تايلاند: هل يمكن للسفر أن يعلمنا كيف نستمتع بحياتنا أكثر؟

مصدر الصورة Jack Kurtz. Getty

ارتقت مكانة مفهوم بوذي يُعرف باسم "سانوك" في تايلاند، والذي يتعلق بسعي المرء لأن يجلب لنفسه السعادة والإشباع النفسي في كل ما يمارسه في حياته، إلى أن أصبح بمثابة روحٍ لدى عموم الشعب وأسلوبٍ للحياة يمكن أن يتعلم منه الغرب.

في كل مرة أزور فيها تايلاند، وهي زيارات ليست متواترة على نحو كافٍ، أُباغت بمرأى السعادة والمتعة التي ينعم بها كل من هو هناك على ما يبدو. يحدث ذلك في شتى أنحاء العالم بطبيعة الحال، ولكنه يبدو مختلفا في هذا البلد الآسيوي.

فقد ارتقى التايلانديون بمسألة جلب السعادة والشعور بالإشباع النفسي لتصبح أشبه بروح تجمع الأمة بأسرها وطريقة تعيش بها حياتها، وذلك على نحو يجدر بنا جميعا – وبصراحة - محاكاته.

على أي حال، في كل ثقافة مفردة تعبر عن معاني المتعة والمرح واللهو، ولكن مفردة "سانوك" التي تعبر عن ذلك في الثقافة التايلاندية مشحونة بما هو أكثر من مجرد المعنى الحرفي للكلمة، فهي مفعمة أيضا بتبجيل وتوقير على نحو يفوق مثيلاتها في الثقافات الأخرى.

فمفهوم "سانوك" لا يعني الانغماس في اللهو والمرح باعتباره طيشا ومتعة دون تدبر للعواقب، بل إنه يعبر عن المرح والمتعة بوصفهما نشاطا ذا قيمة من حيث الجوهر.

فإذا أردت أن ترى مفهوم الـ"سانوك" مُجسداً على أرض الواقع أمام عينيك، فما عليك سوى أن تسلك أي شارع جانبي في بانكوك، من تلك الأزقة النشطة على نحو رائع والزاخرة بالحياة، أو فلتقصد أيا من المقار الحكومية أو الإدارية الموجودة في هذا البلد لذاك الغرض أيضا.

فربما سترى تجليات هذا المفهوم في صورة "معاكسة لطيفة"، أو "تلاعب بارع بالألفاظ"، أو حتى "حماقة عتيقة عادية". ودائما ما يتسم كل ذلك تقريبا باللطف، ويتضمن دوما أحد عناصر التناغم الاجتماعي.

يقول ويليام كلاوسنر، وهو خبير أمريكي في علم الإنسان (الأنثروبولوجي) عاش في تايلاند لعدة عقود، إن استخدام مفردات مثل "مرح ولهو" كترجمة لمصطلح "سانوك" يشكل "إجحافا بمعناه". فذلك يمثل "فشلا في استشعار سحر ما يشكل – في واقع الأمر - جانبا فريدا من جوانب الثقافة التايلاندية".

مصدر الصورة Pornchai Kittiwongsakul. Getty

وبوسع زوار تايلاند رؤية هذا المصطلح مُجسداً وفي أوج تألقه، خلال المهرجان السنوي الذي تشهده البلاد بمناسبة حلول رأس السنة التايلاندية والمعروف باسم "سونكران". ويُطلق على هذا المهرجان، الذي يُقام سنويا بين يومي 13 و15 أبريل/نيسان، اسم "أكبر حرب بالمياه في العالم"، وذلك لسبب وجيه.

فإذا ما خرجت إلى الشوارع خلال المهرجان ستُجازف بأن تصبح مغمورا بالمياه بالكامل، إما من جانب الأطفال الذين يجوبون الطرقات مُسلحين بمسدسات ضخمة لرش المياه، أو على يد الكبار الذي يحملون دِلاءً مملوءة بها. وهكذا، فإن "سونكران" – الذي بدأ كمهرجان بوذي - يشكل احتفالا واحتفاءً عملاقا باللهو والمتعة والمرح.

ولذا لا عجب في أنه يشكل العطلة الأهم في تايلاند. كما أنه ما من بقعة أخرى في آسيا تحتفي بتلك المناسبة، على ذات الشاكلة المكثفة والمفعمة بالمرح، التي تشهدها تايلاند.

التقينا سوميت جومزاي؛ أحد أشهر المهندسين المعماريين في تايلاند، وذلك في مكتبه الذي كانت تحتدم خارجه المظاهر المجيدة من الجنون والابتهاج التي تسود بانكوك. وقال لنا: "لن يكون الأمر مجديا إذا لم يكن مفعما بروح الـ 'سانوك'". ويضيف أن هناك "من يستقيلون من وظائف مجزية لأنها (بالنسبة لهم) غير ممتعة أو عامرة بالبهجة".

باغتني ما قاله جومزاي، إذ بدا لي بمدركاتي الغربية مفتقرا بشدة للنزعة العملية. ولوهلة راودني شعور بأنه يتلاعب بي أو يسخر مني. ولكن بالنسبة لسكان تايلاند، لا يشكل الانخراط في اللهو أو المرح أمرا اختياريا أو كماليا. وفي واقع الأمر، فإن لديهم مصطلحا آخر يُدعى "لين" أو (لنلعب) يستخدمونه لوصف القيام بأنشطة مثل إجراء أبحاث علمية أو المشاركة في اجتماعات عمل، وهي أنشطة لا يربطها غالبية الغربيين بالمرح أو الهزل.

ويمكن أن يرى المرء تلك الديناميكية، التي تبدو متناقضة ظاهريا، مُجسدة في المقار الحكومية أو الشركات في تايلاند، إذ ترى الموظفين هناك وكأنهم يمرحون ويتصرفون على نحو هزلي. ولكن رغم ذلك فإن العمل يُنجز، على نحو أو آخر، في نهاية المطاف.

وعندما قلت إن الأمريكيين يحبون المرح بدورهم، مشيرا إلى أننا ابتكرنا ذاك المفهوم السطحي المتعلق بما يمكن أن يُعرف بـ"المرح الكبير"، وهو ما يتجسد في كيانات مثل مدينة "ديزني وورلد" الترفيهية وأمثالها، وإقامة حفلات أعياد الميلاد على نحو مفرط ومبالغ فيه؛ رفض الرجل قولي ذلك.

مصدر الصورة Christophe Archambault. Getty

وقال: " لكنكم كأمريكيين تتعاملون مع لهوكم على نحو شديد الجدية. نحن لسنا كذلك كتايلانديين. نحن لا نؤمن بعقلية الانخراط في العمل بجد والانغماس في اللهو بإفراط. فمظاهر اللهو والمرح والسعادة لدينا تتوزع على مدار ساعات اليوم".

وسألته: "ماذا تعني بذلك؟" فأجاب: "ربما تتجسد (هذه المظاهر) في شكل بسمة أو ضحكة خلال يوم العمل، الذي لا يتسم بطابع عصبي كما هو الحال في أمريكا".

بجانب ذلك، قد يمثل مفهوم الـ"سانوك" آلية للتكيف مع الظروف المحيطة، والتي من شأنها توفير "مَصَدٍ عاطفي لمواجهة الأشياء الأكثر صعوبة في الحياة"، كما كتب أرني كيسلنكو في كتابه "ثقافة تايلاند وتقاليدها".

وعلى الرغم من أن تايلاند تُعرف باسم "أرض الابتسامات"، فإنه يصعب على غالبية الأجانب إدراك أن تلك الابتسامات ذات طابع معقد بشكل كبير، ومفعمة بالاختلافات الدقيقة. فرغم أن التايلانديين يبتسمون للتعبير عن السعادة أو الامتنان، فإنهم يفعلون ذلك أيضا لإخفاء مشاعر وعواطف سلبية، إذ أن البسمة يمكن أن ترتسم على شفاههم خلال مواجهة يسودها بالتوتر، أو أثناء السير في إحدى الجنازات.

وربما تفسر المعتقدات الدينية السائدة في تايلاند ولع مواطنيها وتعلقهم بالسعي لجلب السعادة والحصول على الإشباع النفسي في كل ما يمارسونه في حياتهم. فتايلاند هي أمة بوذية كما هو معروف، والـ"سانوك" نفسه مفهوم بوذي، يرمي لتذكير البشر بأن كل شيء يتغير ويتبدل، وأن من المهم أن يستمتع المرء بأقصى قدر ممكن من كل لحظة يعيشها.

علاوة على ذلك، هناك مفهوم آخر في الثقافة التايلاندية قريب من مفهوم الـ"السانوك"، ويعرف باسم "ماي بِن راي" والذي يمكن ترجمته في صيغ مختلفة من بينها "هدئ من روعك"، أو "لا عليك"، أو "ما من مشكلة". ولا يكتسي هذا المفهوم بمعنى سلبي كذاك الذي تتسم به عبارة مثل "لا عليك، سأقوم بذلك بنفسي"، بل إنه يستهدف تذكير المرء بضرورة التركيز على ما هو أكثر أهمية، كما يُفهم من قولنا "لا عليك؛ كل شيء زائل وعابر".

مصدر الصورة Taylor Weidman. Getty

ويشكل هذا المفهوم فلسفة حياة تُقدِر قيمة الانسجام، وتسعى لتجنب المواجهة، وتُقِرُ – بشكل بوذي للغاية – بأن الحياة ليس فيها إلا كل ما هو عابر وزائل. وبحسب هذا المفهوم، فإن ما يبدو مسألة حياة أو موت ربما لا يكون كذلك بالفعل.

وبالنسبة لبعض الغربيين، خاصة أولئك الذين يقيمون مشروعات اقتصادية وتجارية في تايلاند، قد يبدو هذان المفهومان الفلسفيان التوأمان؛ "سانوك" و"ماي بِن راي"، مُثيريّن للإحباط وخيبة الأمل. فالكفاءة في إنجاز الأعمال تتأثر سلبا (على المدى القصير على الأقل) إذا ما كان الجميع منهمكين في اللهو والمرح.

غير أن التايلانديين يرون أن خصالا مثل هذه منتجة ومثمرة، بطريقتها الخاصة. فالتحلي بها يؤدي إلى تقليص التوترات وتهدئة المشاعر العدوانية. ففي تايلاند، من المرجح أن يتجاهل الناس - مثلا - الشخص الثمل الذي يتصرف على نحو عدواني عوضا عن مواجهته، قائلين له "ماي بِن راي"، وهو ما يمكن ترجمته هنا ليكون "لا عليك. ما من شيء ذي بال".

وبينما يمكن وصف الثقافة الغربية بأنها مباشرة وتركز على أهمية إنجاز المهمة التي يُناط بالمرء القيام بها وإنجازها لأهدافها، بوسعنا اعتبار أن الثقافة التايلاندية ذات طبيعة غير مباشرة، وتركز على العملية والطريقة التي يتم عبرها إنجاز هذه المهمة.

ففي إطار ثقافة هذا البلد الآسيوي، لا ينشد المرء اللهو أو المرح بهدف الحصول على عائد أو تحقيق نتيجة ما، كأن ينعم مثلا بالاسترخاء أو أن يشكل من خلال توظيفهما في بيئة العمل فرق عمل متجانسة ومتعاونة، بل إن مثل هذه الأشياء تشكل قيمة يسعى إليها الإنسان من أجلها هي في حد ذاتها.

بطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن كل التايلانديين سعداء على الدوام، أو أن الانخراط في اللهو والمرح يمكن أن يشكل بديلا للعمل الشاق أو التغيير الاجتماعي. ولكن رغم ذلك، يبدو أن الأفكار التي يتبناها التايلانديون في هذا الإطار على جانب من الصحة والأهمية.

فما نعتبره في الغرب أنشطة "جادة ومهمة" ربما يحتاج إلى أن يصطبغ بقليل من الـ"سانوك"، ليس للتقليل من مدى جديته، ولكن لكي نُذكّر أنفسنا؛ بأن الجبين المجعد (من فرط الانهماك في التعامل الجاد مع الأمور) لن يقود عادة سوى إلى وجه مليء بالتجاعيد.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel.

المزيد حول هذه القصة