور الجليد والثلج التي تطبع الحالة النفسية بالحزن. وفي الحقيقة ، اشتملت اللغة الانجليزية القديمة على مفردات مميزة ومثيرة للإعجاب متعلقة بفصل الشتاء.

وتضيف هاريس: "لكن وبشكل مدهش بعد الغزو النورماندي، تجد اهتماما مفاجئا بالدفء والشمس والربيع. وتشعر أن هذا الظهور للثقافة المتوسطية-اللاتينية عبر فرنسا، قد بدأ في الوصول إلى انجلترا. ولهذا عكس الوضع السياسي للبلاد بمجمله أحوال الطقس التي عبرت عن تذوق ما للحياة."

مصدر الصورة JMW Turner
Image caption إحدى لوحات تيرنر: العاصفة الثلجية

بكلمات أخرى، كان شعراء القرون الوسطى أقل اهتماما بالأحوال الجوية من نظرائهم في العصر الأنجلوساكسوني. وقد فضلوا الكتابة عن الربيع، وهي فكرة لم تكن حتى موجودة في القرن الثامن أوالتاسع أوالعاشر.كان ذلك بالطبع هو ما بدأ به "تشوسر" كتابه الشهير "روايات كانتربري" بالإشارة إلى أمطار "أبريل/ نيسان" الجميلة.

وتضيف هاريس: "ثم كان التغير التالي الواضح في التأثر بالأحوال الجوية في عصر التنوير. فكما يستشف من الكلمة نفسها، فإن مناخ التنوير ينبغي أن يكون مشرقاً. الطقس المثالي الذي يمكن أن تكون فيه عقلانياً وتبحث فيه عن المعرفة التجريبية هو يوم دافيء ومشمس وصاف."

وتتابع: "ويخطر ببال أحدنا رسامو القرن الثامن عشر من أمثال ساندبي، وهو يرسم أفقاً منخفضاً ومساحات ممتدة ومفتوحة، أو البناؤون في مدينة باث يشيدون مدرجات طويلة من الجص المتلأليء، كانت تلك طريقة التفكير في الطقس كمحفز للإنسان لكي يستكشف العالم، وذلك من خلال الشعور بأن كل شيء يمكن إضاءته".

سادة المناخ

بعد عصر التنوير وخلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر، ظهر فنانان انجليزيان مرتبطان بشكل وثيق بالتقاط الآثار العابرة للأحوال الجوية، إذ يعود الفضل في ذلك إلى كل من "كونستابل" و"تيرنر"، اللذان كانا في الحقيقة يقومان بأشياء مختلفة، كما تضيف هاريس.

في الفترة ما بين 1821-1822، قضى كونستابل وقتاً طويلاً في منطقة هامستيد هيث في لندن يرسم لوحات عن تكون السحب بينما لا يوجد تحتها ظروف جوية معينة مثل اتجاه الريح.

مصدر الصورة John Constable
Image caption قضى كونستابل وقتاً طويلاً في منطقة هامستيد هيث في لندن يرسم لوحات عن تكون السحب

وقد دفعت قدرته على تصوير الأحوال الجوية بدقة الرسام السويسري هنري فوسيلي إلى القول: "المناظر الطبيعية التي يرسمها كونستابل تجعلني أشعر بالحاجة إلى ارتداء معطف سميك، وأن أحمل مظلة".

وتضيف هاريس أن تيرنر "كان يعشق الطاقة الكامنة في المناخ. كان يريد أن يلتقط كل تلك الطاقة الموجودة في الجو ويحتفظ بها لنفسه. كان يغار من الطبيعة لامتلاكها كل تلك القوة. لذا تراه يرسم البحر الهائج، والسماء تنحني لمعانقته. إنه في منافسة مستمرة مع الأحوال الجوية.

وتتابع: "كان يعتقد أن مهمته كرسام أن يجعل لوحته تحترق إذا كان يرسم الشمس، ويجعلها تغرق إذا كان يرسم العاصفة. هنا كانت تكمن سعادة تيرنر الغامرة. كونستابل فضل أن يقف مراقباً على ما تفعله الطبيعة."

في الواقع كان تيرنر في حالة عشق مع المناخ الانجليزي لدرجة أنه يعطيه ميزة على الأساتذة القدماء في جنوب أوروبا. "كان صريحاً في القول إن تنوع الطقس الانجليزي كان موضوعاً رئيساً للرسامين، وإن زرقة السماء التي تميز مناخ البحر المتوسط لا تعتبر شيئاً ذا بال مقارنة بالضباب في بلادنا"، كما تقول هاريس.

وتعد الطريقة التي صور بها تيرنر الضباب توضيحاً جيداً لنظرية هاريس القائلة إننا نحن من اصطنعنا تلك القصة المتعلقة بحالة الجو.

مصدر الصورة JMW Turner
Image caption لوحة تيرنر "أمطار، وبخار، وسرعة" عام 1844

تقول هاريس: "عندما أشاهد الضباب، لا أرى في ذلك سوى ضباب وليس أكثر من ذلك، لأنني أستحضر ما قاله تيرنر. ولربما يحضرني الفنان أتنكسون غرمشو من العصر الفكتوري، إضافة إلى سلسلة من الأفلام. أعتقد أننا جميعاً نحتفظ بخزان من الصور التي تشير إلينا بما هو موجود أمامنا على أرض الواقع".

وتضيف هاريس: "لا أستطيع تخيل لماذا لا يكون لدي عقل بريئ صاف عندما أسير وسط الضباب، ما الذي يرتسم في ذهني عن الضباب؟ لن يكون باستطاعتي تشكيله وإعادة صياغته. إن الذي نراه على أرض الواقع طوال الوقت هو سلسلة من الصور التي لا نتذكر سوى جزء منها. ولهذا أعتقد أننا نعيش في عالم من صنع البشر، ولو بشكل جزئي، وهو عالم صنعته ذاكرتنا الخاصة".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة