أوسكار: أزمة تنوع عرقي أخرى في هوليوود

مصدر الصورة Getty Images

وسط الجدل المحتدم حول عدم وجود تنوع عرقي بين المرشحين لنيل جوائز الأوسكار لهذا العام، ثمة ملف لا يلقى كثيرا من الاهتمام، وهو السجل المخيب للآمال المتعلق بترشيحات المسابقة للممثلين والممثلات من أصول لاتينية.

منذ عام 1951، لم يحصل أي ممثل من أصول لاتينية على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل، بالتحديد منذ أن نال خوزيه فيرر هذا الشرف في ذلك العام عن دوره في فيلم "سيرانو دي برجراك".

الأمر أكثر سوءا بالنسبة للممثلات من أصول لاتينية اللواتي لم تفز أي منهن بأوسكار أفضل ممثلة من قبل على الإطلاق.

يبدو الحال أفضل في فئة الأدوار المساعدة، التي حظي فيها ممثلون من أصول لاتينية ببعض الترشيحات والجوائز، ولكنهم لم يكونوا أوفر حظا من ذلك.

في هذا الصدد، يمكن الاستعانة برأي فرانسيس نيغورن – مانتينور، الأستاذة بجامعة كولومبيا الأمريكية، وكبيرة معدي التقرير الذي صدر عام 2014 بعنوان "العجز الإعلامي فيما يتعلق بتمثيل ذوي الأصول اللاتينية".

فبحسب نيغورن – مانتينور؛ هناك "شيء غريب في هذا الشأن. أعني أن المجتمع وصناعة (السينما) يعتبرون ذوي الأصول اللاتينية شخصيات مساعدة أو ثانوية (ليس إلا). وأنهم ليسوا في محور القصة أو السيناريو".

لا يتعلق الأمر هنا بمجرد إحصاء عدد الجوائز التي حصل عليها هؤلاء.

فمن وجهة نظر المخرج الكولومبي سيرو غويرا - الذي رُشح فيلمه "إمبرَيس أوف ذى سيربانت" (معانقة الأفعى) لأوسكار أحسن فيلم بلغة أجنبية فإن إبداء مانحي جوائز الأوسكار الاهتمام للممثلين من ذوي الأصول اللاتينية أمر مهم من الوجهة الثقافية.

ويقول غويرا: "هناك مواهب، وطريقة معينة لسرد القصص ذات طابع لاتيني بشكل خاص. كما أن الخبرة والتجربة اللاتينية في الولايات المتحدة تشكل مصدرا ثريا للغاية للسرد. ولذلك، فمن المهم أن يُعرف كل ذلك ويُعترف به".

ويعكس عدم ترشيح ممثلين لاتينيين لنيل الأوسكار مشكلة أعمق؛ وهي الإحجام المستمر من قبل القائمين على صناعة السينما عن إسناد أدوار رئيسية لمثل هؤلاء الممثلين.

وهنا يقول فيلكس سانشيز، رئيس المؤسسة الوطنية للفنون الخاصة بذوي الأصول الإسبانية، إن السياسات المثيرة للجدل المتبعة في هذا الصدد تعود إلى وقت طويل.

ويضيف: "هناك تحيز ضد ذوي الأصول اللاتينية. لم تشعر صناعة (السينما) بأي ضغوط لإحداث أي تغيير في هذا الشأن. لم ترَ أي طلب من الجمهور، باعتباره مستهلكا لمنتجاتها، لإشراك المزيد من الممثلين اللاتينيين لتجسيد أدوار رئيسية".

"تغيير نمط الحوار"

وما يثير الاستغراب هو أن الأمريكيين من أصول لاتينية يشكلون 17 في المئة من تعداد السكان في الولايات المتحدة، بحسب أرقام مكتب الإحصاء السكاني الأمريكي، بينما لا تزيد نسبة نظرائهم من أصول أفريقية على نحو 13 في المئة.

ورغم ذلك، فإن الممثلين أصحاب البشرة السوداء حظوا على مر السنين بنصيب أكبر من الترشيحات لنيل جوائز الأوسكار، بل وحصة أكبر من مرات الفوز بها أيضا.

مصدر الصورة Reuters

ويرى الناقد السينمائي نوا غيتل أن ضعف سجل اللاتنيين السينمائي سببه أنهم لا يشكلون قوة سياسية على الساحة الأمريكية.

ويوضح قائلا: "ليس هناك حركة اجتماعية تقف وراءهم، أو لا توجد حركة مماثلة في قوتها لتلك المناصرة للمساواة العرقية عندما يتعلق الأمر بالأمريكيين من أصول أفريقية".

ويعتقد العديدون أن الدوافع العنصرية هي التي تعرقل مسيرة ذوي الأصول اللاتينية في صناعة السينما، تماما على غرار التمييز الذي واجهه الأمريكيون من أصول أفريقية في هوليوود.

ويرى سانشيز أن إحراز تقدم على هذا الصعيد يتطلب توسيع نطاق مفهوم التمييز العنصري. ويقول: "نحتاج إلى (تغيير) طبيعة الحوار الدائر بشأن التنوع، وعدم قصره على النمط القديم الذي يتحدث عن بيض البشرة وسود البشرة دون غيرهم".

ويضيف سانشيز بالقول إن المكون السكاني ذا الأصل اللاتيني أكبر حجما من نظيره الخاص بالأمريكيين من أصول أفريقية.

ويمضي قائلا: "لدينا مشكلة أكثر أهمية، وهي مسألة أوسع نطاقا حقاً، وتؤثر على المنحدرين من أصول لاتينية وآسيوية، وكذلك السكان الأصليين لأمريكا أيضا".

وربما يشكل اعتبار أصحاب الأصول اللاتينية في الولايات المتحدة على أنهم مهاجرون في أغلب الأحيان، أحد العوامل الأخرى التي تجعل من الصعب عليهم الحصول على أدوار رئيسية في الأفلام السينمائية التي تُنتج هناك تحديدا.

وتقول فرانسيس نيغورن – مانتينور: "ينظر إليهم كأجانب ولذا (لا يشعر) المرء بأنه مضطر للإنصات إليهم".

ويبدو أن الممثلين الأمريكيين من أصول لاتينية هم من يتحملون وحدهم العبء الأكبر، لأن أقرانهم من ذوي الأصول الإسبانية مثلا، أو ممن يعيشون في أوطانهم الأصلية بأمريكا اللاتينية يحققون نجاحا أكبر. ويعود ذلك غالبا لأنهم قَدِموا من خلفيات اقتصادية أفضل حالا.

وتقول نيغورن – مانتينور: "إذا ما كنت لاتينيا وُلِدتَ في الولايات المتحدة فسيتعين عليك أن تواجه العنصرية في كل خطوة تقطعها على طريقك في صناعة (السينما). (ولكن) إذا ما نشأت في وطنك الأصلي وسط طبقة متوسطة نسبيا أو منتميا لطبقة ثرية فسيكون لك مسار مختلف تماما".

وتضيف:" حدث ذلك مع نجوم إسبان، نجوم أوروبيين، مثل بينلوبي كروز أو خافيير باردِم، ممن جاءوا إلى هوليوود ووهم نجوم على الساحة السينمائية العالمية".

السوق اللاتينية

وعلى أي حال، لا تشهد مكانة الممثلين/ الممثلات من أصول لاتينية من الأمريكيين أي تحسن. ففي واقع الأمر، تراجعت نسبة إسناد أدوار رئيسية للذكور منهم بين عامي 2000 و2013، بحسب تقرير "العجز الإعلامي فيما يتعلق بتمثيل ذوي الأصول اللاتينية".

مصدر الصورة AFP

ويرى نوا غيتل أن ذلك ربما يرجع إلى ما يلحق بصورة الممثلين من ذوي الأصول اللاتينية من ضرر بفعل النقاش المحتدم بشدة على الساحة الأمريكية بشأن الهجرة.

ويضيف غيتل: "أصبحت محنة أصحاب الأصول اللاتينية مُسيسة بشدة في ثقافتنا، مع وجود أناس ينتمون إلى التيار اليميني على الساحة السياسية ممن يتحدثون سلبيا وبوقاحة شديدة عن المهاجرين من المكسيك، على سبيل المثال."

ويتابع: "لن أندهش إذا ما كان أصحاب شركة سينمائية ما يشعرون – صراحة – ببعض القلق إزاء وضع الممثلين اللاتينيين في الصدارة وفي القلب (من أعمالهم) بما ينطوي على المخاطرة بإثارة ضيق وانزعاج شريحة رجعية من السكان".

ويشعر الكثير من ذوي الأصول اللاتينية بإحباط من أن شركات الإنتاج السينمائي في هوليوود لا توفر لبني جلدتهم تمثيلا أفضل على الشاشة، رغم أنهم يشكلون كمجموعة عرقية مصدرا لجانب كبير من دخل تلك الشركات.

وتقول نيغورن – مانتينور: "لولا أصحاب الأصول اللاتينية، لكانت صناعة السينما في الولايات المتحدة سقطت في هوة كساد عميق. فهم يشترون 25 في المئة من تذاكر السينما، وهم لا يشكلون حتى ربع السكان"، وهو ما يعني أنهم يشترون بطاقات أكثر مما هو متوقع وفقاً لأعدادهم.

ولكن ثمة أمل في أن يبدي أصحاب شركات الإنتاج اهتماما بقضية التنوع العرقي هذه، بفعل أفلام مثل "فيوريوس 7"، الذي حقق نجاحا ساحقا ولاقى إقبالا كبيرا، وكان يضم بين فريق العمل فيه ممثلين متنوعي الخلفيات الثقافية، بينهم ممثلون من أصول لاتينية.

فقد بلغت إيرادات الفيلم من عرضه في مختلف أنحاء العالم 1.5 مليار دولار (1.08 مليار جنيه استرليني). وكان المشاهدون اللاتينيون وأصحاب الأصول اللاتينية أكثر المجموعات العرقية دعما له.

ويقول فليكس سانشيز: "حسبما يرون هذا المثال: هم يريدون تكرار هذا النوع من النجاح، ويقرون بأنهم في حاجة إلى تقديم شخصياتهم (على الشاشة) على نحو ملائم".

لكن غيتل يؤمن بأن الحل لابد وأن يكون مدفوعا من قبل ذوي الأصول اللاتينية أنفسهم.

ويوضح قائلا: "أعتقد جازما أن ثمة حاجة لأن يأتي الأمر من الأسفل صعودا للقمة. فالممثلون والمخرجون اللاتينيون بحاجة لتقديم أفلامهم الخاصة عن تجاربهم هم.

لا أعتقد أن المسؤولين التنفيذيين بيض البشرة في شركات الإنتاج سيقومون بذلك نيابة عنهم، لأنهم ببساطة يفتقرون للدافع لذلك في الوقت الراهن".

مصدر الصورة AFP
Image caption حصل المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليز إيناريتو على جائزة أوسكار أحسن مخرج في 2016، وذلك للعام الثاني على التوالي.

وتتبنى شركة "بينتليون فيلمز" للإنتاج السينمائي، وهي أول شركة إنتاج كبيرة في هوليوود ينحدر أصحابها من أصول لاتينية، هذا النهج تحديدا.

فهي تنتج مجموعة متنوعة من الأفلام؛ بعضها ناطق باللغة الإسبانية، وأخرى ناطقة بالإنجليزية، وبينها ما هو ثنائي اللغة، وتستهدف بها جميعا السوق اللاتينية.

وتأمل هذه الشركة أن يقود نشاطها في نهاية المطاف، إلى أن يحظى الممثلون ذوو الأصول اللاتينية، بأدوار جديرة بالترشح لنيل جوائز الأوسكار.

ويقول مدير العمليات بالشركة، إدوار آلين، إن ما تقوم به شركته يساعد الممثلين من أصول لاتينية؛ لأنه يمنحهم نافذة يظهرون من خلالها أمام شركات الإنتاج الأخرى، بما يتيح لهم فرصة الاختيار من قبل تلك الشركات للمشاركة في الأعمال التي تنتجها.

ويضيف أنه عندما يخرج هؤلاء الممثلون لتجسيد أدوار لحساب شركات أخرى "ونلمس إحراز قدر من النجاح لواحد من هذه الأفلام، يبرهن ذلك – كما أعتقد – على الجاذبية التي يكتسي بها هذا الممثل أو تلك الممثلة في عيون الجمهور الأوسع نطاقا".

وفي كل الأحوال، من المرجح أن يكون أي تغيير في هذا الشأن بطيئا.

ولكن العزاء هو أن أبناء أمريكا اللاتينية ممن يقفون خلف الكاميرات، يبلون بلاءً حسنا بشكل أكبر من أقرانهم الواقفين أمامها.

فمن العوامل المشجعة للمنحدرين من أصول لاتينية هو أن جائزة أوسكار أحسن مخرج قد ذهبت بالفعل لواحد من بني جلدتهم للعام الثاني على التوالي؛ وهو المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، والذي نال جائزة أحسن مخرج هذا العام عن فيلمه "ذا ريفينانت" (العائد).

كما أن مواطنيّه المخرجيّن؛ ألفونسو كوارون وغييرمو ديل تورو، قد حققا العديد من النجاحات في الولايات المتحدة على مدار الأعوام العشرين الماضية.

قد يساهم فوز إيناريتو بالفعل في زيادة الفرص المتاحة لغيره من المخرجين اللاتينيين، لكن يبقى الممثلون الواقفون أمام الكاميرات هم من ينتظرون رؤية تقدم ما إلى الأمام، لاسيما وأنهم يعلمون أن 65 عاما مضت، منذ فوز ممثل لاتيني بأوسكار أفضل ممثل، وهو ما يشكل بالنسبة لهم فترة طويلة للغاية.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة