شبح الإغلاق يخيّم على أعرق الصحف اللبنانية

يقرأ صحيفة "اللواء"
Image caption صحيفة "اللواء" فتحت باب الاستقالات أمام الراغبين في عدم الاستمرار في العمل

بعد أزمة شغور المقعد الرئاسي في لبنان، وأزمة اللاجئين السياسيين، ثم أزمة النفايات، ظهرت بوادر أزمة جديدة تتعلق هذه المرة بـ"السلطة الرابعة" في هذا البلد الذي طالما تغنى بحرية التعبير.

فقد صدرت مذكرتان إداريتان عن صحيفتي "السفير" واللواء" اللبنانيتين، تقدمان صورة قاتمة عن مستقبليهما تحديداً، مستقبل الإعلام اللبناني خصوصاً.

اجتماع نقابي طارئ

وعقد مجلس نقابة محرري الصحافة اللبنانية اجتماعا استثنائيا، لبحث الازمة المستجدة، تقرر في أعقابه عقد اجتماعات مع رئيسي المجلس النيابي والحكومة ووزيري الاعلام والعمل والبحث في وسائل تأمين ديمومة عمل الصحافة اللبنانية واستمراريتها، وكذلك عقد اجتماع طارىء مع نقابة الصحافة للتنسيق والاتفاق على خطة عمل للتصدي لأي عملية صرف تعسفي.

Image caption وضعت نقابة المحررين مستشارها القانوني في خدمة الصحفيين في الصحف المعنية

ودعت النقابة اصحاب الصحف الى التريث في اتخاذ أي خطوات بانتظار البحث عن حلول مشتركة. ووضعت مكتب مستشارها القانوني المحامي بتصرف العاملين في الصحف المعنية.

تأخر في دفع الرواتب

وبينما تتأخر رواتب صحفيي تلفزيون "المستقبل" وصحيفة "المستقبل" و"إذاعة الشرق"، إضافة إلى ما يتردد عن أزمات مالية في كل من تلفزيوني "أم تي في" و"إل بي سي"، وجريدة "النهار"، جاء في "رسالة إلى الأسرة" كما سماها رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان أن يهمه "أن يحيط الزملاء باننا عشية العيد الثالث والأربعين لإطلاق هذه الصحيفة... نواجه ظروفاً وتحديات صعبة"، وأنه في مواجهة ذلك "كان من الطبيعي أن يبادر مجلس الإدارة.. إلى طرح الاحتمالات جميعها للنقاش، بما فيها خيار التوقف عن الصدور. وفي انتظار تبلور القرار، تستمر السفير بالصدور".

وفي المذكرة الادارية الصادرة عن رئيس تحرير صحيفة اللواء، جاء: "عطفاً على إجراءات شد الحزام وخطوات التقشف الأخيرة، وإفساحاً في المجال أمام الزملاء والزميلات لاتخاذ الخيار المناسب لكل منهم، وحرصاً على عدم تحميل أعباء المرحلة الصعبة لمن لا يرغب بالمشاركة في تحملها، تقرر فتح باب الاستقالة أمام من لا يستطيع الاستمرار في العمل في هذه الظروف القاسية".

"صوت من لا صوت لهم"

Image caption لم تتوقف "السفير" عن الصدور طيلة الحرب الأهلية اللبنانية

في نبذة عنها على موقعها الالكتروني، تكتب "السفير" أنها "كانت الصحيفة اللبنانية الوحيدة التي لم تتوقف يوماً واحداً خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ، على رغم أن توزيعها كان محصوراً، بفعل الحصار الإسرائيلي، في شوارع العاصمة".

ولا يعني استمرار هذه الجريدة- التي جعلت شعارها "جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان"، أو "صوت الذين لا صوت لهم"- انها قادرة على مقاومة الأزمة.

وهذه الصحيفة التي تعرضت للتوقف عن الصدور ثلاث مرات فقط بقرارات صادرة عن الحكومة اللبنانية، كان آخرها عام 1993، على قاب قوسين أو أدنى من وقف نسختها الورقية، والتحول إلى الانترنت كلياً.

قرار غير معلن

يقول مدير تحرير الموقع الإلكتروني في "السفير" منير الخطيب لـ"بي بي سي" إنه حتى الآن "لم يصدر أي قرار بالدمج بين الورقي والإلكتروني أو بإقفال الأخير" وإن "كل الخيارات مطروحة على الطاولة" كما جاء في البيان المعمم.

وعن المحتوى يقول الخطيب: "يقوم الموقع على محتوى الصحيفة، ويعتمدها مادة اساسية، فما يفعله الفريق الإلكتروني عدا ذلك هو رصد الأخبار ومتابعتها. فالعاملون في الموقع لا يكتبون التحليلات المعمقة ولا الرأي".

وإذا تقرر الإقفال "فلابد أن نعتمد على فريق من الصحيفة للعمل في الموقع".

لكن صحفياً من الفريق المؤسس في السفير، والذي شارك بالإصدار الأول منها قبل 42 عاماً، قال إن قرار الإقفال نهائي. وأضاف رافضاً الكشف عن اسمه: "لقد اتوا بفريق إلكتروني وجميعنا سنعود إلى منازلنا في نهاية الشهر".

وتنظم "السفير" حفلة رسمية في الـ31 من آذار/ مارس الجاري احتفالاً بدخولها عامها الثالث والأربعين، "على أن يعلن القرار النهائي حينها". ويلفت المصدر إلى أنه "منذ صدور التعميم يوم أمس الثلاثاء ولم نر أي أثر للمسؤولين الإداريين. جميعهم اختفوا عن النظر، ولا أحد يجيب على مخاوفنا".

"إقحام" اسم "النهار"

كذلك ليست أزمة صحيفة النهار المالية خافية على أحد. "فمنذ سبعة شهور لم نتقاض رواتبنا"، كما تقول إحدى الصحفيات البارزات في الجريدة ، "ولا نعلم إلى أين نحن ذاهبون. كلما حاولنا الاستفسار عما يدور من كلام عن توقف النسخة الورقية، نجابه بالإنكار".

لكن مدير تحرير "النهار" غسان حجار عبّر لبي بي سي عن امتعاضه مما اعتبره "زج إسم النهار في الأزمة التي تعاني منها صحيفة أخرى"، لافتا إلى أن "المؤسسات الإعلامية كلها تعاني من العجز".

وأكد حجار أن "لا نية لنا في الوقت الراهن في الانتقال إلى النشر الإلكتروني، ولم يتم أي نقاش حيال ذلك".

تحوّل لا إلغاء

تقول الدكتورة زاهرة حرب كبيرة المحاضرين في الإعلام الدولي بجامعة "سيتي" في لندن: "لست مع فكرة أن الصحيفة التي تتوقف عن الطباعة تنتهي، وإنما هي تتحول. تماما كما تغيرت طريقة مشاهدتنا للتلفزيون، وتحولها إلى الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، كذلك الأمر بالنسبة للصحف".

وفي لبنان، تتجاوز الأزمة المطبوعات لتطال التلفزيونات، "فسوق الإعلان ضيق وعلى الجميع تقاسم هذه الكعكةـ أضف إلى ذلك تأثير الازمتين السياسية والاقتصادية في لبنان، وكذلك التطور التكنولوجي"، كما توضح زاهرة حرب.

فوفقاً لجمعية الانترنت، وهو منظمة دولية تعنى بسياسة الإنترنت ومعايير التكنولوجيا والتطوير، يفيد التقرير الذي اعدته "لجنة القياس التعاوني لجودة الإنترنت في لبنان" بأن 63 في المائة من سكان هذا البلد يستخدمون الانترنت.

وتقول حرب إنه "في زمن الحرب كان التمويل يأتي من طرق أخرى، لكن ذلك اختلف الآن". وتلفت إلى أنه "في بريطانيا أعلنت الاندبندنت التوقف عن الصدور ورقياً والاكتفاء بالطبعة الالكترونية، لكن في المقابل صدرت صحيفة ورقية جديدة باسم "نيوزداي".

كذلك مجلة "نيوزويك" التي كانت توقفت عن الصدور ورقياً، عادت الآن إلى الطباعة".

وتختم حرب بالقول: "ما يحصل لا يلغي الصحافة، وإنما يدفعها إلى أن تبدل جلدها".

المزيد حول هذه القصة