عرض نقدي: هل يستحق "حرب النجوم" كل هذه الضجة؟

مصدر الصورة Disney Lucasfilm

بدأ أخيرا عرض أكثر عمل سينمائي ترقبه المشاهدون على مدى السنوات الأخيرة، لكن هل هذه المغامرة الجديدة التي يُفترض أنها تجري في مجرة تقع على بعد سحيق منّا، ترقى لمستوى الضجيج الذي صاحبها؟ الناقد السينمائي نيكولاس باربر يقدم رؤيته حول الفيلم.

إذا ما قرر شخص ما – وهو بصدد إعادة تقديم الأجزاء الأولى من سلسلة "حرب النجوم" التي كتبها وأخرجها جورج لوكاس - الالتزام بما ورد خلال الجزئين الخامس "الإمبراطورية تنتقم"، والسادس "عودة الجيداي"، فسيكون العمل الناتج عن ذلك هو أحدث أجزاء تلك السلسلة:"حرب النجوم: صحوة القوة".

ففي هذا الفيلم الذي أخرجه جيه. جيه. أبرامز، وحظي بترقب غير مسبوق في تاريخ الكون بأسره، بوسع المرء أن يجد كل ما يمكن له أن يتذكره من الأجزاء الثلاثة الأولى الأصلية والمدهشة للسلسلة. كما أن فيه أصداء كذلك للأجزاء التالية الأقل بريقا.

فالفيلم الجديد لا يتعلق فقط بمتمردين أبطال (باتوا ينضوون الآن تحت لواء تنظيم عسكري يُعرف باسم المقاومة) يرفعون راية التحدي في وجه إمبراطورية خسيسة (يمثلها حاليا مجلس عسكري يُطلق عليه اسم النظام الأول)، بل إنه يتضمن كذلك كثيرا من الأشياء، بدءا من شاب مقدام يعلق على كوكب صحراوي وصولا إلى إنسان آلي مخلص وضئيل الحجم محمل برسالة ثلاثية الأبعاد.

ما يحتويه الفيلم يتنوع أيضا ما بين شخصية شريرة تستتر بقناعٍ، وتتشح برداءٍ أسود بلا كُميّن، وبين شخصية مماثلة لها أكبر حجما، لكن وجهها بات ذابلا وشاحبا. بل إن "صحوة القوة" يتضمن كذلك استخدام "ديث ستار" (نجم الموت)، وهي محطة فضائية متنقلة تُستخدم كسلاح، سبق وأن ظهرت مرتين من قبل خلال هذه السلسلة.

ويوحي ذلك بأن أشرار العمل ابتاعوا مجموعة من هذه الأسلحة بالجملة، وأنهم مصممون على مواصلة استخدامها رغم أنها غالبا ما تُحطم على يد من يُعرفون بمقاتلي "إكس وينغ".

فبكل إجلال وحماسة صبي يلهو بمجموعة هي الأكبر في العالم على الإطلاق من أدوات ودمي "حرب النجوم"، استغل المخرج أبرامز "صحوة القوة" لإعادة تقديم وتمثيل اللحظات المفضلة لديه في السلسلة، دون أن يضفي عليها كثيرا من لمساته الشخصية، إلا منح أدوارٍ أكثر للشخصيات النسائية، وإبداء تعاطفٍ أكبر مع الشخصيات الشريرة.

لكن بينما كان من الأفضل أن يرى المشاهد بعض العناصر التي لم يكن قد ألفها سابقا، فإن أبرامز يسبغ على الجزء الجديد قدرا كبيرا من الإجلال والحماسة المنبعثيّن من داخله هو نفسه: فالعمل الجديد، الذي كتب أبرامز بالمشاركة مع مايكل آرندت ولورانس كاسدَن (الذي شارك كذلك من قبل في كتابة الفيلمين الخامس والسادس في هذه السلسلة، كان أكثر صدقا في التعبير عن الروح البطولية الشجاعة المفعمة بالمغامرة لـ"حرب النجوم"، مقارنة بالأجزاء اللاحقة للثلاثية الأصلية التي بدأت بها السلسلة والتي كتبها وأخرجها لوكاس نفسه.

ويكتسي الجزء الجديد من تلك السلسلة بإطار خارجي عتيق طبيعي المظهر ميّز من قبل الثلاثية الأصلية لـ"حرب النجوم". كما يتسم بالتوازن ما بين دعابات مبتذلة حينا ومشاهد سينمائية مبهرة حينا آخر.

فضلا عن ذلك، تكمن في صميم هذا الجزء مسألة علاقة الصداقة التي تقوم على مفهوم الكل للواحد، والتي جعلتنا نحن كمشاهدين نرغب في القفز بداخل مركبة الفضاء المعروفة باسم "صقر الألفية" مع البطلين لوك وهان.

مصدر الصورة Disney Lucasfilm

لكن من المؤسف أن أبرامز استخدام كل أدواته، ولم يترك بعضها في الصندوق. فإذا ما كدست في فيلم واحد، ما يمكن أن تحتمله ثلاثية سينمائية كاملة، من مبارزات بسيوف ليزرية، ومشاجرات بالأيدي، ورؤى واكتشافات، وانتصارات ووفيات، فإن كل هذه الأشياء ستفقد بعضا من قوتها؛ إذا جاز القول.

ومع أن حبكة العمل أكثر تعقيدا مما هو مطلوب، فإن المحور الرئيسي لها أُوضِحَ في الكلمات الأربع الأولى للسطور، التي تُكتب على الشاشة في مستهل كل جزء من أجزاء "حرب النجوم"، والتي تقول هذه المرة: اختفى "لوك سكاي ووكر".

ويمكن القول إن سكاي ووكر (الذي يجسد شخصيته الممثل مارك هاميل)، يشبه كثيرا معلميّه بِن كنوبي ويودا، في كونه واحدا ممن يُعرفون باسم "فرسان الجيداي"؛ أولئك المحاربين ذوي الشخصيات الطائشة على نحو مزعج، الذين اختاروا نفي أنفسهم إلى كواكب بعيدة؛ فقط في اللحظة التي كان بوسع المجرة فيها الاستفادة بالفعل من قدراتهم الروحية والنفسية الغامضة.

رغم ذلك، تعلم الأميرة ليا (تجسد شخصيتها الممثلة كاري فيشر) بوجود خريطة ستقودها إلى شقيقها المختفي سكاي ووكر (ولا تسل كيف). أما من سيتولى استعادة هذه الخريطة، فهو طيار متهور إلى أبعد الحدود ينضوي تحت لواء تنظيم "المقاومة" ويُدعى بو دَمِرون (يقوم بدوره الممثل أوسكار آيزك).

ولكن يتبين أن هذه المهمة أكثر خطورة مما كان يعُتقد. كما أن الإنسان الآلي المرافق لـ"بو" لتقديم العون له، وهو ذاك الروبوت لطيف الشكل، والذي يُدعى "بي بي-8"، يصل ليد البطلين الجديدين الآخرين للعمل: "راي"، وهي فتاة تعاني من الوحدة وتعكف على جمع ما ألقاه الآخرون في سلال المهملات (تجسد شخصيتها الممثلة دايزي ريدلي)، و"فينّ" وهو شاب يبدو كما لو كان جنديا تائبا من جنود قوات العاصفة، التي كانت تتبع الحزب النازي في عهد أدولف هتلر (ويلعب دوره الممثل جون بويّغا).

القفز إلى سرعة الصوت

ولكن هاريسون فورد هو النجم الحقيقي لأجزاء "حرب النجوم" هذه، إذ لا يزال قادرا على تجسيد شخصية "هان سولو" بكل مقومات سحرها القديم، الذي يمتزج فيه الخداع بقلة الحظ والتعاسة، إضافة إلى لمسات ملائمة لحقيقة تقدم عمره في الجزء الجديد، وهي لمسات تقترن فيها غرابة أطوار كبار السن بما يتمتعون به من حكمة ذات سمت حزين في الوقت نفسه.

غير أن الأبطال الجدد الذين ظهروا في "صحوة القوة" ربما لا يقلون جاذبية عن فورد كثيرا. فـ"أوسكار آيزك" أثبت أن بوسعه تقديم شخصية "معبود الجماهير ذي الطابع الساحر" وإن كان ذا فكِ مربع الشكل، وذلك بعدما قدم العديد من الشخصيات البائسة والحافلة بالعيوب في أعماله السابقة.

في الوقت ذاته، تبدو "دايزي ريدلي" أنيقة أكثر من اللازم لفتاة يُفترض أنها نشأت في البرية – بل إنها تبدو من فرط أناقتها كما لو كانت الطالبة المتميزة، التي تمثل دائما صفها الدراسي، في مدرسة داخلية تضم بين طالباتها كذلك الممثلة كيرا نايتلي.

رغم ذلك، فإن لدى ريدلي طاقة هائلة وتتمتع بجمال متألق. أما ثالث الأبطال الجدد؛ جون بويّغا فيقدم أداءً متميزا للغاية في الفيلم بلا ريب. فبخلاف إجادته الحديث بإنجليزية ذات لكنة أمريكية رغم كونه لندنيّ المولد، فإن لدى هذا الشاب البالغ من العمر 23 عاما؛ قدرة هائلة على التعبير، بقدر يجعلك تضحك أو تلهث مع أدنى لمحة عبوس تبدر منه.

بجانب ذلك، يبدو أشرار الفيلم مثيرين للإعجاب بدورهم. من بين هؤلاء؛ الممثل آدم درايفر الذي يؤدي دور "كايلو رَين" الطامح في أن يكون في هذا الجزء بمثابة "دارث فادْر"؛ و"فادْر" كما هو معروف كان الشخصية الشريرة الرئيسية في العمل في الأجزاء السابقة.

مصدر الصورة Getty

فقد أظهر "داريفر" ما يعانيه من عذاب جراء تمزق شخصيته ما بين الجانبين الخيّر والشرير لـ"القوة" (وهو اسم حقل الطاقة الذي يربط ما بين كل الكائنات الحية في المجرة التي تدور فيها أحداث السلسلة)، وذلك في مشهدين قدم فيهما أداءً أروع مما قدم الممثل هَيدِن كريستانسِن، الذي جسد دور فادْر، في جزئين سابقين من السلسلة.

أما الممثل دونال غليسُن فيثري شخصية الجنرال الفاشي "هوكس"، بجانب ساحر يعكس هشاشتها النفسية. فرغم قدرته على قيادة جيوش بأكملها، فإنه يبدو ضعيفا قد ينخرط في البكاء إذا ما صفعه أحدهم.

وبقدر غرابة مرأى هؤلاء الأبطال الجدد للسلسلة، بوصفهم جميعا وجوهاً جديدة على متابعيها، وكذلك كونهم يبدون أحيانا وكأنهم مراهقون يرتدون ثيابا منزلية الصنع في تجمع لهواة الخيال العلمي، فإنهم يشكلون إضافات قيمة لعالم "حرب النجوم"، وإنه لشعور ممتع، لا يخلو من مسحة سخيفة قليلا، ينتاب المرء حين مشاهدة أولئك النجوم الجدد، وهم يتسابقون في الردهات أو في حقول الكويكب الذي تدور عليه الأحداث.

ومع احتدام أحداث "صحوة القوة"، خاصة حينما نشاهد "راي" و"فينّ" يراوغان عملاء مجلس الطغمة العسكرية المعروف باسم "النظام الأول"، في ما يبدو وكأنه مشهد حركة طويل متلاحق الأحداث، تشعر كمشاهد أن هذا الجزء من "حرب النجوم" قد أشبع تماما حاجتك لمشاهدة عمل بارع وممتع وسريع الإيقاع، وهو ما يدفعك للبدء في التفكير في أن أبرامز قد أنجز ما أراد، فيما يتعلق بأسلوب تنفيذ الفيلم.

ولكن في لحظة ما؛ عند انتصاف أحداث الفيلم تقريبا، يظهر على نحو مفاجئ عدد أكبر من اللازم من الشخصيات الأخرى، ما يجعلك تبدأ في فقدان القدرة على مواصلة تمييز مَنْ مِنَ الممثلين يجسد أيا من الشخصيات، وكذلك على أي كوكب يوجد هؤلاء جميعا.

وهكذا تمضي الأحداث؛ انفجارات تتلو أخرى ومعارك تعقب مثيلاتٍ لها، ليصبح السيناريو مكدسا بإفراط بالشخصيات والأحداث، إلى حد يجعل من الباعث على راحة المشاهد ألا يرى شخصية "جار جار بينكس" (مخلوق غريب يتسم بالحمق والثرثرة) وهي تظهر فجأة أمامه على الشاشة دون مقدمات.

ولذا يبدو الأمر في هذا القسم من الفيلم منهك للمشاهد. وبينما كان الجزء الأول من "حرب النجوم" ذا بنية درامية لقصة خيالية ذات طابع توراتي تتألف من نقاط رئيسية بسيطة قوامها: الابتعاد عن الوطن، إنقاذ الأميرة، تدمير الأعداء، فإن تشوشا ما يشوب بنية الجزء الجديد، بفعل كل هذه التفاصيل الصغيرة التي جلبها صناعه من الأجزاء اللاحقة للجزء الأول من السلسلة، وهو ما يجعل الفيلم يبدو في النهاية فوضويا مضطربا.

في نهاية المطاف، يبدو المخرج جيه.جيه.أبرامز، وقد قدم لنا في فيلمه هذا ما هو أكثر من اللازم، وما هو غير كافٍ في الوقت نفسه. فهناك أحداث تفوق ما هو ضروري تجري في إطار "صحوة القوة"، ولكنها رغم ذلك غير كافية لبلورة قصة وافية متكاملة الأركان تربط كل هذه الأحداث ببعضها البعض.

يبدو الأمر إذاً شبيها بنصر غير مكتمل أُحرِزَ على نحو مبهر ولكنه مثير للغضب في الوقت ذاته، فقيمة الفيلم الجديد ككل، أقل من قيمة تفاصيله وأجزائه العديدة للغاية إذا قدّرنا قيمة كلا منها على حدة. ولكن، من العجيب، أن بعض هذه الأجزاء رائع بشدة بالفعل.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة