عرض نقدي: هل فيلم "القمة القرمزية" مرعب بالفعل؟

مصدر الصورة Universal Pictures

يبدو فيلم "كريمسون بيِك" (أو القمة القرمزية) الذي تمتزج فيه الرومانسية بما يُعرف بطابع الرعب الغوطي، للمخرج غليرمو ديل تورو، عملا مبهرا وساحرا من الناحية البصرية.

فمن تلك الناحية، بدا العمل مأدبة حافلة بكل ما تشتهي الأعين، لكنه في ما خلا ذلك من جوانب ليس سوى وجبة خفيفة متواضعة لمشاهديه، كما يقول الناقد السينمائي نيكولاس باربر.

ربما كان بوسع المخرج غليرمو ديل تورو أن يوفر على نفسه الكثير من الوقت والعناء إذا ما استعاض عن إخراجه لفيلم "كريمسون بيِك" بإرسال تغريدة على موقع تويتر يقول فيها "إنني أهوى حقا أفلام الرعب الغوطي ذات الطراز الفيكتوري التي تُصوّر في منازل عتيقة تعربد فيها الأشباح".

ففيلمه الجديد، الذي كان يُفترض أن يكون هدية كل المحتفلين بعيد كل القديسين (الهالوين)، يمثل لفتة إجلال مفعمة بالحب لروايات وأعمال مثل "رِبيكا"، و"جين آير" و"توقعات عظيمة"، و"كاري أون سكرِمينغ". لكن يمكن القول إن "كريمسون بيِك" يعد بادرة إجلال لتلك الأعمال من منظور أنه كرر ما فعله صناعها من قبل، ولكن ليس بالجودة نفسها.

صحيح أن هناك أسرارا عائلية مخفية في غرف تكسوها خيوط العنكبوت. كما تحفل المؤثرات الصوتية المستخدمة بأصوات صرير الأبواب وعويل الرياح.

لكن ديل تورو لم يضفِ أي لمسة شخصية أو شيئا جديدا على ما تحويه الأفلام السينمائية التي أنتجت من قبل من هذه النوعية، باستثناء بعض المشاهد التي تظهر بجلاء دماءً سُفكت بفعل أعمال عنف على ما يبدو وبعض الخدع السينمائية المبتكرة بواسطة الكمبيوتر للأشباح التي ظهرت في الفيلم.

كما أن المخرج لم يسبغ على هذا العمل ذاك الجو الحزين والغريب الذي خيم على عمليّه المرعبيّن الناطقين باللغة الإسبانية: "ديفيلز باكبون" (العمود الفقري للشيطان) و"بانز لابرينث" (متاهة بان)؛ هذين الفيلمين المثيرين والمخيفين للغاية.

ويتسم فيلم "كريمسون بيِك" بالفخامة في الإنتاج، ولكنه يظل عملا خاويا من المضمون أشبه بخليط من أعمال أخرى متنوعة، إذ يمكن أن يحسبه المرء - خطأً - أنه ليس سوى جولة في معرض للرعب، أو فيلم من أفلام ديزني التي تروي إحدى حكايات الجنيات الخرافية، أو يظنه حتى أشبه بفيلم "ظلال قاتمة" للمخرج تيم بيرتون، ولكن دون الدعابات التي يحتوي عليها هذا العمل.

ويبدأ الفيلم أحداثه في مدينة بافالو بولاية نيويورك عام 1901. وتأخذ بطلة العمل، وتُدعى إديث كوشينغ (وتقوم بدورها الممثلة مِيا فاسيكوفسكا)، لقبها العائلي من لقب أحد كبار نجوم الأفلام التي انتجتها شركة "هامر". كما أن إديث، وهي الابنة العذراء لرجل صناعة أرمل، تطمح في أن تصبح روائية.

ولكن ربما لم يكن من المهم ذكر الطموح الأدبي لهذه الفتاة طالما أنه لم يكن له تأثير يذكر على مجريات الأحداث.

ويمكن قول الشيء نفسه بشأن هواية آلان؛ ذاك الشاب الأنيق والتقليدي في الوقت نفسه الذي يسعى لخطبة إديث (يقوم بدوره الممثل تشارلي هانام) وهي الهواية التي تتمثل في حبه لجمع صور فوتوغرافية للأشباح. فتلك الهواية قد ذُكرت مرة واحدة، ولم يرد ذكرها أو الإشارة إليها ثانيةً قط.

مصدر الصورة Getty Images

ويبدو من مجريات الأمور في الفيلم أن آلان وإديث في سبيلهما للاقتران العيش معا، لكن أفكار تلك الفتاة تتبدل مع وصول شخصيتين جديدتين قادمتين من انجلترا: رجل أنيق جذاب يُدعى السير توماس شارب (ويقوم بدوره الممثل توم هيدلستون) وشقيقته التي لا تكف عن السخرية ممن حولها لوسيل (جيسكا تشاستاين، والتي لا تبدو لكنتها الانجليزية أفضل كثيرا من اللكنة الأمريكية التي يتحدث بها الممثل تشارلي هانام).

ويشك والد إديث في أن هذين الزائرين الارستقراطيين يرتكبان أفعالا شريرة. ويعود ذلك جزئيا إلى تلك الصراحة المفرطة التي يتحدث بها السير توماس عن حاجته الماسة للمال، كما يُعزى كذلك إلى أن شقيقته لوسيل تتخذ لنفسها سمة أقرب إلى سمة شخصية "كورويلا دي فيل"، تلك الشخصية الشريرة التي ظهرت في فيلم أنتجته شركة ديزني في خمسينيات القرن الماضي.

في واقع الأمر، كان من شأن الوضوح الشديد للمؤشرات التي تفيد بأن الشقيقين ما هما إلا وغدان؛ جعل المرء يميل للافتراض بأن الأمر كله ما هو إلا خدعة. بالتأكيد، هكذا يحسب المشاهد، سيتضح في نهاية المطاف أن الشقيقين هما شخصان صالحان أُسيء فهمهما ليس إلا.

لكن ليس الأمر كذلك، فذلك الفيلم يمثل نموذجا نادرا لأفلام الغموض، التي يكون فيها جوهر كل شخصية مماثلا تماما لمظهرها، بل ويتضح من خلال أحداثها أن الشكوك الأولية التي يُكِنُها المرء حيال الآخرين صحيحة دون ريب في نهاية المطاف.

لكن إديث كانت ساذجة بما يكفي لكي ينطلي عليها الخداع. فعندما يقضي والدها نحبه فجأة (تُضرب جبهته مرارا وتكرارا في جدار حوض للغسيل، ولكن السلطات تخلص – للمفارقة - إلى أن الوفاة ناجمة عن حادث)، تقترن هي بالسير توماس وتنتقل للحياة معه ومع لوسيل في قصرهما المتداعي القابع في أعماق الريف الإنجليزي.

ومثل كل شيء آخر في الفيلم، يبدو القصر فائق الجمال. فالمسؤول عن ديكورات الفيلم ومحتواه البصري توماس إي ساندرز صمم مشاهده بشكل جعل العمل يبدو كما لو كان صندوق مجوهرات مزخرفا على نحو رائع، لتشعر كأنما كدس هذا الرجل ديكورات كاتدرائية باذخة بداخل غرفة معيشة عادية لبيت يقطنه من يتعلمون السحر.

من ناحية أخرى، فإذا لم تكن لمسات مُصمم المشاهد كافية لإبهار متابعي الفيلم، فقد كانت الحالة الرثة للغاية التي بدا القصر عليها كافية لجعل مشاهده فاتنة بشكل أكبر. فأوراق الأشجار بدت وهي تتساقط ببطء وعلى نحو رائع من فجوة في سقف المنزل على القاعة الكبرى فيه.

كما أظهر العمل أوحالا شبيهة بصلصة الطماطم، تأتي من المنجم الطيني الخاص بالأسرة، وهي تتسرب بين ألواح أرضية المنزل.

ولإكمال هذه الوليمة الشهية للناظرين، بدت كل من فاسيكوفسكا وتشاستاين رائعتين للغاية في تلك الأردية المترفة غالية الثمن التي ارتدتها كل منهما، إلى حد جعلهما كما لو كانتا خارجتين للتو من لوحة للشاعر والرسام الإنجليزي دانتي جَبرييل روزيتي.

قصة حب سيئة

يمكن القول إنه لا يمكن التعرف على السبب الذي يقف وراء خروج فيلم مثل "كريمسون بيِك" إلى النور إلا بمواصلة التحديق في تلك المشاهد التي تظهر ذاك القصر وقاطنيه. فعندئذٍ، بوسعك كمشاهد أن تشعر بالامتنان والتقدير لرغبة ديل تورو في أن يجعل فيلمه - الذي يدور حول قصر مسكون بالأشباح – أعظم قدرا وأكثر جمالا وفخامة من أي فيلم سبقه في هذا الإطار.

مصدر الصورة Universal Pictures

لكن إذا كان العمل يمثل مأدبة حافلة بكل ما تشتهي الأعين، فإنه في ما خلا ذلك من جوانب ليس سوى وجبة خفيفة متواضعة. فليس هناك ما يكفي من تحولات وتقلبات في الأحداث. بل إنه لا توجد حبكة بمعناها الكامل من الأساس، لا أكثر من ذلك ولا أقل.

فبدلا من المبالغة في تصوير ما حفلت به أعمال مثل "جين آير" وغيره من مفارقات وانحرافات وعناد، اختار ديل تورو التخفيف من قوة وكثافة مثل هذه الأمور.

وعند منتصف الفيلم تقريبا، تنتقل أحداثه من الولايات المتحدة إلى إنجلترا. وبمجرد حدوث ذلك، تنعدم الأحداث تقريبا. فـ"إديث"، التي لا تجد ما تفعله أو من تتحدث عنه، تُترك لكي تهيم على وجهها على غير هدى حول المنزل، حتى تحين اللحظة التي تكتشف فيها حل لغز، سبق وأن عرف الجميع حله سواها منذ ساعة تقريبا؛ بمن فيهم والدها قبل رحيله المفاجئ.

وهكذا فلابد وأن إديث كانت تشعر بالراحة، كلما لاح أمامها شبح – من تلك الأشباح التي تم ابتكارها بواسطة الكمبيوتر – في ضوء أن حدوث ذلك كان من شأنه كسر الرتابة المخيمة على العمل.

ولكن هذا الفيلم يتضمن بالتأكيد لغزا منطقيا، ألا وهو: لماذا لم تظهر خلال أحداثه أي قمة ذات لون قرمزي؟ فقد استمد الفيلم اسمه على ما يبدو من ذاك الاسم الذي أطلقه السكان على الضيعة التي يمتلكها آل شارب، نظرا لأن تربتها الغنية بالطين والطمي تكتسي ببقع حمراء بلون الدم عند هطول الجليد في فصل الشتاء.

غير أن الأمر الغريب يكمن في أن هذه الظاهرة المروعة تحدث على رقعة واسعة من الأرض المنبسطة التي لا تلوح فيها أي قمة في الأفق. فهل كان السكان قد أطلقوا ذاك الاسم على الضيعة من باب السخرية؟

فلو كان قد أُطلق على تلك الضيعة اسم "الغور القرمزي" مثلا لكان ذلك دقيقا على أقل تقدير، وهو ما ينطبق كذلك على الفيلم نفسه، الذي يبدو مستواه أقرب إلى الانحدار منه إلى الارتقاء إلى القمة.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة